المدونة

بؤس الحروب

قبل الخوض المباشر في بعض تأثيرات الحرب على الأفراد والمجتمعات، نتأمل قليلًا حول الفكرة الجذرية والافتراض الذي كان وما يجب أن يكون، بعيدًا عن تدفق ومسيرة تشكل التاريخ.

 لعل الحرب هي التجلي العاري لأشر ما في الإنسان من نزعات. فكرة الحرب ذاتها فكرة مقيتة، لأنها تعني انسداد الأفق البشري وغياب الحلول. بجانب نتائجها التدميرية، كينونتها مهينة للإنسان، لأنها تجلي لبدائيته وهيجانه وإهمالة لملكة الحوار ونزوعه للخيار الأكثر تدميرية، ودليل على قصور مزمن في الوعي والإرادة البشرية.

لابد لكل ذي فكر أو شعور بالمسؤولية تجاه البشرية أن يناهض الحرب دومًا، وأن يظل السلام أمله ومناه. يجب أن يظل الحلم البشري الدائم. فما دامت هناك فرصة للحوار والتفاهم، يظل السلام ممكنًا وخياراته قائمة. وهذا ليس وهمًا مثاليًا وأحلام يقظة، بل تذكير بأهم مبدأ يجب أن ينصب عليه الجهد الفكري والروحي للبشر. وكل طاقاتنا الروحية من فن وأدب وفكر يجب أن تظل بوصلتها هي السلام.

بالطبع، الحرب كأكبر جرم بشري اقترف، لا بد من التذكير بأن لها أسبابًا متنوعة بحسب سياق حدوثها. هناك حروب الأقوياء على الضعفاء، وهناك حروب المتكافئين. ولعل أهم أسباب الأخيرة هو سوء تقدير الموقف لدى البشر، فلو كان هناك منذ البداية تقدير لعواقبها وآثارها، لكان الإقدام عليها أقل وتيرة ربما. وعمى الوعي والبصيرة عن الطرق الأيسر لحل النزاعات كالحوار والتفاهم.

 أما الحروب غير المتكافئة، وهي الحرب الأكثر بشاعة وقبحًا، نزوع التسلط والطمع بالسيطرة على الآخرين أو الأنانية…

بوعي أو دون وعي تشعر بأن الاستقواء اعتداء على مبدأ الحياة.

القوة حينما تتمادى على مبادئ العيش المشترك والحق الإنساني الخاص، كأنها تتجبر على كل شيء وتفرض ذاتها فقط بكل بجاحة. الحق الخاص حق عام، فبالنهاية العام هو مجموع الخاص.

وكي لا نبتعد عن الواقع الإنساني أكثر، وافتراض ما كان يجب أن يكون، فلا يمكن إدانة كل الحروب عبر التاريخ، هناك حروب كانت ضرورية وواجبة لأنها أحيانًا شرط العدالة، حروب المقاومة ضد الطغيان، حروب المستضعفين والمأخوذة حقوقهم.

نعم، كانت الحرب خطأ فادحًا منذ اللحظة الأولى، منذ الاعتداء الأول والطغيان الأول، وعليه فلا يمكن لوم الضحية لأنها قاومت وكان لها ردة فعل. ولكن الحلم بالسلام يظل الهدف دومًا، السلام العادل.

المنفى الذي هاجر معه 2 بؤس الحروب

بالعودة إلى الحرب باعتبارها شرا يفسد الحياة بأعمق الدلالات، أود التطرق لأحد مساوئها التي تبدو الأقل همجية، وهي تأثيرها غير المباشر على البعض. على قوم لا تسقط فوقهم قنابل ولا يمنع عنهم الماء، ولكن يمكن اعتبارهم ضحايا أيضًا.

الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة نموذجًا فجًا واستثنائيًا يمكن أن يوضح كيف للحرب في مكان ما، حين تتجاوز المعهود – ولا أدري إن كان هناك أفق ممكن للشر أخلاقيًا-، أن تغدو انتهاكًا ممنهجًا للحياة برمتها. وهذا يمكن اعتباره من أعمق آثارها وأقبحها.

