آثار

الجزار وولايَتَهُ على اليمن

كانت بلاد اليمن تتمتع في القرنين الأول والثاني للهجرة باستقرار سياسيٍّ نسبي، فلم تشهد إلّا بعض الاضطرابات التي لم يُقدر لها النِّجاح، وفي الوقت نفسه كان لليمنيين اعتقادٌ حسنٌ في حبِّ آل البيت ناتج عن دخول الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى اليمن، وخاصة في وسط قبائل همدان، وقد شجَّعَ ذلك بالإضافة إلى بُعْدها عن مركزِ الخلافة، ووعورة مسالكها وطبيعتها الجبلية، شجَّع العلويين أن يتطلعوا إليها يتَّخذوا منها مركزًا لنشاطهم ضد أبناء عمومتهم العباسيين، الذين اعتقدوا أنهم اغتصبوا منهم الحكم.

شهدت بلاد اليمن في أواخر القرن الثاني، وبداية القرن الثالث الهجري قدوم إبراهيم بن موسى بن جعفر الملقب “بالجزَّار” الذي جاء إلى اليمن داعيًا لإمام الكوفة العلوي آنذاك محمَّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن طَبَاطَبَا(ت199ه)، وفي فترة وجيزة استطاع السَّيطرة على زمام الأمور في بلادِ اليمن.

ولمعرفة ما جرى آنذاك! يتطلب منا أن نُعَرِّفَ بــــــــ”الجزار”، ولماذا أُطلق عليه هذا الاسم؟ ومتى قَدِمَ إلى اليمن؟ ومتى كانت ولايته؟ فدونكَ أيُّها القارئ قطعةٌ مختصرة اِنتقيتها من تضاعيفِ كتب التَّاريخ، بيانها على النَّحو الآتي:

أولاً: التعريف به

هو: إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصَّادق بن محمَّد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب (ت: بعد 222ه)(1).

ثانياً: سبب تسميته بالجزار

– قال ابن كثير: خرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويقال له: “الجزَّار” لكثرة من قتل من أهلِ اليمن، وأخذ من أموالهم، وقد كان مقيمًا قبل ذلك في مكَّة(2).

– وقال تقي الدِّين محمَّد الفاسي: كان يسمى بــــ”الجزار” لكثرة إسرافه في القتل الذي أوقعه بأهل اليمن(3)

–  وقال أبو الفداء: استولى إِبراهيم على اليمن، وكان يسمَّى ‌الجزار، لكثرة من قتل وسبى(4)

– وقال ابن الأثير: استولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن وسبى وأخذ الأموال(5)

– وقال ابن حزم: دخل إبراهيم الجزار مكة عنوة، وقتل يزيد بن محمَّد بن حنظلة المخزومي، أمير مكة من قِبل العباسيين، وقتل معه خلقًا آخرين(6). إذًا عُرِفَ “بالجزَّار” لكثرة ما سفكَ من الدِّماء بعد قدومه إلى اليمن، لذلك وصفه الزركلي، بقوله: “كان بطَّاشًا جبَّارًا”(7).

ثالثاً: قدومه إلى اليمن

– كان مقر العلويين الأصلي في الحجاز، ومنه انساحوا إلى بقية البلدان(8)، وقد كان اليمن هو الأقرب إلى الحجاز فاستقر بعضهم في اليمن. 

– في عهد المأمون الخليفة العباسي، خرج عليه من العلويين بالكوفة، محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن طَبَاطَبَا في عام (199ه). 

-قام “محمد بن إبراهيم بن طَبَاطَبَا” بالكوفة داعيًا لنفسه بالخلافة، ثمَّ أرسل ابن عمه “إبراهيم بن موسى الجزار” إلى صعدة(9)، لعلمه بوجود شيعة للعلويين لا يُستهانُ بهم. 

– قال ابن الأثير في أخبار سنة مائتين: “وفى هذه السَّنة ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، وكان مقيمًا بمكة، ثمَّ سارَ إلى اليمن، وبها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمَّد بن على بن عبد الله بن عباس عاملًا للمأمون، فلمَّا بلغه قرب إبراهيم الجزار من صنعاء، سار منها نحو مكة، وأتى ‌‌‌المُشَاشُ(10) فعسكر بها، واجتمع إليه جماعة أهل مكة هربوا من العلويين، واستولى إبراهيم على اليمن”(11)

– هاجم “إبراهيم الجزار” الولاة العباسيين في اليمن داعيًا “للرضا من آل محمد” -وهي الدعوة التي كانت سائدة قبل قيام الدولة العبَّاسية- ويعني به “محمَّد بن إبراهيم طباطبا” الخارج بالكوفة سنة (199ه) ممثلًا للطالبيين أو العلويين هناك، كما ذكره الطَّبري وابن خلدون وغيرهم(12)، ومتعرضًا لكل من ظنَّ أنه مبغض لأهل البيت من القبائل اليمنية، مستخدمًا القتل وسيلة للتَّمكين. 

– قام المأمون بإرسال “علي بن محمد بن ماهان”، الذي تمكن جنده من دخول صنعاء وطرد الجزار، بعد وقائع مريرة بين الطَّرفين. 

– ومنذ أن قَدِمَ “إبراهيم الجزار” في مطلع القرن الثالث الهجري بدأ تعميق الوجود العلوي في اليمن، وإن توارى عن الأنظار حينما أخمدت حركة ابن طباطبا بقتله سنة(199ه) في العراق.

وولايَتَهُ على اليمن 1 الجزار وولايَتَهُ على اليمن

رابعاً: ولايته على اليمن.

– استولى “إبراهيم الجزار” على اليمن(13)، ولكنه سارَ في أهلها سيرة ظالمة، فأسرف في قتل كل من يعارضه، حتى لقِّب بالجزار كما أسلفنا(14)، وأراد توسيع دائرة نفوذه، فأرسل جيشًا نهب قافلة كان بها كسوة الكعبة، فأسرع إليهم جيش العباسيين وهزمهم، حتى أنهم عادوا يتكففون النَّاس في الطريق(15)

– ظل إبراهيم الجزار مستوليًا على اليمن، حتى قام المأمون في عام(204ه) بتوليته واليًا عليها من قبله(16)

– استطاع المأمون أن يستدرج “إبراهيم الجزار” إلى صفه بتوليته على اليمن باسم الدولة العباسية وليس باسم العلويين(17) لأنَّ “الزيدية” كمصطلح وفرقة لم يكن متداولاً ولا مرفوعًا، بل مصطلح “العلوية” هو السَّائد في المصادر التَّاريخية(18).

–  لا عجب من هذا التغيير، فالمأمون كانت سياسته تنطوي على التسامح مع العلويين، فهو الذي جعل ولاية العهد من بعده لعلي الرضى، وزوجه ابنته على الرغم من إقدام وتحالف العباسيين ضده -أي المأمون- لاسترداد الحكم لهم، ولم يهدأ لهم بال إلا بوفاةِ علي الرضى(19)

– كان “علي بن محمد بن ماهان” من الرافضين لسياسة المأمون هذه، ولذلك رفض تسليم مقاليد حكم اليمن لـــإبراهيم الجزار(20)، واشتبك معه، وهزمه بناحية جدر قرب صنعاء، وترك إبراهيم الجزار صنعاء منهزمًا، ولم يعد إليها إلا في حراسة جيش مبعوث من قبل الخليفة، يقوده عيسى بن يزيد الجلودي(21)، فاستعد ابن ماهان لمواجهة هذا الجيش، وجمع عشرة آلاف مقاتل ليصد بهم جيش الجلود، إلا أن الجلودي انتصر عليه ودخل صنعاء، وقبض على ابن ماهان وأرسله إلى المأمون، ورتب أمور صنعاء وبقية مخاليف اليمن وسلمها لـــإبراهيم الجزار، ثمَّ رحل إلى العراق(22)

– بسط “إبراهيم الجزار” نفوذه على اليمن، وكان يولي على كثير من مخاليفه وفروعه، تسانده في ذلك قبيلة “بني فُطَيْمة من سحار ابن خولان”، و”بنو سعد بن خولان”، وعلى رأس هؤلاء “علي بن عمرو بن يزيد” بهدف استعانة هاتين القبيلتين به على أعدائهما التقليديين من “الأكيليين بني ربيعة من خولان بن عمرو”. 

– قام “إبراهيم الجزار” بالقبض على مائة وخمسين رجلاً من الأكيليين ومن حلفائهم من “آل أبان الحميريين” و “بني شهاب” ولما كان في صنعاء قتلهم جميعًا ولم ينج منهم إلا “أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن القشيري الذي استطاع أن يفلت من الأسر(23).

ختاماً:

– كانت بلاد اليمن في تلك الحقبة الزمنية نموذجًا مصغرًا لما يحدث في البلدان الإسلامية من فتن سياسية. 

– إن الاضطرابات السياسية التي شهدتها اليمن أثرت سلبًا على جميع نواحي الحياة العامة آنذاك، وهذا ما نلمسه في واقعنا المرير. 

– إنَّ المتأمل في حال بلاد اليمن يجد أنها قد مرت بفترات عصيبة من سفك للدماء ونهب للأموال وانتهاك للحرمات، كان اليمن مسرحًا للأحداث، وكان اليمنيون ضحايا تلك الأحداث والاضطرابات. 

– لا يزال تاريخ اليمن بحاجة ماسة لجهود الباحثين لإزالة غوامضه، ولا يكون ذلك إلا بجهود جبارة متكاتفة، لتنفض عن كاهله ركام الجهل والتجهيل، وبعثه من جديد، وإحيائه بدراسته جزءًا جزءًا لكشف جوانبه المختلفة. 

– أخيرًا: أوصي الباحثين والدارسين إلى سَبْرِ أغوار الحضارة اليمنية التي اختفت وراء لوحات الصراعات السياسية والمذهبية.

 والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش:

  1.  للمزيد ينظر: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين: الفاسي، (3/ 166)، طراز أعلام الزمن: الخزرجي، (2/ 165)، السلوك: الجندي، (1/ 138)، تاريخ الطبري: (8/ 567)، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ابن الجوزي، (6/ 116)، الكامل في التاريخ: (5/ 471)، المختصر في أخبار البشر: (2/ 22)، الأعلام للزركلي (1/75). 
  2.  البداية والنهاية: (14/ 115). 
  3.  ينظر: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين: (3/ 166). 
  4.  المختصر في أخبار البشر: (2/ 22). 
  5.  ينظر: الكامل في التاريخ: (5/ 471).
  6.  ينظر: جمهرة أنساب العرب: (1/ 143). 
  7.  الأعلام للزركلي (1/ 75) 
  8.  ينظر: تاريخ المستنصر: ابن المجاور، (ص57). 
  9.  مدينة صعدة: مدينة تاريخية في شمال اليمن، تبعد عن العاصمة صنعاء بمسافة(243كم). ينظر: معجم البلدان اليمنية، المقحفي، (1/907)، مجموع بلدان اليمن: الحجري، (ص467)، البلدان اليمانية: ياقوت، (ص175). 
  10. المُشَاشُ: بالضم، قال عرّام: ويتصل بجبال عرفات جبال الطائف وفيها مياه كثيرة أوشال وعظائم قنيّ، منها ‌المشاش وهو الذي يجري بعرفات ويتصل إلى مكة. ينظر: معجم البلدان: ياقوت، (5/ 131). 
  11. ينظر: الكامل في التاريخ: (5/ 471). 
  12.  ينظر: التاريخ: الطبري، (8/528، 536)، التاريخ: ابن خلدون، (5/514، 518)، مقالات الإسلاميين: الأشعري، (ص156، 157). 
  13.  ينظر: العبر: ابن خلدون، (3/305)، العسجد المسبوك: الخزرجي، (ص30)، وتاريخ المذاهب الدينية: فؤاد سيد، (ص52). 
  14.  ينظر: المختصر في أخبار البشر: أبي الفدا، (2/21- 22)، بهجة الزمن: ابن عبد المجيد، (ص37)، مقدمة في دراسات الاتجاهات الفكرية والسياسية في اليمن: أحمد عبد الله عارف، (ص166). 
  15.  ينظر: تاريخ الأمم والملوك: الطبري، (8/ 540- 541)، اليمن في ظل الإسلام: عصام الدين عبد الرؤوف، (ص80). 
  16.  ينظر: تاريخ صنعاء: ابن جرير، (ص58)، بهجة الزمن لابن عبد المجيد، (ص37). 
  17. ينظر: السلوك: الجندي، (1/216)، اليمن في عهد الولاة: الخزرجي، (ص98)، غاية الأماني: يحيى بن الحسين، (1/149). 
  18.  ينظر: تاريخ اليمن في الإسلام: الشجاع، (ص131). 
  19. ينظر: تاريخ الأمم والملوك: الطبري، (8/ 568)، مروج الذهب: المسعودي، (4/ 28).
  20.  ينظر: بهجة الزمن: ابن عبد المجيد، (ص37). 
  21. هو: عيسى بن يزيد الجلودي: ولى مكة في سنة مائتين، بعد هزيمة العلويين منها، وناب في إمرة مصر عن عبد الله بن طاهر، سنة(212ه) وأقره المأمون على الإمارة، وأصلح أحوال مصر، توفي سنة(214ه). ينظر: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين: (5/ 442)، الأعلام للزركلي (5/ 111). 
  22.  ينظر: تاريخ صنعاء: طارق محمد، (ص51، 53)، وتاريخ اليعقوبي، (2/ 455). 
  23.  التاريخ العام لليمن: الحداد، (ص72).

سامي منصور

سامي منصور محمد سيف حاصل على شهادة الليسانس من جامعة تعز، كلية الحقوق عام 2009م. حاصل علىٰ شهاد الماجستير بتقدير «ممتاز» مع مرتبة الشرف الأولى، من قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، كلية الدعوة وأصول الدين، بالجامعة الإسلامية. وعنوان رسالة الماجستير (جهود الدولة الرسولية في الدعوة إلىٰ الله في بلاد اليمن). باحث في مرحلة الدكتوراة، قسم الدعوة والثقافة الإسلامية، الجامعة الإسلامية. لديه بعض الأبحاث العلمية والمقالات في العديد من المواقع المتخصصة.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى