
لم يعرِف مجتمعُنا السوري منذ الفتح الإسلامي لبلاد الشام إلى يومنا هذا، لونًا فاقعًا من ألوان النُّعَرات الطائفية المَقيتة، إلا ما كان بتحريض خارجي، لم يُؤتِ أُكُلَه على ما يحبُّ أصحابُه المُغرِضون موقدو الفتنة. أمَّا أبناءُ الشام على اختلاف انتماءاتهم فقد توثقت أواصرُ العيش بين فئاتهم بسلام، بعيدًا عن العصَبيات العِرقية أو العُنصرية أو الدينية أو الطائفية، مع محافظة كلِّ فريق منهم على هُويَّته وخصوصيَّته.
وهذه الكنائسُ والأديرة شاهدُ صدقٍ على سماحة الإسلام وعدله؛ فعلى مدار قرونٍ من بسط الإسلام حُكمَه على هذه البلاد، واختلاف الحُكَّام في أعراقهم ومذاهبهم وطوائفهم= لم تُمسَّ بيدِ سوء، ولم تُصَب بأذًى.
وللأستاذ الكبير محمد كُرد علي وزير المعارف ومؤسِّس المجمع العلمي العربي بدمشق، مقولةٌ صريحة واضحة في بيان محرِّك الطائفية، يذكر فيها:
أن أبناء الطوائف المختلفة كانوا إخوانَ الكثرةِ الكاثرة من أهل السنَّة في الشام، وكانوا يرضَون بكلِّ ما يُعطَونه من حقوق. فلمَّا جاء الغريبُ انتفَضوا كما انتفضَ العُصْفور بلَّلَه القَطْرُ، وقاموا يطالبون بحقِّهم المزعوم، ويذكرون حوادثَ إفرادية وقعَت في الدَّهر الغابر، ويقعُ مثلها بين أبناء الأب الواحد، ولا يفتَؤون يردِّدون نغمةَ الأحقاد القديمة.
ووَدَّ أصغرُهم عددًا لو أسَّسَ دولةً برأسها، وأن يجعلَ كِيانًا خاصًّا لبِضْعة ألوف. وأعظمُ ما يعبَثُ بعقولهم الجهلُ وقلَّة الحِساب للمستقبل! ويعرفُ العقلاء منهم حقَّ المعرفة أنَّ نار الأكثرية أحسنُ في العُقْبى من جنَّة غيرهم.
[مذكِّرات كرد علي ١/ ٢٨٠].
أرأيتم مَن محرِّكُ هذه الفتنة العمياء؟
إنه الغريبُ الذي لا يريد لهذه البلاد ولا لأهلها الخيرَ والوئام، ولا يقَرُّ له قرارٌ حتى يرى أبناءها يقتتلون؛ يقهر بعضُهم بعضًا، ويسفكُ بعضُهم دمَ بعض، فلا تقوم لهم بعدُ قائمة. فحينئذٍ يقدَمُ الغريبُ نفسُه مُبديًا الحِرصَ على وأد الصِّراع وإحلال السلام بسَطوةٍ وعُنجُهِيَّة، وهو الذي خطَّط وأغرى وتحرَّش، ثم قطفَ الثمار!
وإذا علمتم هذا عرَفتم مقدارَ ما كان الحُكمُ الأسدي الغاشم في سورِيَةَ مُنبتًّا عن شعبه، وغريبًا عن أبناء بلده، وبعيدًا من ضمير أمَّته!
وعودًا إلى كلمة الأستاذ كرد علي وما ذكره من يقين العقلاء من أبناء الطوائف والأقلِّيات، ومعرفتهم حقَّ المعرفة أنَّ نار الأكثرية أحسنُ عاقبةً من جنَّات سواهم!
فإنَّ من هؤلاء العقلاء أديبًا نصرانيًّا صادقًا في انتمائه لوطنه، وإلى الأكثرية من أبنائه، يفنِّد دعاوى الغرباء، وينافح عن الحضارة العربية الإسلامية، ويعلن بجَراءة مدوِّية ضرورةَ مناوأة الغرب في دعايته الكاذبة، وفرضه شعورًا بغيضًا على المسيحيين العرب، من أنهم لا يمكنُ أن يعيشوا دون حماية المسيحية الغربية!
هذا الأديب هو الأستاذ فؤاد الشايب:
المولود في بلدة مَعْلُولا السورية بمِنطقة القَلَمُون، عام 1911، لأسرة نصرانية من الروم الأرثوذكس. وهو مفكِّر قومي، وأديب وقاصٌّ، وكاتب صَحَفي، ومدير إذاعة دمشق عام 1948.
اعتقله الرئيس حسني الزعيم لرفضه قراءة بلاغات عسكرية عقب انقلابه على الرئيس شُكري القُوَّتْلي عام 1949، واختاره الرئيس أديب الشِّيشَكْلي مديرًا للأنباء في القصر الجمهوري في عهده، وحين عاد الرئيس القُوَّتلي إلى الحُكم عام 1955 عيَّنه مديرًا للمكتب الصَّحَفي في رئاسة الجمهورية.
انتُدبَ لتمثيل جامعة الدول العربية في بوينس آيرس، عام 1966، وبقي هناك إلى أن اغتاله الصَّــ … ـــهاينة عقب كلمة له في نُصرة حقوق الشعب الفلسطيني، واستنكار جرائم الحركة الصِّهْــ … ــيَونية في فلسطين، عام 1970.
وهذه ترجمته في الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا) من إعدادي وتحريري:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%81%D8%A4%D8%A7%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%8A%D8%A8
ولنُصغِ الآن بعقل واعٍ إلى كلماته الكاشفة الناصحة.
قال فؤاد الشايب:
إن في تاريخ العرب مفاخرَ أخلاقيةً كُبرى، لا نعرِفُ أنها أتت إلا من صميم الإسلام، فهل من حرَجٍ على القومية العربية إذا أصبحت مُطعَّمة بروح الإسلام؟ وما كانت إلا كذلك عبر تاريخها الطويل.
وهل انبثقت القومية العربية إلا مع فجر الإسلام؟ وأيُّ حدَث في العروبة أرقُّ من هذا الفجر وأصفى؟ وهل إذا صفَت عروبةُ العربي مهما كان دينُه يستطيع أن يجرِّد نفسَه من مزايا الإنسان الذي أورثه إيَّاها تاريخُ الإسلام العربي، في تكوين قوميَّته، وتكوين إنسانيَّته، وسَبْك فِطرته؟
وهل بوُسع المسيحي العربي إلا أن يكون عربيًّا تملأ عروبتَه سيرةُ الإسلام المجيدة؟ وهل يمكن أن يكون المسيحي العربي أقلَّ إخلاصًا لعروبته من المسلم؟
وإلى متى يُشعرنا الأجنبي بمُركَّب النقص في نفوسنا، وأننا لا يمكن أن نكون نصارى وعربًا؟!
وقال أيضًا، سائلًا مستنكرًا:
هل بوُسع المسيحي العربي أن يقبلَ بالنصرانية العالمية قضيةً مستقلَّة، لتكون شوكةً في جنب عروبته، وطعنةً في قلب كِيانه القومي، وهدرًا لمصلحته ومصلحة بني قومه؟
وكم مرَّةً تدخَّلت النصرانية الغربية في شؤون الشرق، ولم تجلِب على نفسها وعلى النصارى سوى الشرِّ والوَيل والوَبال؟
وكم مرَّة تدخَّلت لحمايتنا، ولم تترُك في قلوبنا سوى الجِراح، وفي كرامتها سوى المثالب؟ وماذا كسَبَت النصرانية عن طريق عواصم الغرب سوى الفشل وسوء السُّمعة؟.
[مقالة أديب عربي نصراني يدحض الافتراءات على الإسلام، للكاتب فؤاد الشايب، مجلة التمدُّن الإسلامي، دمشق، السنة 1369هـ/ 1949م، الجزء 16، العدد 13 و14، الصَّفَحات 313- 314].
ولعلَّ فيما اقتبَستُ من مقالته ما يكفي ويُغني عن كثير القول.
فيا أيها السوريون على اختلاف أعراقكم وأطيافكم، العقلَ العقل، والحكمةَ الحكمة، وإيَّاكم واتِّباعَ هوى الغريب فإنه لن يأخذَ بكم إلا إلى خراب بلادكم، وفساد عيشكم، ووَهْن حاضركم، وضياع مستقبلكم.
