
في فجرٍ باردٍ على أطرافِ روسيا، كانت أربعُ فتياتٍ ناعساتِ الأعين، يلتصقنَ بثوبِ أمِّهن، لا يدرين ما الذي انصدع في العالم؛ الأميراتُ بالأمس، يرتجفنَ اليوم في عربةٍ مغلقةٍ تمضي بهنَّ إلى مصيرٍ لا عرشَ فيه ولا تاج.
وفي قفارِ المغرب، في صباحِ عيدٍ حزين، وقف رجلٌ كان بالأمس سلطانَ إشبيلية، يُحدِّق في بناتِه بثيابٍ باليةٍ لا تدفع بردًا ولا تسترُ فاقة، ثم أرسل كلمتَه التي حفرتْها المأساةُ في ذاكرةِ الزمن: «فساءكَ العيدُ في أغماتَ مأسورًا”.
أيُّ سرٍّ خفيٍّ يشدُّ بين نيقولا الثاني، آخر القياصرة، والمعتمدِ بنِ عبّاد، آخرَ ملوكِ بني عبّاد، هذا الخيطُ الموشوكُ بالحزن؟
إنَّه المصيرُ حين ينزلُ على الملوك في أعينِ بناتهم: حين تنقلبُ القصورُ إلى أقفاص، ويغدو العرشُ شاهدَ اتّهام، ويتحوّلُ النعيمُ الذي كان يُظنُّ خلودًا إلى لعنةٍ تجرُّ القلبَ إلى منفى لا يُشبه الحياة.
نيقولا الثَّاني، واسمه نيكولاي ألكسندروفيتش رومانوف (ت: 1918)، سليل أسرة “رومانوف” التي حكمت روسيا قرابة ثلاثة قرون، عاش السَّنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية، وسقط معها، وكذا المعتمد بن عبَّاد (ت: 1095م)، آخر ملوك بني عبَّاد في الأندلس، طُوي بسقوطه فصلٌ من المجدِ الأندلسي التليد.
لكنَّ الذي يُؤجِّج هذا التوازي، ويمنحُه حرارتَه الإنسانيّة، هو لحظةُ السقوط، حين يرتطمُ التاجُ بالأرض، وتنحلُّ هالةُ السلطان، فتبرزُ ملامحُ الإنسان خلفَ جلالِ المُلك. ففي تلك اللحظة يتعرّى المصيرُ من زخارفِه، ويغدو الملكُ رجلًا يواجهُ هشاشتَه العارية. وكلا الرجلين كان أسيرَ حبٍّ عظيمٍ لزوجته: فالمعتمدُ بن عبّاد هامَ باعتماد الرميكيّة حبًّا شاع ذكرُه في أرجاءِ الأندلس، حتى رُوي أنّه زرع لها النرجسَ على الرمال، وأجرى لها الأنهارَ في قصره، يبتغي أن يصوغَ لها من الطبيعةِ فردوسًا يليقُ بهواها.
وكذلك نيقولا الثاني، فقد كان مولعًا بألكسندرا فيودورفنا، شديدَ التعلّق بها، لا يكادُ يردُّ لها رغبة، حتى قيل إنَّ فرطَ محبّتِه أضعفَ بعضَ مواضعِ الحزم في سياسته، وأفسح لها مجالًا واسعًا في شؤون الدولة، فتهيّأت بذلك أسبابُ النقمة، وتسارعت نارُ الثورة. وكان في تنازله عن العرش سنة 1917 أثرٌ ظاهرٌ لهذا التعلّق، إذ آثر سلامتها، وضنَّ بأسرته أن تلتهمها عادياتُ الزمان.
لم يسقطْ نيقولا وحده، سقطتْ معه أسرته، كما لم يُنفَ المعتمدُ منفردًا، وإنما مضت أسرته معه إلى المنفى؛ فالأوّل سيقَ إلى سيبيريا، والآخر أُخرج إلى أغمات، وكلاهما انتُزع من بين أعمدةِ الملكِ الباذخة إلى مضايقَ ضيّقة، وأفقٍ خلا من الجند، وليلٍ لا حرسَ فيه.
لحظة العيد كانت مفصلًا قاسيًا في حياةِ المعتمد، رأى بناته بملابس رثَّة، كأنهن يتسوَّلن فرحة، بعدما كنَّ زهرات القصر، فدوَّنَ وجعه بقصيدةٍ قوامها الألم:
فيما مضىٰ كنتَ بالأعياد مسرورًا
وكان عيــــــدك باللـذاتِ معمــورا
وكنت تحسب أن العيـد مسعـدةٌ
فسـاءك العيــــد في أغمـات مأسورا
ترى بناتك في الأطمـار جائعـةً
في لبســهنَّ رأيت الفــقر مـسطـورًا
أمَّا نيقولا، فقد حمَلَ معه ولي عهده أليكسي، وبناته الأربع: أولغا، تاتيانا، ماريا، وأنستاسيا، إلى المصير نفسه، إلى العزلة نفسها، ثمَّ إلى الرصاص الذي أطفأ الدَّم الملكي دفعة واحدة، لقد أُخِذَ من أعظم قصور الدُّنيا في سانت بطرسبرغ إلى “سيبيريا” في وطية نائية لا رائحة فيها إلا البرد والخوف والموت!
التاريخُ لا يسخر، غيرَ أنَّه شديدُ الوطأة، وفي كليهما تكرَّرتِ المأساةُ ذاتُها: أن يشهدَ الملكُ أبناءَه وهم يقتسمون معه مرارةَ النهاية، وأن تنقلبَ الملوكيّةُ، التي كانت تُرى وعدًا بالخلاص، إلى مرآةٍ للخذلان. والمأساةُ الأعمقُ تنكشفُ حين ينهارُ العرشُ، وتنهارُ معه صورةُ العالم في عيونِ من نشؤوا على يقينٍ أنَّ أباهم لا يُغلَب؛ حين ترى ابنةُ الملك أباها مطأطئَ الرأس، عاجزًا عن أن يدفع عنها جوعًا، أو يقيَها بردًا، أو يحولَ بينها وبين الرصاص. تلك لحظةٌ تختصرُ قرونًا من الغرورِ الإنسانيِّ في مشهدٍ واحدٍ من انكسارِ الإنسان أمام مصيره.
كثيرًا ما أجدني منحازًا إلى أهالي الملوك حين يُسحب العرش من تحت أقدامهم فجأة، فيسقطون معه، دون أن يُمهَّد لهم طريق النَّجاة ولا يُؤذَن لهم بوداع، تشتدُّ المأساة حين يُجَرُّونَ من ظلالِ القصور إلى جمر الحياة العارية، لا لذنبٍ اقترفوه، بل لأنَّ الدَّم الذي يسري في عروقهم كان ملكيًّا، هم القوم يشقى بهم القريب!
نشأوا نبلاء، رُبُّوا على أنهم من طبقةٍ لا تسقط، وعاشوا في أروقة الترف كأنَّ الفقر محضُ خرافةٍ يُتداولها العامة، ثم هُدَّت الأسوار، وسُحبت السَّتائر، فإذا بهم في العراء، يُطاردهم الغضب، والخوف، ونغمة الفناء.
كلا الرجلين لم يُعرَف بطشُه في الذَّاكرة بقدر ما عُرف بما أحاط حياتَه من ودٍّ ومحبَّة، ومع ذلك انتهى مصيرُهما إلى الغاية نفسها، كأنَّ التاريخ يُومئ إلى حقيقةٍ مُرَّة: أنَّ السقوط لا تجرُّه القسوةُ وحدها، وإنما تستدعيه الغفلةُ أيضًا، والاطمئنانُ المفرط إلى دوامِ ما لا يدوم.
ثمَّة عدالة قاسية في قلبِ الزَّمان، لا تُبالي إن كنتَ عادلًا في بيتك، ما دمت لم تفهم أن الملك لا يُورَث كما يُورَّث الحب، وأن الجماهير لا تغفر إن صَمَتت طويلًا، وربما لهذا قال أحد الفلاسفة: “الملوك يموتون لأنهم نسوا كيف يعيش الناس”.
فما بين نيقولا والمعتمد تماثلٌ في النغمة، وتشابهٌ في المشهد: انحدارٌ من العرش إلى الطين، ومن وهج المُلك إلى صمت البنات. ولعلَّ أعينَ البنات، وهنَّ يخرجن من القصر إلى المنفى، هي أصدقُ ما حفظه التاريخُ عن سقوط العروش.
مات ابن عباد في مدينة أغمات، مضرَّجًا بفقرٍ مدقع، وحالٍ كسيرة، بعد أن كان يرفل في نعيم الملك وسطوة السَّلطان. وكذا كان مصير نيقولا، إذ مضى مع أسرته إلى منفاه الأخير في عام 1918، حيث قُتلوا رميًا بالرصاص في مشهدٍ وحشيٍ مروِّع، لا يزال المخيال الروسي يردده، ويُنسِج حوله الأساطير، باعتباره الخاتمة الدامية لآخر سلالة القياصرة الرومانوف.
ثمَّ انطفأ الصوتان في ليلِ التَّاريخ، وبقيتْ في الرِّيحِ رجفةُ الثيابِ الملكيَّةِ وهي تُطوى على عجل، وبقيتْ خطى البناتِ، وهنَّ يعبرنَ من بهاءِ القصورِ إلى وحشةِ المنفى، تُرنِّمُ في سمعِ الزمانِ مرثيَّةَ المُلكِ إذا أدبر. فما العروشُ إلا ظلٌّ عابر، وما التيجانُ إلا وميضٌ يخبو، أمَّا الدمعُ الذي يسقطُ من عينِ ابنةِ ملكٍ على أعتابِ السقوط، فهو الحقيقةُ الباقية، وهو السِّفرُ الذي يكتبُه القدرُ بمدادِ الفقد، حين يُعلِّمُ الإنسانَ أنَّ ما يعلو في الأرضِ، لا بدَّ أن يعودَ إليها.

هذا المقال الماتع للأديب الدكتور خالد بريه زاده الله جمالاً وأدباً، والذي سرد فيه مقارنة في النهاية التراجيدية لملكين من ملوك الدنيا أحدهما في اقصى الشرق والآخر في أدنى الغرب، وبينهما من مسافة الزمان أكبر بكثير من مسافة المكان، فالمعتمد بن عباد توفي قبل قيصر روسيا بأكثر من 823 عاماً.
العاطفة الشعبية تنسج الأساطير الشفوية لتخلد الفصل الأخير من النهاية لهذا الملك أو ذاك، والعاطفة الادبية تنسج نصًا ادبيًا يخلد فيه ذلك الفصل أيضًا ولكلٍ حالته النفسية يخلعها على المشهد الأخير.
لست معنيًا بقيصر روسيا، أنا لي موقف من المعتمد فعندما أقرأ قصته بحرف أيّ أديب أو كاتب أسمع عزفاً حزيناً على هذه الشخصية وما كان ذلك ليكون إلا بسبب تلك الأبيات التي حاول فيها ابن عباد أن يسرق منا لحظة عاطفية لنصطف معه -شعر أم لم يشعر- في موقفه السياسي بناء على المشهد الأخير الذي عاشه فقيراً معزولاً.
هذا الاصطفاف الذي أرادنا المعتمد أن نكون بجانبه بتلك الابيات البالغة التأثير ستكون على حساب الموقف من البطل العظيم يوسف بن تاشفين رحمه الله، فالمعتمد الذي كان سيسلم الاندلس على طبق من ذهب للفونسو ملك قشتالة تنحاز اليه العاطفة الإنسانية في لحظة انكساره فقيراً معزولاً في يوم عيد بأغمات.
بينما يوسف بن تاشفين الذي أمد في عمر الاسلام في أسبانيا 500 عام تقريباً سيكون المكروه عاطفياً لأنه جعل المتعمد يعيش تلك النهاية في أغمات، والتي لم تكن إلا من صنع يده لا من غيره.