
سأبدأ في سورة الفاتحة من هنا…
من فاتحة الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم… التي هي افتتاحية القرآن، دستور العالم المحفوظ.
ما أعظمها من افتتاحية، وما أعمقه من وسم متكرر في أول كل سورة من سور القرآن من أوله إلى آخره،
من الفاتحة إلى الناس….
يقول ربنا سبحانه وتعالى: باسمي أنا الله الرحمن الرحيم أفتتح كتابي الذي فيه هداي وشريعتي والدين الذي ارتضيته.
ونقول نحن: بسم الله الرحمن الرحيم، نفتتح هذا القرآن… نبدأ هذا الدستور المحفوظ للعالمين… نعم.
بسم الله الرحمن الرحيم تتلى أحكامه وحلاله وحرامه وتشريعاته وأخباره ووعده ووعيده.
أتدرون لماذا؟
دعوني أقف هنا على ربوة التأمل… لتتضح الصورة أكثر جلاءً وصفاءً.
إن الدساتير الأرضية الوضعية تبدأ باسم الشعب؛
ليقول لكل من يطلع عليه:
هذا لم يكتبه فرد ليعبر عن رؤيته وخططه ونظرياته، بل كتبه شعب وخطه وزبره…
واستُفتي عليه باستفتاء عام ليقره الشعب ككل بكافة أطيافه.
وهذا الشعب يحاكم إلى الدستور من يقوده، ويحتكم إليه…
وهو عقد بينيٌّ… للشعب بين فئاته وأفراده، كما هو بين الشعب وحكامه.
وحين يفتتح ربنا سبحانه وتعالى كتابه فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فهو سبحانه وتعالى يقول للعالمين…
للشعوب والأمم، متقدمها وسابقها ولاحقها، إنسيها وجنيها، إلى منتهى الزمن والأبد….
قال للجميع: كتابي وكلامي هذا باسمي أنا الله الرحمن الرحيم أفتتحه، من أول سورة منه إلى آخر سورة منه.
باسمي أنا الله الرحمن الرحيم أنزلته، باسمي أشرع أحكامه، باسمي أنا الله الرحمن الرحيم وضعت حلاله وحرامه وكل ما فيه…
فيه منهجي وشريعتي وعلمي، لا ريب فيه. كل ذلك باسمي أنا الله الرحمن الرحيم.
إن هذا القرآن ينطق باسمي أنا الله الرحمن الرحيم،
ويشرع باسمي، ويحلل ويحرم باسمي، ويخبر ويأمر وينهى ويبشر وينذر باسمي أنا الله الرحمن الرحيم.
إذًا، كل ما ستتلوه أيها القارئ، وكل ما ستقف عليه، ليس باسم أمة ولا شعب ولا دولة ولا حزب ولا فرد ولا إنسان…
إنه باسم الله الرحمن الرحيم افتتاحًا وتنزيلًا وعبارةً ولفظًا وتشريعًا وهدايةً وبيانًا وإحكامًا وأمرًا ونهيًا…
هذا هو المعنى العميق الدقيق لافتتاح الله كتابه باسمه سبحانه: الله الرحمن الرحيم، في كافة سوره من أول القرآن إلى آخره.
وأنت وأنا حين نقرأ نستشعر هذا الجلال والعظمة والعلو.
إننا أمام دستور ليس باسم الشعب أو الأسرة الحاكمة أو الملك أو قائد مستبد أو طاغية جبار هبار.
ليس باسم إنسان له شهواته ونزواته وضعفه وطيشه ومحدوديته التي تنبعث من سطور وكلمات ما يكتب ويؤلف ويقنن ويدستر.
ليس باسم شعب يتلوه مجلس مليء بالأهواء والنفوذ واللوبيهات والمصالح والشهوات.
ليس باسم شعب أو أمة زورت إرادتها نخب قاصرة، أو تلاعبت بكل إرادتها أو ببعضها -على الأقل- في زوايا وثكنات وسراديب صناعة القرار، ثم زينته للجمهور أنه يعبر عنهم وعن تطلعاتهم.
ليس ذلك أبدًا،
بل إنه باسم الله الرحمن الرحيم.
يا لهذه الافتتاحية التي تهز الوجدان…
وتشد الانتباه، وتوجه الفكر والعقل والقلب إلى مصدر التلقي والتشريع والهداية والخلق، إلى من له حق التشريع: الله الرحمن الرحيم، وإلى كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
إنها افتتاحية منهج سيكتب للبشرية باسم الله الرحمن الرحيم، فلا ظلم ولا شك ولا نقص ولا خلل…
منهج أبدي محفوظ لا يغير ولا يبدل… كأن الله سبحانه وتعالى يخاطبنا بهذه البسملة…
قائلًا: باسمي أنا الله الرحمن الرحيم أفتتح هداي للعالمين.
إذًا، فما ستقرأه أيها التالي لكتابه، لأنه باسم الله الرحمن الرحيم ومن الله الرحمن الرحيم،
فكله عدل ورحمة وحكمة وعلم وقدرة ولطف وهداية من العليم الخبير رب العالمين،
الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى…
الذي يعلم ما خلق واحتياجاته وما يريد وصلاحه وفساده.
كله استقامة بلا عوج: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ قَيِّمًا﴾، ونور بلا ظلمات، بل يبددها ويقضي عليها وعلى غبارها: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وحق لا ريب فيه: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
إنه روح سارية توقظ موات العقل والقلب والضمير والأبدان والحضارات: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.
إن دساتير وقوانين وتشريعات الأمم والشعوب تفتتح باسم الشعب ونوابه ومن يمثله، بعوارها ونقصها وتناقضها، التي تعدلها وتبدلها أيدي النخب بين فترة وأخرى احتيالًا على حين غفلة من الشعوب المقهورة…
أما كتاب الله فهو مفتتح باسم الله الرحمن الرحيم، فكل ما فيه من هدى يعبر عن الله الرحمن الرحيم، لا يغير ولا يبدل، ولا يخضع لشهوات النخب والمستبدين ولا العابثين….

وثم بُعد آخر عميق…
هو أن هذا الدستور الذي افتتح ونزل وشرع الدين باسم الله الرحمن الرحيم،
لا بد أن يكون أكمل وأعظم وأحكم وأهدى دستور للبشرية.
أتدرون ما معنى ذلك على مستوى الفرد والأمة؟!
إن هذه الأمة التي تحمله هي قائدة البشرية؛ لأنها تحمل أعظم وأحكم كتاب دستوري للعالم أجمع إلى يوم الدين، لا مثيل له ولا نظير…
بل يستحيل أن ينسج البشر والعالم على منواله، أو تتسلل إليه الأيدي الشيطانية لتحريفه وتبديله.
والعالم جميعًا، لو اجتمعوا شعوبًا ودولًا وأممًا، الجن والإنس، ليأتوا بمثل هذا الدستور والمنهج والضياء القرآني، لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
لهذا افتتحه باسمه الله الرحمن الرحيم، ليقول لهم: إني أنا من أنزلته باسمي الله الرحمن الرحيم، فلن تأتوا بمثل هذا الكتاب، ولن تجدوا مثله ولا أهدى منه في حكمه وتشريعاته وعلومه وإعجازه.
ولعل هذا هو السر في أن وضع سبحانه وتعالى في ثاني سورة من القرآن، وهي البقرة، في صدرها لفظة لا يتجرأ العالمون بخيلهم ورجلهم أن يضعوها في كتاب من كتبهم، ولو اجتمعوا عليه، ولا في دستور ولا في تأليف: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
ثم صرح بعد آيات بإعلان عالمي للكل، هم ومن يأتي بعدهم من نسلهم وذرياتهم وامتداداتهم إلى أبد الأبد:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
أيها الناس، أيها العالم، إن كنتم في شك من هذا الكتاب فأفتح لكم بابًا للتحدي لا يغلق أبدًا،
ولكم أن تخوضوا غمار التحدي بقضكم وقضيضكم، وإنسكم وجنكم، منفردين ومجتمعين.
لقد أعلنها سبحانه واضحة خالدة تالدة:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾….
وسنبسطها في موضعها…
لكننا الآن وقفنا أمام المعنى العميق للافتتاحية ببسم الله الرحمن الرحيم.
