
الوصل طاقةٌ شُعُوريةٌ هائلةٌ .. ومُرتقًى نبيلٌ للنفس ما أجلَّه!
تسري رُوحُه في وجدان الموصول أسرع من تناول يده حبلَ الوصال .. وبه من إسعاده وإشراق نفسه ما يُقدِره أن ينقض عمل الوسواس (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) .. وحسبه ذلك من فضل.
جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ همى
يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ
ألم ترَ إلى قفزة الطفل الصغير وقد تمسَّكت يدُهُ بيد أبيه؛ فطار عن الأرض طيرانًا .. وتبسَّمت في ثغره الحياة كمن امتلك مفاتيح كنوز الحياة!
طارَ الفؤادُ منَ السُّرورِ تهلُّلًا
لمَّا رأى الطّفلُ الصغيرُ أباهُ
ألم ترقُبْه أخرى، وقد ربط بإصبعه خيطًا طويلًا طويلًا .. في منتهاه طائرةٌ ورقية مَزهوَّة بألوانها .. تسبح في جو السماء .. تلاحقها نظرات عينيه الحلوتين، فشعرتَ أنه هناك في الأعلى .. فوق طائرته مُحلِّقًا معها .. رجلاه تخبّان على الأرض خبًّا .. تتبعان قلبًا تلهَّف خفقانه في إثر تَيْنِك العينين المشدودتين إلى يده..
أولم تَرَهُما شيئًا واحدًا! لا يملك ناظره أن يثبّت النظر في أحدهما دون الآخر، بل ينقِّل الطرف بين الطفل وطائرته عبر الخيط الواصل الممتد علوًّا ونزولًا؛ ما تكاد تقع العين على الطفل حتى تغادره إلى الطائرة .. وحين تتملَّى من مشهد طيرانها تعود ثانيةً منَ الخيط إلى الممسك به.. وهكذا كرّة بعد كرّة..
تَودُّ النّجومُ الزُّهرُ لو أنّها دُمًى
لِيَختارَ منها المُترَفاتِ ويلعبا
تلكما صورتان من صور الوصل الحسي ما أبهاهما!
**********

لكنّ من الوصل صنوفًا وألوانًا أخرى أدقَّ مسلكًا وأرقَّ نوالًا .. لا تراها العين الباصرة بل المُبصرة.. ولا يدركها إلا مَن اختبرها .. وليس لقاصد إلى قطعها سبيل .. مثل قلبِ الأم الذي غادرت قطعةٌ منه مع رَبيبها حين رحل؛ ما تزال تلك القطعة رسولَ الوصال بينهما على البعد مهما طال زمان البعد .. أو خاطرِ الصديق الذي أُودِع سرَّ صديقِه في أسمى أفكاره وأغلى أمانيه؛ فكان السرُّ وُصلةً بينهما وإدامًا للودّ ما دام الصدر منزلها وموعبها .. وكم وُلد الوصال بين إنسان وكلمات في كتاب؛ سكنت ذاته فكان كلٌّ منهما لصاحبه وطنًا .. أو بينه وبين لحن شجيّ خبّأته الحافظة في موضع لا يبلغه نسيان .. أو منظر بديع اختطف لبَّ شاهده .. أو غير ذلك مما يجول بخاطرك الآن وأنت تقرأ هذه الكلمات!
أدامَ اللهُ أيامَ الوصالِ
وخلّدَ عُمرَ هاتيكَ الليالي
ولا يروم الراغب بالوصال إلا إلى تحقُّقه واستقراره .. سواءٌ عنده كل طريق يؤدي إليه، فكل الاتجاهات لديه أصناء .. ذلك أن الفروق بين الواصلَين تذوب في حال الوصل؛ حتى لا يكون فضلٌ لطرفٍ على طرف.. تمامًا كما يعتدل الماء الحارّ إذا التقى نظيره البارد.. فيجتمعان على التوسُّط لينًا وارتياحًا.. كلٌّ قد بذل بعض نفسه بدلًا من بعض نفس واصله .. عطاءً بعطاء .. وكسبًا بكسب .. وألفةً بألفة .. ورضًا برضا..
وليسَ يَعرفُ طِيبَ الوصلِ صاحبُهُ
حتى يُصابَ بنأيٍ أو بهجرانِ
أما الوصل المطلق الأعمّ الأعظم فمِن الله -تعالى-؛ مبدئ كلِّ وصلٍ بالنعم .. والمبدئ -لا ريب- ألطف وأكرم .. وإنّما هو وحده العليّ الكبير.. الغنيّ القدير.. الودود الرّؤوف.. الوليّ الحميد.. ينادينا، يا عبادي:
طريقُ الوصلِ سهلٌ إِن تُرِدني
ففي “إياكَ” فاطلبني تجدني
صِلوا أحبابكم.. ودوموا على الوصل.. بأيديكم.. وكلماتكم.. وسؤالكم.. وأموالكم.. وهداياكم.. وأوقاتكم.. وكلِّ ما استطعتم من جميل..
لا تألَفُ الروحُ إلاَّ من يُلاطِفُها
و يهجرُ القلبُ مَن بِالصَّدِّ يلقاهُ
فلا وصالَ لمنْ بالوصلِ قد بخِلوا
ومَن تناسى فإنّا قد نسيناهُ!
أرأيتم إلى فعل الوصل في النفس ما أحسنه! ألا سقى الله الواصلين بالحسنى هواطل رحمته!
عُودوا بِنورِ الوصلِ مِن غسَقِ الدُّجى
فالهجرُ ليلٌ والوِصالُ صباحُ
هذا .. وإنّ القطع ضدّ ذلك كلّه!