 مع استمرار ما يمكن وصفه بأقسى المعاني من الاعتداء والتوحش، لا يمكن للحياة أن تستمر بطبيعتها. ما يحدث يخدش جوهر الحياة بكل وقاحة، يمس بفكرة كونها هبة مقدسة. لا معنى للحياة إلا كفكرة عامة وهبة مقدسة، لافتة عريضة ينضوي تحتها كل ما يمكن من مقاومة وجمال ووسمة بصفة عامة جامعة، حياة. في ظل هكذا استقواء متبجح ومتعالي ومدجج بالغرور والقوة التي تُمكن من إهانة وازدراء شعب، تسقط قدسيتها وتصبح عارًا في ظل هذا الانتهاك الصارخ لجوهرها من قبل البشر.

 بالطبع يمكن القبول بالشر نسبيًا باعتبار الحياة صيرورة ودوامة من المتناقضات وليست جنة خالصة، لكن في ظل الانتهاك الممنهج تصبح عبئًا ثقيلًا وتسقط من قدسيتها، من كونها هبة إلى كونها حق يجب الدفاع عنه وعدم التطاول عليه. ويصبح كل إجرام ممنهج اعتداء عليها وابتزاز لكل من ينتمي لها ويعيشها.

يصبح ضحايا هؤلاء المجرمون الذين بلا أفق ولا حدود كل الحالمون، كل الذين يحبون الحياة ويجلونها، كل الذين كانوا على أمل أن يعيشوا عمرًا طيبًا وأن يتجاوزوا محن الحياة التي أدنى منها. محن الحياة التي تتعلق بطرقها ومقتنياتها. الذين قرروا اقتفاء الخير والعيش في حياة طيبة، وإن لم تكن طويلًا، بالمحبة والسلام.

يتحول البحث عن المعنى لشعور داخلي عميق يقض المضجع وينغص كل شيء وكل فرصة ومناسبة عادية للبهجة والحياة، وإن بشكل طبيعي.

يصاحب كل مجزرة قلق مريع وإحساس هائل بالذنب والتقصير ممزوج بشعور الخذلان والعجز ولسان الحال يقول “الحياة تنتهك ولا تستطيع فعل شيء”.

أيضًا من آثار الحروب العميقة هي اليأس الذي يلوح في أفق الكون، الشعور المرير بتردي القيم والوعي والإحساس البشري، أفول شمس القيم والبشائر المرتقبة مما يدفع الوعي البشري لإعادة تقييم حساباته، وشعوره بالخيبة والسقوط في براثن اليأس.

أتذكر هنا الأديب النمساوي ستيفن زفايج الذي رثى الحضارة الأوروبية وعبر عن حزنه بالانتحار بعد أن فقد شعوره بالأمل وفقدان الهوية، بعد أن رأى قيم التنوير والحداثة تنهار على عتبة الحربين العالميتين. يتحدث بمرارة في كتابه “عالم الأمس”: لقد أُرغمت على أن أكون شاهدًا مكشوفًا ومخذولًا على انحطاط لا يصدق للإنسانية إلى البربرية المعادية للخير العام، والتي اعتقدنا أننا قد نسيناها منذ أمد طويل. وتبقى لنا بعد قرون أن نرى ثانية حروبًا لا يعلن عنها، ومعسكرات اعتقال، واضطهادًا، ولصوصية جماعية وغارات جوية على مدن عاجزة عن حماية نفسها، وكل الفظاعات التي لم تعرفها الأجيال، أشياء نتمنى أن تحول عن الأجيال القادمة.

للحروب آثار عميقة ومعقدة لا تحصى على كل شيء وعلى كافة المستويات. وأظن أن كل هذه الفظاعات يجب ألا تجعلنا نقف عند عتبة الندب والعويل، وأن نكرس كل جهودنا لأجل السلام، ففي أوقات كهذه تتجلى أهميته أكثر من كل وقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى