أدب

أن تسافر

أصغي إلي، سأحدِّثكِ عن هدنةٍ إلى أمد، بعد سنين غصَّت بالأشخاصِ والأحداث .. لعلَّ راحة في التغرُّبِ برهةً من زمان.

ليسَ مِن السهل البُعد عن الناسِ كما ليس سهلاً الاقتراب منهم، أنا واحدٌ منهم، ولي كمثلهم ذاك الطبع الغريب، أُنسٌ ووَحشة، والمضحك أن منبع الأُنس والوحشة واحد، فالاستراحة لشهرٍ من الزمان استراحةٌ متعددة الأطراف، أنا أستريح من الكُل، والكل يستريح مني، إذاً هو الإنصاف مني والإنصافُ عزيز!

لَم أُقرر بعد تفاصيل هذه الإجازة الغريبة، إجازات العالم اليوم إجازات كاذبة، إنه يسافرُ حاملاً الكوكبَ معه. إن انتقل من بغداد إلى قسنطينة في الجزائر سيحمل العراق معه، ويحمل أهله وعائلته وعمله ومكتبته، سيحمل الدولمة والسمك المسكوف والكباب إلى هناك، وإن سافرَ الآخر من الرياض سيحمل الشماغ والعقال معه!

لا أفهم كيف للفردِ العابس التعس أن يحمل بلاده على كتفيه -إن أراد السفر- بدعوى التعريف الحضاري! لن يخطر ببالي أن أحمل تهامة إلى إسطنبول، ولن أسحب الفرات على وجهه إلى موسكو! فقدَ العالمُ اليوم متعة السفر، وما عادت للإجازات فرادَتها المحببة التي تسمح لنا بالاحتفاظ بها سنواتٍ طويلة، بل واسمعي، كذلك أحدهم إن تورَّع عن حملِ بلاده وأهله وعاداته ضمن الحقائب والمتاع، ما استطاع الهَمُّ إلا أن ينفذ منهم إليه، ومنه إليهم، وما انفكَّت الأخبارُ تتسلل بكثافة عجيبة، حتى ينسى ما حوله ومَن حوله، يقفُ على سور الصين ليرى حادث السير في شارع الملك فهد، ويتفرَّجُ في اللوفر ليسمع في الخلفية حنين سلوى ويرى دمعها في عيني الموناليزا!

العالم اليوم صغير حدَّ طمسِ التفاصيل المرهفة، ومَن فقد الرهافة أصابته المدنيَّةُ بالسماجة، فعَمي عمّا حوله، ليصيرَ السفر عنده على الجغرافية لكنه ثبات في كلِّ شيءٍ آخر، حسناً لنجزم أني وأنتِ الجالسان تحت السقف بين الجدران الأربعة ننسجمُ تماماً بالعالم الكبير الماثلِ خلفَ الشاشة، وكِلانا يُحب الرحَّالة الذي ينقلُ لنا كلَّ شيء، نحن جمهور مُسالم، نشاهد، نتأمل، نُسبِّح، ونَسعد، والرحالة الذي يسمحُ لنا برؤية العالم من حوله امرؤ كريم، إذ لن يتسنى لي دونه المرور في أزقة أمريكا اللاتينية، ولا التعرُّف على حارات اليابان المظلمة، ولا مخالطة أحفاد الفايكنج، وربما كنتُ سأجزم أن العالم بطوله وعرضه يأكُل كما نأكُل في الشام ليس إلا! ولن أقف بجانب أطول رجلٍ في العالم لِأُكررَ تساؤل الطفولة السخيف: كيف يرى العالم مِن أعلى! إن خلَّفتُ عيني بعيداً عن الرحّالة تعبَ الخيال في محاولاتِ الإدراك الفاشِلة، فأنا بعد ذلك كله أشكره شكراً جزيلاً، الحقيقة أنه يقوم بعمل إنساني، وعملٍ باهر، لكن هذا لا ينفي سماجة أن يُصوِّر كل أحدٍ أسفاره ومنازله، لا أحبُّ تضييق العالم أكثر مما هو عليه الآن!

حسناً، دعكِ من أولئك، لأُعطيك تصوراً ما حول إجازتي أنا، سأخرج وحيداً، شَرطيَ الأول، الوَحدةُ في السفر تعني اكتشافات مميزة، كثير منها تنقيبٌ في الجانب الشخصي؛ ومن ثم فإني لن أُقرر إلا وجهةً واحدة فقط، وجهة تكون نقطة البدء لِما بعدها، إذاً المُقرر أني أتيه في أرضِ الله بعد المحطة الأولى، كذلك فإن المتعة الثالثة تقضي بأن أسافر دون الهاتِف، لن أستغني عن خَدماته بالطبع، لكن أُسافِر دون مَن فيه، والمتعة الرابعة أني سأكتبُ إليكِ دوماً، وربما أكتب كلَّ شيء.

وعلَّكِ لستِ بحاجة للشرح أنْ لِمَ اخترتُ الكتابة دون غيرها! من مثلكِ يعرف اللهفة التي تصحبُ الرسالة وفضَّ الظرف والتعرف على طابع بلدِ المُرسِل، ألا تستحق هذه اللهفة أن نبتعد قليلاً وحسب عن العالم الافتراضي!؟ أمّا عن الصوتِ فما عليكِ، “صباح الخير” محفوظة في ذهنك بالصوت الذي تُحبين، وبريقُ عينيكِ معي بامتداد الطريق، فلا بأس علينا؛ لأُخبركِ إذاً، أَصلُ هذه الفكرة أن خمس سنوات مرَّت .. حياة جامعية محدودة الخُطى ليس لي فيها كبير تصرُّف، الأشخاصُ فرض، الأماكن فرض، والواجبات فرض والدقائق والساعات والأوقات فرض، وهذه الفروض كفيلة بالعبثِ بمزاج امرئٍ ملول.

لقد وسِعت مدينتي الصغيرةُ خطواتي أكثرَ مما تحتَمل، لقد انتهبتُ أرضها نهباً، وأحببتها جُزافاً حتى طفحت من الحُب، إن أخرج منها فخروج اليافع عن والديه، وإن أبقَ فواجب العهد والود، ومن ثم فإن المدينة التي احتوت أماكن السَّمر بوابلٍ من العطفِ هجَرها السُمّار، أيام نجلس الساعات الطوال تتقلبُ أمامنا كؤوس الشاي نديمة الليل، تلك الليالي الصالحات التي تحلَّق فيها النفرُ حول موائد الأدب، حول رَويِّ الصبابات، حول عذبِ كلام الأديب، ارتحل الأديب وصاحباه، خلّفوني أرعى المدينةَ وقِطع التاريخ المبتورة ههنا وهناك، أخبريني، أليس لي حقٌ بعد ذلك بالرحيل؟

سنوات خمس، خلالها كثيراً ما فكَّرت بأية راحةٍ لي لو تسنّى لي قطفها عمّا قريب، مدينتنا هادئة، ليست إسطنبول بطبيعة الحال. فكذبٌ أن أقول تركتني ألهث خلف شاغلٍ وآخر، عدا أنني امرؤ مندفعٌ عجول، فما تُخلَق السنةُ لأجله أريده في شهورٍ ستة! وهكذا، فليس المدينة إنما هو أنا، فالبأس أن أسافر حاملاً شخصي بكامل تفاصيله، أعاذني الله مِن ذلك، ذكريني أنْ عليَّ بالتؤدة، سأسافر، أشيري عليَّ، أي خصالي حقيقٌ أن يذهب معي؟

ليس دافع السفر هذه المرة تجوال وحسب، لنقل إني أبحث عن حياةٍ ما، انقطعت عن الكتابة شهوراً طويلة، ولم تنتظم لي قراءة فلست ذاك القارئ النهم كما يُشاع، وأيامي شبيهة بمكتبتي، شبيهة بقراءاتي، يوم في رواية، وآخر في الشعر، ربما في الطب، ربما في طبائع الذباب. سمعتِ ليلةً صوت شهرزاد، وفي أخرى سمعت صدى دوستويفسكي، سمعتِ حديثَ كُتب عشرة في ليلةٍ واحدة! أيامي مثل ذلك، رافعيّ اليوم، طه حسين في الغد! سمعت مرةً مَن يُحذِّر مِن رواد الأدب، يقول إنهم عجيبو المزاج متقلبو الطبائع، هذا صحيح تماماً، الأديب إنسان كثيرٌ على يومه، وعلى مكانه وزمنه، إذاً الغريب أن يستقر لهم مزاج أو تصفو لهم طبيعة!

أن تسافر 2 أن تسافر

يقول جبران مَن استعذبَ شيئاً أطاله، والحديثُ إليك عذب، بدأت لأخبرك عن شهر من الراحة، عن عطلةٍ فريدة، والحقُ أن إجازتي لا ملامح لها حتى اللحظة، بدأت الحديثَ إليك علّي أتعرفها أثناء ذلك، فكري معي، إن اتجهت غرباً انتهى بي الأمر في بريطانيا أو الأندلس، وإن اتجهت للشرق ربما توقفت على تخوم الصين، عدا أني أريد زيارة بطرسبرغ في الشمال أو سُقطرى في الجنوب، وبطبيعة الحال لن أستنفد الجهات ولا الأماكن، فإذا بدأت بإقصاء ما يمكنني إقصاؤه بقي خيار أخير أكتبُ لكِ أني متجهٌ إليه..

أما الجنوب فلا أخلص إليه من الزِحام، سأفرُ هذه المرة مِن الطريق إلى سُقطرى لأن اللغة تؤهِّل الغريب ليكون قريباً حدَّ نفي الغربة، فإن انتفت تزاحم أقارب اللغة.. وأنا أريد أن أغترب هذه الفترة، أن أتعرفني وحيداً دون أحد، وعن الشمال فالمنتهى إليه قريب، بطرسبرغ ليست بذاك البعد، وإن كُنت أود تعرُّف أماكن ديستو وتولستوي، لكن في العُمر بقية لزياراتٍ أُخَر، بقي الشرق والغرب، أراني أكثر لهفة على الشرق، وإن كنت لا أُحب تفويت الطريق إلى غرناطة، ولا إلى لندن أو نابولي والبندقية، لكنَّ الذين أخبرتكِ عنهم في البداية قتلوا أوروبا ذهاباً وإياباً، ومدحاً ووصفاً فيبقى الشرق أغنى عندي من أوروبا وترسُبات أزمانها، إذاً أُيمم جهة الشرق، وليَكُن المنتهى جبال التبت غربيَّ الصين، لا أُحبُّ اليابان ولا أتلهف للوصول إليها، ربما أزور الجنوب الروسي، إذ لم أسمع من قبل عنه؛ فما قولك؟

أخبرتك أن في نيتي الخروج عن شيءٍ من طبعي، فكرت مليّاً، سيكون صعباً عليَّ الجمع بين هموم المُسافرِ والقارئ والكاتب معاً، أمّا المسافر فبوده أن يطوِّف الأرض بطولها، والقارئ يريد التهام ثقافة القوم خلال يومين، والكاتب سَيُدوِّن ويُدوِّن حتى يملَّه القلم، والجمع بين هؤلاء الثلاثة في شهر واحد عسير، ولو كنت على الحال الذي تعرفين إذاً أُسقط القراءة لصالح الكتابة والسفر، أما الآن فلا، بالخروج عن طَبعي: أجمعُهم وأكتبُ إليك، أنقلُ إليكِ المشاهدة والقراءات والنصوص؛ حسناً، ها نحن ذا، دنا الفجر، أشاركك عمّا قريبٍ مخطط الرحلة؛ ليلةً هانئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى