
معاناة!
أَحسِبُ أنَّك تتفق معي، أنَّ كثيرًا من طلبة العلم قد يكون تحصيله للعلم جيدًا، ومستواه فيه متقدمًا، لكنَّك تلحظ عليه حينما يتكلم أن مفردات حديثه ضعيفة، وأساليبه فقيرة، وإذا تكلَّم تكلَّم ببطء، وكأنَّه ينحت من جبل!
قد لا يكون سبب ذلك قلة العلم، فهو ريَّان بعلوم الشريعة، وإنما سببه أنه لم يحسن أن يقوِّمَ لسانه، ويكثر من قراءة الكتب التي تمنح المرء ثروة في الألفاظ، وثراء في الأساليب، فتجده بعد ذلك يشقق الكلام، ويزوِّق الحديث، ويُحسِنُ عرض ما عنده، حتى أنَّك لتلتذُّ بحديثه لجمال عبارته، وحسن منطقه.
باعثُ الرسالة:
وأنا أُحبُّ في رسالتي لك هذه أن أَلْفِتَ عنايتك لشخصيةٍ مهمةٍ في تاريخ الأدب العربي، كان لها أكبر الأثر على المتقدمين والمتأخرين، في البلاغة والفصاحة واللَّسَن، ألا وهو إمام العربية أبو عثمان بن بحرٍ الجاحظ.
وقراءة كتب أبي عثمان تجعلك تحسن التعبير عن العلم الذي معك، وتعلمك العقل أولًا، والأدب ثانيًا، وقد كان الأوائل يضنَّون بها عن من ليس أهلًا لها.
قصة طريفة!
ذكر أبو القاسم السيرافي أنه حضر مجلس الأستاذ أبي الفضل ابن العميد الوزير، فجرى ذكر الجاحظ، فغضَّ منه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلتُ له: سكتَّ أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله؟!
فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو وَاقَفْتُه وبيَّنتُ له لَنَظَر في كتبه وصار بذلك إنساناً -يا أبا القاسم-! فكُتُبُ الجاحظ تعلِّمُ العقلَ أوَّلاً، والأدبَ ثانياً، ولم أَسْتَصْلِحُه لذلك!
هذا الذي يعرف قدره!
قال أبو الفضل ابن العميد: ((ثلاثةُ علومٍ، الناسُ كلهم عيالٌ فيها على ثلاثة أنفُس؛ أما الفقه … وأما الكلام … وأما البلاغة والفصاحة واللَّسَن والعارضة، فعلى أبي عثمان الجاحظِ.
وقال الفيلسوف ثابتَ بنَ قُرَّةَ الصَابِئَ الحرَّانيَّ قال: ((ما أحسُدُ الأُمَّةَ العربية إلا على ثلاثة أنفُس:
أوَّلهم: عمر بن الخطاب.
والثاني: الحسن بن الحسن البصري.
والثالث: أبو عثمان الجاحظُ.
وقال أبو القاسم الإسكافيُّ: ((استظهاري على البلاغة بثلاثة: القرآن، وكلام الجاحظ، وشعر البُحْتُرِيِّ.
وجعل ابن دُرَيْدٍ كُتُبَ الجاحظ من متنزهات القلوب، لمَّا ذُكِرَتْ أمامَهُ مُتَنَزَّهاتُ الدنيا، أو مُتَنَزَّهَاتُ العيون كما دعاها!
هديتي إليك!
أحسبُ أني سأحسن إليك أيما إحسان حينما أرشدك لسماع مجلسٍ أدبيٍّ ماتع كان عن الجاحظ، قدَّمه وأمتع به د. عبد الرحمن حسن قايد، صحيح هو طويل لكني أضمن لك أنك حينما تبدأ في مشاهدته أنك لن تتركه حتى تنتهي منه.
تفضَّلْ بمشاهدة حلقة الجاحظ من هنا.