وثم أبعاد أخرى في البسملة، وإنما ركزت على هذا المعنى لإبراز ما لم يبرز من المعاني في كتب التفسير.
الباء في البسملة:
إن سر الباء في البسملة في لغة العرب يعني للقارئ الاستعانة والمصاحبة.
فبسم الله الرحمن الرحيم مصاحبة للقراءة وللحياة كلها، ومتلبسة بها، فكل ما ستراه في آيات القرآن من هدايات وتشريعات وحكمة وأحكام كلها متلبسة ومصاحبة باسم الله الرحمن الرحيم.
أما باء الاستعانة فتعطي الاستعانة باسم الله الرحمن الرحيم.
أستعينه سبحانه على تلاوته حق التلاوة وكمالها، والتعبد لله بها،
والتأمل فيها،
والاستعانة باسم الله على الحفاظ على تلاوة القرآن والتعلق به وعدم هجره أو تركه،
والاستعانة باسم الله على العمل به وبلاغه.
لقد خاض بعض المفسرين في الاسم والمسمى، فخرجوا عن مقاصد القرآن.
إن قول الله: بسم الله الرحمن الرحيم،
ليس معناه أن الاسم غير المسمى، بل معناه الذي يفهمه العربي العتيد أن الله يرشدنا أن نفتتح باسمه: الله الرحمن الرحيم؛ فالله والرحمن الرحيم هو اسمه سبحانه وتعالى.
ويكف البيان عما وراء ذلك من سراديب الفلسفة التي جنت على النظر.
الأسماء الثلاثة في البسملة… لماذا؟
ثم انظر إلى تخصيص الافتتاح باسم الله الرحمن الرحيم، مع باء الاستعانة والمصاحبة التي تعطي مصاحبة لهذه الأسماء الثلاثة دائمة…
إن إبراز هذه الأسماء الثلاثة لتكون في بداية القرآن وفي بداية كل سورة،
له دلالة عميقة على تعامل الله مع خلقه، إنه بالرحمانية والرحمة… إنها مقدمة على غيرها من الأسماء ودلالاتها، وهذه لوحدها نعمة توجب الحمد والشكر.
كما أن هذه الأسماء الثلاثة في البسملة لها معان ودلالات.
أما اسم الله سبحانه،
فيؤخذ من كونه مفتتحًا به في أول القرآن وأول كل سورة:
أن ما في هذا القرآن من تشريع وهدايات وآيات وأحكام وخبر واستخبار وأمر ونهي صادر ممن له الألوهية الكاملة التامة الشاملة، فهو المتفرد بها.
فله حق التشريع والهداية وإنزال القرآن وإرسال الرسل، والألوهية تشمل الذي خلق ورزق وأحيا وأمات. إذًا،
فكما أنه الذي خلق، فهو الذي شرع:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
أما افتتاحه باسمه الرحمن الرحيم…
فيعطي أنه أراد لعباده الرحمة بهذا الدستور، فكل ما فيه من التشريعات، من افتتاحيته إلى خاتمته، تكتنفها الرحمانية والرحمة الشاملة.
فقد أنزله لهم لإنقاذهم وانتشالهم من براثن الشياطين وعفن الجاهليات وأوحال الشرك وظلمات الجهالات والخرافات،
وميل وانحراف الشهوات،
وسطوة الإنسانية على الإنسان.
نعم، سطوة النزوات والشهوات الإنسانية على الإنسان.
لهذا كان هذا الكتاب دستور رحمة للعالمين.
ينقذهم من الظلم والاستعباد والضيم إلى عبادة الله الواحد الأحد،
ينتزع لهم الحقوق، ويحمي المستضعفين، ويبني الحضارات، ويعمر الأرض،
ويخاطب الفطرة البشرية والعقل والروح والمادة كلها في نسق واحد، باتساق باذخ باسق منيف.
إن العالم بحاجة ماسة إلى هذا الدستور؛
لأنه دستور الله الرحمن الرحيم، الذي سينقذهم إلى ملاذات أمن أبدي غير ممنون ولا مقطوع ولا مجذوذ.
هذه وقفة مع معاني الافتتاح: بسم الله الرحمن الرحيم، وسر تكرارها.
أما حكمها الفقهي فسيأتي….
