أشتات

العلامة شعبان صلاح .. الأب النحوي الحاني

ما تزال أذناي تتسمَّعانِ وقع دندنة الأستاذ العلَّامة/ شعبان صلاح بتفاعيل بحور الشعر العربي .. ما تزالانِ تنسجمان معه، وهو يدق بإصبعه على المكتب أمامه؛ فكأنه يثير بحركته من أمواج بحور الشعر ما يثير، فتحملنا بعيدًا بعيدًا عن يابسة الجفاف الواقعي، ماخرةً عباب الشعر بجاذبية موسيقاه الحانية .. يتيه معنا أستاذنا عن كيانه ونفسه، منفعلًا مع طلابه في ترويتهم لُحُونَ القصيد.

مضتْ أعوام لا أحصيها على آخر رؤيتي له، وما زال صوته الدافئ الوازن الهادئ يتردد في كياني .. شهدتُ بعينيَّ حشود الطلاب التي تتوخَّى سماع محاضراته، وتغامر بضياع غيرها من محاضرات الأساتذة في سبيل تكرار المحاضرة بين يديه، يردد فيها ما سمعوه توًّا .. إلى حدٍّ شُدِّدَتْ فيه الرقابة كي يحتفظ الجميع بحقه في السماع منه والتلقي عنه؛ بينما محاضرات كثير من زملائه لا تكاد تمتلئ نصف مقاعدها!

كان يغمرنا بأبوَّته وحُنُّوه على الطلاب، وأحاديثه الفَكِهة الطريفة التي يُضفِّرها جدائل جدائل مع المعلومات النحوية والصرفية والعَرُوضية .. فسرعان ما تنتهي المحاضرة، ولمَّا نُفِقْ من سكرة مجالسته، وحُلو حديثه، وأُنسه المتدفق .. فما نلقاه إلا آمرًا إيانا بالخروج حتى نفسح لمَن حضَرَتْهُم الفُرصةُ للدخول عليه.

كان عازفًا تتدفق من بين كفيه أعذب الألحان .. كان ساحرًا يسحر الطلاب؛ فبين يديه تلقانا العلومُ بوجه بشوش يسير ليِّن، ومتى خلونا إلى أنفسنا وإيَّاها، وانفضَّ عنا سحرُهُ؛ ألفيناها تكشِّر عن كثير من الوعورة والكدّ؛ وكأنَّ العلم يتألق في حضرته وحسب .. ما ضربتُ في حياتي مثالًا عن مُعلِّم مدرِّس ماهر في فنه إلا به!

وأشهد في لحظة كتابتي هذه عمق صوته، وهو يشرح الشاهد النحويَّ في قوله -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ) .. أذكر الآن أنْ سنحت مني لمحةٌ ساعتها إلى تلك الشبابيك الضخام التي في المدرِّج .. وأشهد الآن لحظات وُلُوجه المُدرَّج، وهو مستعين بعُكَّازه في حركةٍ شديدةٍ، يُسابق بها ذوي الرِّجلَيْنِ الأتمَّيْنِ، وهو يتيم الساق؛ فكأنه يستعين بجِدِّ نفسه وقوة عزمه ومضائه، لا بعكاز مقدود من خشب!

العلامة شعبان صلاح . الأب النحوي الحاني العلامة شعبان صلاح .. الأب النحوي الحاني

كان رجلًا عجيبًا عجيبًا، لمْ يُفقده الولوغُ في مُمازحةِ الطلاب والتسريةِ عنهم مشقةَ العلم حظَّ نفسِهِ من الهيبة؛ فكان مهيب الجناب، منحةً من الله ذي الجلال والإكرام .. يشفق الطلاب من الجرأة في محاضرته .. فكان أستاذًا بحقٍّ، يجيد التفرقة بين الجد والهزل.

وقد أودع الله في نفسه أمانة العلم، ورسَّخ في جنباتها شموخه؛ فكان يأخذ الكتاب بقوَّة، في مثابرة وعزم .. وكان يولي عمله اهتمامًا فائقًا، فما يلج إلى المحاضرة إلا وتحضيره الورقي بين يديه، رغم غنائه عنه؛ ولم أجده في محاضرة إلا وخطة ما سيُلقي مرتسمة في ذهنه، مُقسَّمةً على وقت المحاضرة. يدرك هذا مَن يتدبر إدارته المحاضرات .. ومن أمانة العلم فيه احترامه التخصص؛ فقد سأله طالب مرةً سؤالًا في غير تخصصه، فما كان منه إلا أن نصحه بسؤال الأستاذ المتخصص، وهو عالم بجوابه. لكنَّ احترام تخصص الآخرين، واحترام حق العلم كانا يشملانِ خصال درسه وكتابته.

وهو في حين جده طود شامخ؛ فقد شهدت له مناقشة رسالة دكتوراة، أغلظ فيها على الباحث الكثير من جراء تهاونه في مادة بحثه، وناقشه مناقشةً جادةً مريرةً، جفَّتْ لها حُلُوقنا، فما بالنا بصاحبنا الباحث المسكين، الذي جرَّ على نفسه الوعثاء من تهاونه! .. وقد كان الحق مع الأستاذ شعبان فيما قاله وطرحه، وكانت مناقشته في غاية من المهارة والفطنة لمسالك ما يناقشه، بقدر ما كانت هنات الباحث. وأذكر أنه رفض التوقيع على المنح، وأصرَّ على موقفه وسط زملائه؛ لاستهتار الباحث فيما قدَّم. وما ذلك إلا لأمانته الشديدة وحرصه الأتمّ في ألَّا يمنح شهادةً في العلم لمَن لا يستحق.

وكانت كتبه كما كانت كلماته؛ رصينة، يسيرة .. كانت على زمني مكتوبةً بالآلة الكاتبة، ولم يثنِ ضعفُ إخراجها القلوبَ عن محبتها وقبولها. امتلكتُ منها مجموعةً من الكتب الدرسيَّة التي كانت تصوَّر غرض التداول الطلابي. لكنني لم أتحصل من كتبه القشيبة التي كانت تصدرها مكتبة غريب بالفجَّالة إلا على كتاب أو اثنين، أحدهما كتاب “موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع”. فقد كنت مأخوذًا ساعتها بمتابعة كتب زميلَيْهِ الأستاذين الفاضلين: علي أبو المكارم، ومحمد حماسة عبداللطيف.

وقد انقطعت صلتي به أثناء الدراسة في الكلية، حينما تسلَّم دفعتنا أستاذ غيره. ثم بعدها اتجهت إلى قسم الدراسات الإسلامية، تخصص الفلسفة الإسلامية؛ وقد كان أستاذًا في قسم النحو. فلم أكن أشرف برؤيته إلا في النادر من سنحات الزمن، فتشملنا ابتسامة من قلبه الوادع، وقد يصحبها سلام. وأنا لستُ من ذوي الاجتماع البشري، لكنَّ مكانته في قلبي كانت ترغِّبني في الاتصال الوديّ بنفسه الشريفة.

رحم الله الأستاذ العلامة/ شعبان صلاح؛ الأب النحوي الحاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى