
كنتُ أقرأ سورةَ محمد، فاستوقفني اسمها، وأخذتُ أعيد النَّظر فيها مرةً بعد مرة: ما دلالة أن تحمل هذه السُّورة اسمَ النبي ﷺ؟ وما الذي خبَّأه نظمها وراء هذا الاسم؟ قلتُ لنفسي: النَّاظر إليها منذ الوهلة الأولى يخطر له أنَّ السورة التي تحمل اسمه ﷺ حَرِيّةٌ أن يكون فيها شيءٌ من خَبَرِه، أو شمائله، أو سيرته، أو خصائصه ﷺ؛ ثم مضيت في السورة، فإذا هي تمضي في وجهة أخرى: إيمانٌ وكفر، وهدى وضلال، ووحيٌ واتباع، وجهادٌ ونفاق، وثباتٌ ونكوص، ودنيا وآخرة. ثم يظهر لك أن اسم «محمَّد» في السورة لا يستدعي شخص النبي ﷺ منفردًا عن رسالته، وكلما تمعنت فيها رأيت أنها تستدعي الحقيقة التي جاء بها، والفرقان الذي وقع بمبعثه، والوحي الذي نزل عليه. ومن أعجب ما تنبّهتُ إليه أنَّ الآية التي ربما سبق إلى الظَّن أنها أخلق الآيات بأن تكون في سورة محمد، أعني قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، ليست في سورة محمد، وإنما جاءت في خاتمة سورة الفتح، السورة التي تليها في ترتيب المصحف. ولعل في مجيئها هناك سرًّا يناسبُ مقام السورتين؛ فسورة محمد تعرض مقام الامتحان والافتراق حول الرسالة: من آمن بما نُزِّل على محمد، ومن كره ما أنزل الله، ومن استمع ثم انصرف، ومن أطاع، ومن ارتدَّ على أدباره. ثم تأتي سورة الفتح وقد ظهرت ثمرة اتباع النبوة ونصرتها والثبات معها؛ فتحٌ وسكينةٌ ورضوانٌ ووعدٌ، وجماعةٌ مؤمنة التأمت حول رسولها حتى استحقت أن يختم الله السورة بذكره وذكرها معه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ}، وفي تناسب السورتين، أقول: كأني بسورة محمد ترسم طريق الاتباع والامتحان، ثمَّ تجيء سورة الفتح لتعرض ثمرة ذلك الطريق وأهله؛ فناسب أن يجيء اسم الرسول ﷺ هناك مقرونًا بأصحابه، وقد ظهرت آثار النبوة فيهم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29]. أما سورة محمد نفسها، فإنها تفتتح من أول آياتها بذلك الفصل الحاسم بين فريقين: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 1، 2]. وهنا بدا لي شيءٌ من سرِّ السورة: لقد جاء اسم محمد ﷺ في مطلعها، لكن القرآن لم يذكره ليحدّثنا عن نسبه، أو بيته، أو شيء من خصوص أمره ﷺ، وقال: {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ}. فموضع الاسم من السورة موضع الرِّسالة من الرَّسول، وموضع الوحي من صاحبه؛ حتى يستقر في القلب أنَّ شأن محمد ﷺ الأعظم في هذا المقام هو ما نُزِّل عليه من ربِّه. ثمَّ تأملتُ صدر السورة، فإذا الفرق بين الفريقين معلَّلٌ تعليلًا يكشف أصل القضية كلها: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 3]. فالقضية قضية اتباع: قوم اتبعوا الباطل، وقوم اتبعوا الحق من ربهم. وبينهما محمد ﷺ يحمل هذا الحق. ومن هنا خطر لي أنَّ اسم السورة نفسه يلوح منه معنى الفرقان الذي وقع بمبعثه: فقد انقسم الناس تجاه ما نزل عليه إلى مؤمن به متبع، وكافر به صادٍّ؛ وبحسب الموقف من الوحي تتحدد الطريق والعاقبة. ثم مضيت حتى بلغت الآية التي أحسبها من أعظم مفاتيح السورة: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]. فتوقفت طويلًا عند {فَاعْلَمْ}. الخطاب لمحمَّد ﷺ، والذي يؤمر بعلمه هو أجلُّ معلوم: {أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}. وهو ﷺ الذي قام بالتَّوحيد حتى أوذي فيه، وهاجر من أجله، وحمل أمانته إلى النَّاس؛ ثم يأتيه الخطاب من السَّماء: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}. وكأن التوحيد بحرٌ لا ينقضي منه العلم، ولا يبلغ العبد فيه منزلةً يستغني معها عن مزيد المعرفة بالله. فإذا كان محمد ﷺ يُخاطَب بأن يعلم أن لا إله إلا الله، فأيُّ أحد بعده يستغني عن تجديد هذا العلم في قلبه؟ ثم أعقب العلمَ بالاستغفار – وهو سيد المستغفرين، وإمام المفتقرين ﷺ- : {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}. فجمع له بين معرفة التوحيد، ودوام الافتقار؛ علمٌ بالله، واستغفارٌ بين يديه. وهكذا يرتفع مقام العبد، ثم يبقى باب العبودية مفتوحًا فوق كل مقام.
وإذا تتبعت خطاب النبي ﷺ في السورة وجدت حضوره عجيبًا؛ فهو حاضر فيها، لكنَّ حضوره يأتي من جهة الرِّسالة وموقف النَّاس منها. يقول سبحانه عن المنافقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16]؛ فهم بين يديه يسمعون كلامه، بيد أنَّ السَّماع لم يفتح قلوبهم؛ فقد طُبِعَ على قلوبهم واتبعوا أهواءهم، فكان حظهم من مجلس النبوة سماعًا لم يجاوز الآذان إلى القلوب. ثم يقول سبحانه: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30]. فالخطاب له ﷺ مرة أخرى، وهذه المرة في شأن المنافقين وخفاياهم، وما يُظهره الله لرسوله من دلائل أحوالهم. وبين الخطابين يأتي الأمر الأعظم: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}. فكأن السورة تريد أن ترينا مقام محمد ﷺ في معركة الحق والباطل: عليه ينزل الحق، وإليه يستمع المنافقون، وله يكشف الله شيئًا من أحوالهم، وإليه يأتي أمر التوحيد والاستغفار، ومن حول رسالته يفترق النَّاس. ولهذا تتكرر في السورة قضية ما نُزِّل تكرارًا لافتًا. ففي أولها: {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ}، ثم في شأن المؤمنين: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ}، وفي شأن المنافقين: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، ثم يعود المعنى نفسه في آخر السورة إلى الطاعة والثبات والإنفاق في سبيل الله. فالمحور الذي تدور عليه المواقف هو الوحي النازل من الله، ومحمد ﷺ هو متلقّيه ومبلّغه. وهذا لعمري من المواضع التي يظهر فيها سلطان الوحي وتجرده من حظوظ البشر ظهورًا باهرًا. فالكتاب الذي نزل على محمد ﷺ، والسورة التي عُرفت باسمه، لا تجعل شخصه محورًا يدور عليه الثناء والسَّرد، وتأخذ بيده هو نفسه إلى مقام العبودية: {فَاعْلَمْ}، {وَاسْتَغْفِرْ}؛ وتأخذ بأمته إلى أصل الدِّين الذي جاء به: {لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}. وهذا ما ازداد في نفسي ظهورًا كلما أعدت قراءة السورة: أن عظمة محمد ﷺ في القرآن متصلة بأكمل مقامات البشر وأشرفها؛ مقام العبودية لله، وحمل الوحي عنه، والدلالة عليه. والله أعلم بمراده.
