فكر

مسوّغات المناداة بالعلمانية بين الحقيقة والوهم (ج3)

طبيعة الإسلام وفلسفته الشاملة

بعد استعراض السبب الأول لمسوغات العلمانية عند دعاتها، في سياق إسقاط التاريخ الأوروبي على التاريخ الإسلامي؛ ننتقل إلى السبب الثاني، وذلك على النحو التالي:

السبب الآخر: ضعف إدراك طبيعة الإسلام وفلسفته الشاملة:

إذا أدركنا الحقيقة الأولى السابقة في اختلاف جذور الفكر الإسلامي وحضارته عن مسار الفكر الغربي وإفرازاته؛ فلست أجد منطقاً علمياً، أو مسوِّغاً موضوعياً للإصرار على أن تبقى العلمانية تحت أي عنوان (مؤمنة ) أو (معتدلة)أو (جزئية) أو (ثالثة) أو (تمييزية)هي النموذج القياسي الحاكم (Paradigm)على كل علاقة بين الدّين والدولة، مادام أن الإسلام يمتلك نظاماً متفرّداً، في أصوله وكليّاته وفي تشريعاته  ونظمه، بحيث لا يحتاج إلى نظام آخر، على نحو استيراد أو تلفيق، مع بقاء مساحة في إطاره لما يسمّى بالمصالح المرسلة،  أو ما يمكن تسميته  اليوم بالمتغيرات والمستجدات أو (النوازل) -وفق التعبير الفقهي- أو هي تلك المسائل الجديدة لتي يمكن الإفادة في معالجتها من كل التجارب الإنسانية الناجحة، خاصة في الجوانب الإدارية والتقنية ونحوهما، ولكن في إطار  المرجعية الإسلامية الكليّة أيضاً. وحينها ليس ثمّة ما يسوّغ الاستعارة الحرفية، أو الاستنساخ الأعمى  للنماذج الغربية أو سواها، أو حتى تقديم (خلطة)  هجينة تقتحم أسوار مجتمعاتنا في سياق الغزوة الثقافية والهجمة الحضارية لقوى الاستعمار الحديث،  سواء قام بها بعضهم بقصد أم بغير قصد، حين تقدّم بعناوين  تلفيقية بديلة،  خاصة إذا ما تذكّرنا  ما سبقت الإشارة إليه، من علاقة الودّ تلك بين العلم والدّين، من جهة،  وغياب بُعد الصراع بين الدّين والدولة في الحضارة الإسلامية،  من جهة أخرى.

زد على ذلك توافر عناصر نظرية سياسية إسلامية متكاملة في البناء النظري، اشتغل عليها علماء ومفكرون في القديم والحديث،  بما يليق مع ظروفهم الزمانية والمكانية،  مع التأكيد على أن بعضهم من المحققين وأعلام الفكر السياسي الإسلامي، كما أن بعض الجهود المعاصرة ذات العلاقة  قُدِّمت في صورة  أطاريح علمية من كبريات المؤسسات الأكاديمية، بما فيها بعض الجامعات الغربية. ومن العيب الأخلاقي والمنهجي، أو من قبيل ” بَطَر الحق وغمط الناس – وفق التعبير النبوي- أن يشطّب على تلك الحقيقة وعلى كل تلك الجهود ، وترمى جميعها في سلّة المهملات، لمجرّد  اختلاف في تصوّر بعض العناصر والمكوّنات، أو  بعض الخصائص والشروط، أو جهل بعضنا بذاته، وتصديق ما يردّده خصوم الإسلام أو الجاهلون بحقيقته من أبنائه، والافتتان بما أصفه  بـ(معبود) أو (مقدَّس) العلمانية، وذلك بعد أن يلاحظ ذلك الإصرار على الجهل بالذات، والمسارعة إلى تصديق وهم الحتمية في استيراد أو تلفيق نموذج علماني بهذه الصيغة أو بتلك، ولا خيار لك إلا العلمانية بأيّ من صيغها، بوصفها غدت النموذج القياسي الحاكم الحتمي، ولا موقع لسواها، وإذا وجد فبتكييفه معها، بحيث لا يخرج عن أيّ من صيغها! على حين أن الحقيقة التي يقرّ بها بعض دارسي الظاهرة العلمانية في سياقها التاريخي الغربي كعزمي بشارة – مثلاً- ” أن العلمنة كما تروّج في العلوم الاجتماعية في الغرب، بشكل عام هي أنموذج (بردايم). إنها مجموعة فرضيات ونظريات متسقة في فهم التحوّل التاريخي في الحداثة، هذه حقيقتها، وهذا وَهْمُها أيضاً، إنها تشكّل بلا شك جانباً مهماً من الحقيقة،  لكنها لا تفسّر كل شيء، وتبقى ظواهر كثيرة ممتنعة على هذا الأنموذج، خارج نطاق تفسيره… يهمنا هنا التأكيد  أن هذا البردايم يتعلّق في النهاية بالدولة، لأن العلمنة في رأينا هي غالباً عملية تقديس  في الوقت  عينه، فهي حين تقصي الدِّين عن مجال ما( ولا سيما إذا كان هذا المجال غير العلم) لا تكتفي بإقصاء الدِّين، بل تقدّس مرجعيات أخرى مثل الدّولة””(1).

هذا رغم أن ثمّة اعترافات ينؤ بإيرادها المقام في الاعتراف بهكذا حقيقة، أعني حقيقة أن الإسلام يمتلك نظرية شاملة توائم بين جوانبه المختلفة بما فيها النظام السياسي. وإذا كان من المعلوم لدى البعض أن ثمة مؤلّفين وباحثين وعلماء وكتاباً ومفكّرين  غير مسلمين  اعترفوا بتلك الحقيقة عن الإسلام فأنصفوه؛ فإن من النادر – في ظني -الاعتراف بالحقيقة ذاتها من قبل كتّاب  الموسوعات والقواميس  والمعاجم ودوائر المعارف  ونحوها، على ذلك النحو،  بدون إضافة ما يعني براءة  الكاتب أو فريق العمل  من الاقتناع بذلك، وغاية ما في الأمر أن الإسلام يقدّم على ذلك النحو من قبل أتباعه، بيد أنه لفت نظري عمل غراهام ايفاتز وجيفري نوينهام في قاموسيهما عن العلاقات الدولية  عند تعريفهما للإسلام، حيث ميّزا بينه وبين اليهودية والنصرانية – وهما من الديانات السماوية الأصلية-  بكون الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتميّز بامتلاكه نظاماً شاملا، حيث يعدّ ” هذا الصهر للجوانب الأساسية والقانونية والروحية في نظام معقّد واحد هو الإنجاز الفذّ العظيم للتعليم الإسلامي. فالثنائية المسيحية بين ما هو مقدّس وما هو دنيوي، وبين الكنيسة والدولة، وإعطاء قيصر ما هو لقيصر، ولله ما هو لله، هذه الثنائية لا يُعترف بها بهذا المعنى في الإسلام…”  (غراهام ايفاتز وجيفري نوينهام، قاموس العلاقات الدولية، ص 383، مادة الإسلام ( Islam)،  كما اعترف بحقيقة الشمول في نظام الإسلام هذه عدد من المستشرقين الغربيين أمثال نللينو( Nallino) الذي يقول:” لقد أسس محمد في وقت واحد دينًا (Religion) ودولة ( State)، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته”، كما يقول شاخت (Shachact):

بعد العلمانية مسوّغات المناداة بالعلمانية بين الحقيقة والوهم (ج3)

” على أن الإسلام يعني أكثر من دين. إنه يمثل نظريات قانونية وسياسية. وجملة القول إنه نظام كامل من الثقافة، يشمل الدين والدولة معاً”. ويقول الأستاذ ستروثمان (Strothmann ):” الإسلام ظاهرة دينية سياسية، إذ إن مؤسسه كان نبياً، وكان سياسياً حكيمًا، أو رجل دولة”. ويقول ماكدونالد (Macdonald): ” هنا – أي في المدينة- تكوّنت الدولة الإسلامية الأولى، ووضعت المبادئ الأساسية للقانون الإسلامي”. أما السير توماس أرنولد ( Tomas Arnold) فقال:” كان النبي في نفس الوقت رئيساً للدين ورئيساً للدولة” .  ويقول جب ( Jıb): ” عندئذٍ صار واضحاً أن الإسلام لم يكن مجرّد عقائد دينية فردية، وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل، له أسلوبه المعيّن في الحكم، وله قوانينه وأنظمته الخاصة به”(2).

الشريعة الإسلامية بمعناها العام الشامل، أو الإسلام -بتعبير مباشر-: نظام شامل؛ حاصل حقيقة العلم والعقل والتاريخ والواقع، لدى الأمة الإسلامية بكل أطيافها. وفي رأي أحد أئمة الإسلام في العصر الحديث وهو الدكتور يوسف القرضاوي الذي ينقله عن شيخه الأستاذ حسن البنا؛ فإن الشمول في الإسلام بعني” أن الإسلام يشمل الحياة كلها بتشريعه وتوجيهه، رأسياً: منذ يولد الإنسان، حتى يتوفاه الله، بل من قبل أن يولد، ومن بعد أن يموت، حيث هناك أحكام تتعلق يالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته. وأفقياً حيث يوجه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم، وعلاقات السلم والحرب”(3).

وبحسب التعبير الأصولي لذي أشار إليه العلامة يوسف القرضاوي كذلك   فإن ” الشريعة الإسلامية حاكمة على جميع أفعال المكلّفين، فلا يخلو فعل ولا واقعة من الوقائع إلا ولها فيها حكم من الأحكام الشرعية الخمسة، كما قرّر ذلك الأصوليون والفقهاء، من كل الطوائف والمذاهب المنتسبة إلى الملّة”(4).

ووفق الدكتور أحمد الريسوني فإنَّ “المقصود بالحكم في هذه القاعدة ” الحكم الشرعي؛ بالإباحة، أو بالتحريم، أو بالوجوب، أو بالندب، أو بالكراهة. فالقاعدة تقضي أن كل أمر أو مشكل جديد يقع أو يطرأ أو يظهر، فله في دين الله تعالى حكم بأحد هذه الأحكام أو ما يدخل فيها، فيجب طلبه والبحث عنه لمعرفته والعملِ بمقتضاه فيما طرأ ونزل بالناس، أفرادا أو جماعات.  وهذا لا يعني أن حكم الله في الحادثة يوجد معيَّنا جاهزا، منصوصا عليه ومصرحا به, بل يعني أنه مضمن في مقتضيات الأدلة الشرعية ودلالاتها, وفيما نصبه الشرع لها من مسالك وقواعد, وأنه يمكن التوصل إليه بالاجتهاد والتحري والاستنباط”(5).  وهذا المعنى لا يتعارض مع  مقولة أن الإسلام معني باحتوائه للكليات والمبادئ والمقاصد، دون كل التفاصيل والجزئيات والفروع،  إذ المقصود أنه لم يفصّل في كل مسالة وقضية وحادثة وجزئية،  لكنه نصّ  -بالبداهة-على مسائل كثيرة، إمّا نصاً مباشراً، أو ضمنياً، أو أنها تدور في إطار واحد من أحكام الإسلام الخمسة المشار إليها، بما يجعل من السليم الحكم بامتلاكه نظاماً تشريعياً عاماً، في مختلف جوانب الحياة، وهذا معنى الشمول المقصود أيضاً.

الهوامش:

  1. بشارة، الدِّين والعلمانية، (الجزء الثاني/المجلد الأول)، ص 334-335. 
  2.  جمع الدكتور يوسف القرضاوي تلك النصوص موثقة من مصادرها الأجنبية ، ويمكن مراجعتها من مظانها . انظر القرضاوي، شمول الإسلام، 1432هـ-2011م، ط الخامسة، القاهرة: مكتبة وهبة، ص 71-73  . 
  3. يوسف القرضاوي ، التربية السياسية عند الإمام حسن البنا، 1428هـ/2007م، ط الأولى، القاهرة: مكتبة وهبة، ص 15 
  4.    القرضاوي، شمول الإسلام، المرجع السابق، ص 44.. 
  5.  أحمد الريسوني، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين https://www.iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=2727، قاعدة   “مامن حادثة إلا ولله فيها حكم،  4/1/2016م (شوهد في 25/5/2024م ).

أ.د أحمد الدغشي

أ.د أحمد محمد الدغشي أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعتي صنعاء - اليمن وإغدر (الحكومية) التركية لديه ٢٤ كتابًا منشورًا، وكتب أخرى تنتظر النشر. -حاصل على جائزة رئيس الجمهورية التشجيعية للبحث العلمي في ٢٠٠٩م. -شارك في عدة فعاليات وأنشطة فكرية وتربوية في العالم العربي وفي أوروبا وأمريكا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى