المدونة

أسلوب الإغراء والتحذير بلفظ الجلالة عند ابن الجوزي في صيد الخاطر

منطلقات وقواعد تربوية

مفاتيح :

ابن الجوزي رحمه الله (ت 597هـ) :

لا يجهل ابنَّ الجوزي مطلعٌ على التراث الإسلامي إلا كما يجهل حروفَ الهجاء معلمُ الصبيان فغبن الجوزي إمام علم صاحب تصانيف متنوعة وبديعة وأنيقة وكثيرة ويكفي أن ننقل هنا كلام إمام التدوين وفارس التراجم الإمام الذهبي في ابن الجوزي ليكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ( رحم الله الجميع ) قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى : ” ابن الجوزي : الشيخ الإمام العلامة ، الحافظ المفسر ، شيخ الإسلام مفخر العراق وكان رأسا في التذكير بلا مدافعة ، يقول النظم الرائق ، والنثر الفائق بديها ، ويسهب ويعجب ، ويطرب ، ويطنب ، لم يأت قبله ولا بعده مثله ، فهو حامل لواء الوعظ ، والقيم بفنونه ، مع الشكل الحسن ، والصوت الطيب ، والوقع في النفوس ، وحسن السيرة ، وكان بحرا في التفسير ، علامة في السير والتاريخ ، موصوفا بحسن الحديث ، ومعرفة فنونه ، فقيها ، عليما بالإجماع والاختلاف ، جيد المشاركة في الطب ، ذا تفنن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار ، وإكباب على الجمع و التصنيف ، مع التصون والتجمل ، وحسن الشارة ، ورشاقة العبارة ، ولطف الشمائل ، والأوصاف الحميدة ، والحرمة الوافرة عند الخاص والعام ، ما عرفت أحدا صنف ما صنف ” (سير أعلام النبلاء – ط : دار الحديث، القاهرة – مصر (15/ 456).

منطلقات وقواعد تربوية

شهرة كتاب صيد الخاطر في المؤلفات كشهرة ابن الجوزي في المؤلفين والكُتاب فهو كتاب تجاوز الزمان والمكان والتخصص والأسلوب واكتفي ايضا بأنقل عبارة لأديب المعي شهادته لها اعتبارها ووزيها وهو الشيخ فقيه والأدباء وأديب الفقهاء الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يقول عن كتاب صيد الخاطر : ” كتاب بلغ من إعجابي به أن استكتبته عندي، أقرأ فيه كل يوم، فلا أمل القراءة فيه، ولا تخلو نظرة فيه من موعظة أتعظ بها، أو فائدة أستفيدها، أو طرفة آنس بها.

وفيه فوق ذلك تحليل للنفوس وفيه وصف للمجتمع، في أسلوب مبتكر، وطريقة في التصنيف لا أعرفها لأحد من المصنفين. وكان الكتاب «صيد الخاطر لابن الجوزي» مقدمة علي الطنطاوي لصيد الخاطر

أسلوب الإغراء والتحذير :

” الإغراء: دعوة المخاطب بشغف وحرص إلى أمر محبوب ليلزمه.

التحذير: تنبيه المخاطب بقوة على أمر مكروه ليتجنّبه فورًا.

وكل من الإغراء والتحذير يأتي على الصورتين الآتيتين:

1 – التكرار

2 – العطف ” ( النحو المصفى- (ص425)

وأسلوب الإغراء والتحذير لا يعتبر مجرد أسلوب لغوي مثل جملة الأساليب اللغوية بل يتعدى ذلك إلى إحداث هزة شعورية والتفاتة ذهنية نحو المغرَى به أو المحذر منه فالأمر عظيم وكيف إذا أضيف إليه أن كان الإغراء أو التحذير بتكرار لفظ الجلالة ( الله الله ) فبقدر ما يزيد الاسلوب مهابة؛ يزيده أيضا خطورة وتأكيدا وقوة .

القواعد والمنطلقات:

قد سطر ابن الجوزي في صيد خاطره جملة من الأمثلة التي يمكن أن تكون منطلقات أو قواعد يريد التأكيد عليها والاهتمام بها وضعها في خلاصات لأفكار وخواطر حول قضايا متعددة يجمعها أنها ترعو إلى علو الهمة وقصد المعالي والوصول إلى سهيل المهام وعطارد المراتب وتعزيز الشعور بالمسؤولية .

وحاولت جمع تلك المنطلقات مستحسنا أن تكون كل واحدة قاعدة تربوية في شحذ الهمم وإذكاء العقول نحو معالي الأمور فكانت كالتالي :

الأولى : الإغراء بالمحافظة على العلم والعقل ( قاعدة التوازن ) :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى :

فاللهَ  اللهَ في العلم! واللهَ اللهَ في العقل! فإن نور العقل لا ينبغي أن يتعرض لإطفائه، والعلم لا يجوز الميل إلى تنقيصه، فإذا حفظا، حفظا وظائف الزمان، ودفعا ما يؤذي، وجلبا ما يصلح، وصارت القوانين مستقيمة في المطعم والمشرب والمخالطة.” «صيد الخاطر» (ص97) الناشر: دار القلم – دمشق – الطبعة: الأولى.

يحذر رحمه الله من عدم مراعاة حق البدن والتقصير في المحافظة على العقل بدعوى الزهد والبعد عن الترف ويدعو إلى التوازن بين طلب العلم وراحة البدن في فصل: إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين.

الثانية : الإغراء بمراقبة الله والتحذير من عاقبة الذنوب :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فاللهَ  اللهَ في مراقبة الحق عز وجل؛ فإن ميزان عدله تبين فيه الذرة، وجزاؤه مراصد للمخطئ، ولو بعد حين، وربما ظن أنه العفو، وإنما هو إمهال، وللذنوب عواقب سيئة.” «صيد الخاطر» (ص148)

في فصل بعنوان للذنوب عواقب سيئة يحذر إن الجوزي على خطورة الذنوب وعدم الاستهانة بها وبالذات ذنوب الخلوات فيؤكد على المراقبة ومراعاة الخلوات فيقول في نفس الفصل وبإعادة أسلوب الإغراء والتحذير : فَاللهَ اللهَ! الخلوات “الخلوات”! البواطن البواطن! النيات النيات، فإن عليكن من الله عينًا ناظرةً! وإياكم والاغترار بحلمه وكرمه، فكم استدرج! وكونوا على مراقبة الخطايا، مجتهدين في محوها! وما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية عن الخطايا. ( السابق)

الثالثة : التحذير من محقرات الذنوب وصغائر المنكرات :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فاللهَ  اللهَ! اسمعوا ممن قد جرب! كونوا على مراقبة! وانظروا في العواقب! واعرفوا عظمة الناهي! واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة تستصغر، فربما أحرقت بلدًا!. ( السابق ص149)

ينبه إلى شيء مهم يغفل عنه الكثير  وهو التجاوز في أمور يظنونها صغيرة وأنها لا تقدح في دين المرء وهي خطيرة ويدعو إلى معرفة عظمة الناهي سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صغر المعصية .

الرابعة : التحذير من نسيان ماضي الذنوب وعدم الندم :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله من جراءةٍ على طلب الأغراض، مع نسيان ما تقدم من الذنوب، التي توجب تنكيس الرأس، ولئن تشاغلت بإصلاح ما مضى، والندم عليه، جاءتك مراداتك.” «صيد الخاطر» (ص150)

فهو يعاتب النفس التي تطلب حاجاتها وتنسى ذنوبها القديمة والتي توجب أن تكون في حالة ندم وخوف يدفعها للعمل وإصلاح ما مضى فتكون بين الخوف والرجاء حتى لا يختل ميزانها ويفسد عملها.

الخامسة : التحذير من الغرور ومن عجب المرء بعمله وبما يكون لديه مواهب وقدرات :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله من مساكنة مسكن، ومخالفة مقام … وليكن المتيقظ على انزعاجٍ، محتقرًا للكثير من طاعاته، خائفًا على نفسه من تقلباته، ونفوذ الأقدار فيه.” «صيد الخاطر» (ص152)

هذه القاعدة التي أرداها ابن الجوزي رحمه الله يفرق فيها بين العارف الحقيقي لله والذي يعمل وهو خائف ألا يقبل عمله وبين من لا يأبه بذلك ولا يحرص على تخليص عمله من الشوائب وبالذات شوائب الريا والعجب والتي تمحق العمل وتبطله .

السادسة : الإغراء باستغلال العمر والاستفادة من الوقت قبل الفوات:

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله في مواسم العمر! والبدار البدار قبل الفوات! واستشهدوا العلم، واستبدلوا الحكمة، ونافسوا الزمان، وناقشوا النفوس، واستظهروا بالزاد، فكان قد حَدَا الحادي، فلم يفهم صوته من وقع دمع الندم“. «صيد الخاطر» (ص157)

يرى ابن الجوزي الناس وهم يدفعون الزمان دفعا ويقطعون الأوقات في غير ما فائدة فيؤلمه ذلك ويتعجب من يضيع وقته ويصرفه في مضيعات العمر فيدعو إلى المبادرة في استغلال العمر واغتنام الفرص في ما ينفع في الدنيا والاخرة .

السابعة : الإغراء بصفاء العمل وحفظه من التخليط:

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله، فإن ناقد الجزاء بصير، والإخلاص في الباطن، والصدق في القلب، ونعم طريق السلامة ستر الحال.” «صيد الخاطر» (ص158)

يقف ابن الجوزي عند قضية خطيرة تعترض العاملين في مسيرهم الى الله تعالى وهي أنه قد يقع منهم تخليط في أعمالهم بما لا يصلح ولا ينبغي فيؤثر فيها فيدعوهم إلى إصلاح الباطن ومراقبة السرائر حفظا للأعمال من الخلل .

الثامنة : الإغراء بالعمل بالعلم والتحذير من خطورة عدم العمل بالعلم :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله في العلم بالعمل، فإنه الأصل الأكبر. والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة، فقدم مفلسًا، على قوة الحجة عليه.” «صيد الخاطر» (ص159) 

من أكثر القضايا التي شدد عليها ابن الجوزي وكررها في كتابه صيد الخاطر : قضية العمل بالعلم وذم العلماء وطلاب العلم الذين لا يعملون بعلمهم وتنوعت عباراته وأساليبه في طرح هذه القضية ومنها هنا يدعو إلى العمل ويحذر من عدم العمل بالعلم وثد ذكر في هذا الفصل عن تجربته الشخصية أن أكثر من انتفع هو بعلمه ممن التقى بهم من العلماء هم العاملون بعلمهم وضرب لذلك نماذج وبيان حالهم ووقوفهم مع الأوامر والنواهي الشرعية ما جعله يتأثر بهم وينتفع بعلمهم كما ذكر .

التاسعة : التحذير من الاسترسال مع الهوى ومن هجمته :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله في تضييع الأصول، ومن إهمال سرح الهوى، فإنه إن أهملت ماشيته، نفشت في زروع التُّقَى“. «صيد الخاطر» (ص178).

الهوى من أخطر الأمراض ومزالق التي تدفع الناس نحو المعاصي ويمنعهم من الطاعات ولذا فاتباع الهوى قد يصل بصاحبه إلى أبعد نقطة من ارتكاب المعاصي والجرأة على الله

وابن الجوزي هنا يشبه الهوى ومن تزينه للمعاصي وإلباسها لباس شرعي او دعوى الورع في جانب والولوغ في معاصي من جانب اخر يشبهه بالدابة والبهيمة التي إن ارخت سرحها عاثت في الزرع فسادا وكذا الهوى يعيث في التقوى فسادا وإن ظن صاحبها أنه على التقى والهدى .

ولذلك يكرر التحذير منه وأن السلامة في البعد منه فيقول : ” فاللهَ  اللهَ في حريق الهوى إذا ثار! وانظر كيف تطفئه؟ فرب زَلَّةٍ أوقعت في بئر بوار، ورب أثر لم ينقلع، والفائت لا يستدرك على الحقيقة، فابعد عن أسباب الفتنة، فإن المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم، والسلام. «صيد الخاطر» (ص202)

رفع الهمم نحو المعالي أسلوب الإغراء والتحذير بلفظ الجلالة عند ابن الجوزي في صيد الخاطر أسلوب الإغراء والتحذير بلفظ الجلالة عند ابن الجوزي في صيد الخاطر

العاشرة : الإغراء بالتوبة ونصحها والتحذير من المعاصي :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله في تجويد التوبة، عساها تكف كف الجزاء“. «صيد الخاطر» (ص207)

يعرف ابن الجوزي خطر الذنوب والمعاصي فيكثر الحديث عنها وعن صغيرها وكبيرها وظاهرها وخفيها ولذلك يؤكد على أهمية التوبة في أكثر من موضع وأنها العلاج الأنفع للذنوب ويزيد البيان وضوحا فيعقبها بالتحذير المباشر فيقول : ” والحذر الحذر من الذنوب، خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه. وأصلح ما بينك وبينه في السر، وقد أصلح لك أحوال العلانية، ولا تغتر بستره -أيها العاصي- فربما يجذب من عورتك، ولا بحلمه فربما بغت العقاب. «السابق»

الحادية عشر : الإغراء بحفظ العقول والتحذير من طلب اللذة من طريق الحرام :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فاللهَ  اللهَ في بخس العقول حقها! ولينظر السالك أين يضع القدم، فرب مستعجل وقع في بئر بوارٍ، ولتكن عين التيقظ مفتوحة، فإنكم في صف حرب، لا يدري فيه من أين يتلقى النبل، فأعينوا أنفسكم، ولا تعينوا عليها.”: «صيد الخاطر» (ص212)

يقرر ابن الجوزي ان من بخس العقل حقه أن يستعمله في طلب اللذة والرحة من طريق الحرام فالعقل عنده أنزه من ذلك وأعلى من ذلك فإذا فعلها كمن لا ينتفع بعقله ويصير عبرة لغيره .

الثانية عشر : التحذير من صلاح الظاهر وفساد السرائر:

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر.” «صيد الخاطر» (ص220)

ويضرب من الواقع أمثلة يؤكد فيها أثر فساد السرائر على تعامل الآخرين ونظرتهم فيقول : ” والله، لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت، ويتخشع في نفسه ولباسه، والقلوب تنبو عنه، وقدره في النفوس ليس بذاك!

ورأيت من يلبس فاخر الثياب، وليس له كبير نفل، ولا تخشع، والقلوب تتهافت على محبته، فتدبرت السبب، فوجدته السريرة. كما روي عن أنس بن مالك: أنه لم يكن له كبير عمل من صلاة وصوم؛ وإنما كانت له سريرة. فمن أصلح سريرته، فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه» ( السابق )

الثالثة عشر : التحذير من الإغترار بمن ليس من أهل العلم مهما كانت منزلته :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله في الالتفات إلى قول من ليس بفقيه، ولا يهولنك تعظيم اسمه، فالله يعفو عنه.” «صيد الخاطر» (ص266)

يقدم لهذا التحذير ببيان حال من زهّد من العلم الشرعي وكيف أن الشيطان تلاعب بهم في هذا الأمر فقال رحمه الله : ” ولقد تلاعب بأهل الجهل والقليلي الفهم، وكان من أعجب تلاعبه أن حسن لأقوام ترك العلم، ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به، وهذا -لو فهموه- قدح في الشريعة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “بلغو عني”، وقد قال له ربه عز وجل: {بَلِّغْ} [المائدة: 67] ، فإذا لم يتشاغل بالعلم، فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق؟!” ( السابق ).

ولذلك يعتبر أن العلماء الفقهاء نعمة عظيمة قال : ” سبحان من من على الخلق بالعلماء الفقهاء، الذين فهموا مقصود الأمر ومراد الشارع، فهم حفظة الشريعة، فأحسن الله جزاءهم.” ( السابق ).

وفي ثنايا كتابة الفريد ” صيد الخاطر ” وفي غيره يحذر أيما تحذير من التزهيد بالعلم والدعوة إلى التصوف المذموم والفتيا بلا علم ويبين حيل الشيطان في ذلك، وهذا أنموذج مما قال رحمه الله في تلبيس إبليس «ومن تلبيسه على الزهاد إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وبيان ذلك أن الزاهد لا يتعدى نفعه عتبة بابه والعالم نفعه متعد وكم قد رد إلى الصواب من متعبد.» «تلبيس إبليس» (ص135)

الرابعة عشر : التحذير من التأويلات الفاسدة والترخص في قليلها :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله يا من يريد حفظ دينه، ويوقن بالآخرة! إياك والتأويلات الفاسدة، والأهواء الغالبة؛ فإنك إن ترخصت بالدخول في بعضها، جرك الأمر إلى الباقي، ولم تقدر على الخروج لموضع ألف الهوى فاقبل نصحي، واقنع بالكسرة، وابعد عن أرباب الدنيا، فإذا ضج الهوى؛ فدعه لهذا، وربما قال لك: فالأمر الفلاني قريب! فلا تفعل؛ فإنه – ولو كان قريبًا- يدعو إلى غيره، ويصعب التلافي.” «صيد الخاطر» (ص376)

ويرى أن علاج ذلك الحزم مع النفس والصبر على الحال وعدم المغامرة في ذلك فيقول : فالصبر الصبر على شظف العيش! والبعد [البعد] عن أرباب الهوى! فما يتم دين إلا بذلك، ومتى وقع الترخص؛ حمل إلى غيره، كالشاطئ إلى اللجة. وإنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، ووجه أصبح من وجه؛ وإنما هي أيام يسيرة.” ( السابق )

ويرى أن سبب ذلك هو : ” قلة علم هؤلاء بسيرة السلف، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا أنهم يجهلون الجملة؛ ولكنهم يتشاغلون بعلم الخلاف، ويقصدون التقدم بقشور المعرفة، وليس يعنيهم سماع حديث، ولا نظر في سير السلف، وربما خطر لهم أن هذا قريب، وإن لم يخطر لهم، فالهوى غالب بلا ضاد، وربما خطر لهم أن [يقولوا] : هذا يحتمل ويغفر في جانب تشاغلنا بالعلم، ثم يرون العلماء يكرمونهم لنيل شيء من دنياهم، ولا ينكرون عليهم.” «صيد الخاطر» (ص375)

الخامسة عشر : الإغراء بالتثبت والتأكد قبل الحكم :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله! التثبت التثبت في كل الأمور! والنظر في عواقبها! خصوصًا الغضب المثير للخصومة.” «صيد الخاطر» (ص386)

يحذر ابن الجوزي رحمه من عاقبة الاستعجال وعدم التثبت حتى لا يقع الهلاك او يحصل الندم الشديد في كثير من المواقف والأعمال ولات حين مندم كما قال رحمه الله : ” كم مَنْ غَضِبَ، فقتل، وضرب، ثم لما سكن غضبه؛ بقي طول دهره في الحزن والبكاء والندم! والغالب في القاتل أنه يقتل، فتفوته الدنيا والآخرة.

فكذلك من عرضت له شهوة، فاستعجل لذتها، ونسي عاقبتها، فكم من ندم يتجرعه في باقي عمره، وعتاب يستقبله من بعد موته، وعقاب لا يؤمن وقوعه، كل ذلك للذة لحظة كانت كبرقٍ.” ( السابق )

فالعجلة لحظة والندم سنين.

السادسة عشر : الإغراء بإصلاح النيات والتحذير من التزين للخلق بالعمل :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله في إصلاح النيات، فإن جمهور هذه الأعمال مردود، قال مالك بن دينار: وقولًا لمن لم يكن صادقًا: لا يتعنى ” «صيد الخاطر» (ص398) أي لا يتعب نفسه

ويضع الحقيقة التي تشغل البعض لأجل ذلك يقع في الريا وهي أن يطلب التفاف قلوب الخلق إليه، قال :” وليعلم المرائي أن الذي يقصده يفوته، وهو التفات القلوب إليه؛ فإنه متى لم يخلص، حرم محبة القلوب، ولم يلتفت إليه، والمخلص محبوب. فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه؛ لما فعل.” ( السابق ).

السابعة عشر : قانون المعيشة ” تخفيف النفقات والاحتراز للأيام ” :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله يا من يريد حفظ دينه! قد كررت عليك الوصية بالتقليل جهد: وخفف العلائق مهما أمكنك، واحتفظ بدرهم يكون معك؛ فإنه دينك!” «صيد الخاطر» (ص404)

من أكثر القضايا التي يكرر الحديث عنها ابن الجوزي ويضع لها طرقا وأساليب ويدعو إلى الاهتمام بها هي قضية تدبير المعيشة والاحتياط لقادم الأيام وذلك لما لها من خطورة على دين المرء حتى أنه يستغرب كيف يحفظ ذو العيال دينه مع الحاجة فيقول : ” من العجيب سلامة دين ذي العيال، إذا ضاق به الكسب، فما مثله إلا كمثل الماء، إذا ضرب في وجهه سكر؛ فإنه يعمل باطنًا، ويبالغ حتى يفتح فتحةً، فكذلك صاحب العيال، إذا ضاق به الأمر، لا يزال يحتال؛ فإذا لم يقدر على الحلال، ترخص في تناول الشبهات، فإن ضعف دينه، مد يده إلى الحرام.” ( السابق )

فلذلك قال نصيحته بالتخفف وحفظ ما أمكن من المال لنوائب الدهر وتقلبات الأيام.

الثامنة عشر : الإغراء بمراعاة مستويات الفهم عند المخاطبين وخطورة الحديث بما تحتمله القلوب :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله أن تحدث مخلوقًا من العوام بما لا يحتمله دون احتيال وتلطف؛ فإنها لا يزول ما في نفسه، ويخاطر المحدث له بنفسه، فكذلك كل ما يتعلق بالأصول.” «صيد الخاطر» (ص433)

يرى ابن الجوزي إلى الواقع بما فيه من ملابسات فيحذر مما يفسد على الناس قلوبهم وحياتهم ومن ذلك ما قد ثبت لديهم من تصورات واعتقادات وما يقومون به من اعمال وهي ليست صحيحة فيدعو إلى التلطف في الحديث معهم حولها  وفي بيان الحق في مثل هذه المسائل حتى لا يقع ضرر أكبر من ذلك سواء للمتحدث او السامع .

التاسعة عشر : الإغراء بالنظر في سير السلف :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم” «صيد الخاطر» (ص454)

يحث ابن الجوزي طلاب العلم على الاطلاع على كتب السابقين ويشكو من ضعف الهمة في زمانه في المطالعة والقراءة ولذلك يدعوهم إلى مطالعة تصانيف السابقين إذا أردوا الكمال فيقول : ” فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب، التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم، وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة” ( السابق )

فكيف به لو رأى أزمنة بعده ووصل زماننا ؟!!

العشرون : التحذير من مخالطة المبتدعة :

يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى : ” فالله الله من مخالطة المبتدعة، وعليكم بالكتاب والسنة، ترشدوا.” «صيد الخاطر» (ص491)

كان ابن الجوزي شديد الموقف من البدع كثير التحذير منها ومن مداخلها ومسوغاتها وخاصة البدع التي راجت في زمانه سواء ما يتعلق في الاعتقاد ام البدع العملية وتجد في كتبه عموما وفي كتابه النفيس هذا ما يحاول أن يبين فيه فساد البدع وأثرها وضررها وبعدها عن الحق

ويوجه الناشئة خصوصا والمسلمين خصوصا بالابتعاد عن اهل البدع وتجنب مخالطتهم سلامة لدينهم فيقرر أن ابتداء الفساد من مخلفة السلف في تربية أطفالهم فيقول :” وقد كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد؛ شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه؛ فقد توانى الناس عن هذا، فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل، وينبذ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: أخبار آحاد! وأصحاب الحديث عندهم يسمون: حشويَّةً!! ” ( السابق )

أخيرًا :

من خلال ما سبق تبين أن جملة الإغراء والتحذير بتكرار لفظ الجلالة ( فالله الله )لم يكن من باب تجميل الكلام وتزينه بقدر ما هي أعلى عبارات الإغراء وأقوى أساليب التحذير المعنوية إذا تربط العبد بربه وترفع درجة الانتباه وتشنيف السماع لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد .

رحم الله ابن الجوزي وجزاه الله خيرا عما قدم للإسلام والمسلمين

وجدير برواد التربية وصناع الجيل ان يجعلوا من كتاب صيد الخاطر مرجعا تربوية ملازما لهم مرافقا لميدان عملهم فلن يعدموا من فائدة تؤنسهم في مواقف التربية التي يمرون بها.

رحم الله ابن الجوزي ونفعنا بعلمه وصلى الله وسلم على النبي الكريم واله وصحبه والحمد لله رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى