
(ألقيتُ خلاصتَه في مؤتمر الشعر والنقد، مساءَ الثامن والعشرين من آب، ونُشرَ في صحيفة طريق الشعب، على جزأين، يومي الخامس عشر والسابع عشر من أيلول سنة 2026)
في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشرَ، وأوائلِ القرنِ العشرين؛ كان الدرسُ الأدبيّ، في بغداد، والنجف، والموصل، مقصورًا على حَلَقاتِ المساجد؛ يدرس الطلبةُ علومَ الدين، وإلى جوارها يُلِمّون بأشياءَ من النحوِ والصرفِ والبلاغةِ، ويُطيفونَ بشيءٍ من الشعر؛ فأمّا أهلُ الدرس الدينيّ فيتّخذون من اللغةِ وما يتّصلُ بها أداةً لفهمِ القرآنِ الكريم، والحديثِ الشريفِ، وقولِ الفقهاء، ثمّ يقفون بها عند ذلك؛ وأمّا ذوو الطبعِ الأدبيّ فيقفونَ عند اللغةِ وأدبها وَقفةَ المتأمّلِ المُلتذِّ بحُسن الشعرِ والنثرِ، ولهم زاد موفور في «البيان والتبيين»، و«الكامل»، و«الأمالي»، و«الحماسة». ونظرُهم في الأدبِ هو نظرُ القدماءِ لا يعرفونَ ما سواه. وقد كان محمود شكري الآلوسيّ (1856–1924) من الذين جمعوا الدراستين؛ الدينيّة والأدبيّة، وكانوا بمكانٍ رفيعٍ منها، وكتابُه: «بلوغُ الأربِ في معرفةِ أحوالِ العرب»، الصادرُ في سنة 1897 ذو منزلةٍ عاليةٍ عند الدارسين، كان وما يزال. وقد تخرّج بالآلوسيّ، وبكتابه كثيرون من أبناءِ ذلك الجيلِ الكائن في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشرَ وأوائلِ القرنِ العشرين، ولعلّ أعلاهم شأنًا وأقواهم أثرًا؛ معروف عبد الغني الرُّصافيّ (1875–1945)، ومحمّد بهجة الأثريّ (1904–1996)، وكلاهما أديبٌ شاعرٌ، ذو علمٍ مكين بالعربيّة وآدابها، وكلاهما زاول التعليمَ حينًا من حياته، ووقف بطلبته عند آثارٍ من الشعرِ بالشرحِ، والتفسيرِ، والتذوّق، وغرسَ فيهم شيئًا من الرغبةِ في النقدِ، وحُبِّ التمييزِ بين طرائقِ الشعراء في القول.
ثمَّ تكاملتْ معاهدُ التعليم في دارِ المعلمينَ العاليةِ، التي أُنشئتْ في سنة 1923؛ فأخذتْ أشعّةٌ جديدةٌ تنفُذ إلى تذوّق الأدب ودرسه؛ على أنّ أكثرَ الذين درّسوا الأدبَ في الدار هم ممّن تخرّج في حَلَقاتِ المساجد على مذهبِ الأوائل، ثمّ ألمّوا بأشياءَ من معارف العصر، وقد كان الرُّصافيّ من هذه الطبقة التي أرادت أن تضمَّ الجديدَ إلى القديم؛ فقد عَمِلَ في الدارِ حتّى سنة 1930 وهيّأ لطلبتها محاضراتٍ في الأدبِ العربيّ؛ تقومُ في جوهرِها على معارفِ القدماءِ بالأدب، ولا تخلو، مع ذلك، من نظراتِ أهلِ العصر، في الأدب ومراميه وما يكون من صلةٍ بينه وبين مجتمعه؛ أفادها الرُّصافيّ ممّا قرأَ باللغة التركيّة مترجمًا إليها، وممّا اهتدى إليه بنظره.
لقد أراد لدار المعلمين العالية منشِئوها؛ أن تكونَ على نمطٍ جامعيّ رفيعٍ، يحقّقُ شرائطَ العلم برصانته وتماسكِ بنائه؛ لتكونَ بذلك أساسًا من أُسسِ الجامعةِ المرتجاة؛ ولا شكّ في أنّ من عَمَلِ الجامعةِ، حيثما كانتْ، دراسةَ الأدبِ دراسةً مُنتظِمَةً، على منهجٍ محكم، تُفضي إلى معرفةٍ صحيحةٍ رصينةٍ، وإنّ من شأنِ الجامعةِ أن تُقيّدَ الدّراسةَ الناشئةَ فيها بالمصادرِ والمراجع، وأنْ لا تأذنَ لها بالمضي بعيدًا عنها؛ وتلك مزيّةٌ وعقبةٌ معًا! هي مزيّة إذ تُقيم الدراسةَ على حُسْن الاستيعاب، والتثبّتِ، وإرجاعِ الفروعِ إلى الأصول؛ برَيثٍ وأَناةٍ ولُغةٍ مقتصدةٍ واضحةِ الدّلالة على ما تُريد. وهي عقبةٌ إذ تجعل الدراسةَ ضيّقةَ الخُطى، تخشى مجازفةَ التأويلِ، وترغَبُ عن غَمَراتِ التجدّد.

ومن أجل أن تُحقّقَ الدارَ غايتَها في الدرس الأدبيّ؛ استقدمتْ بعضًا من أعلامِ الأدبِ في مصر؛ فقد دعت أحمد حسن الزَّيّات (1885–1968) للتدريس؛ فأتى بغدادَ، وانتظمَ في هيئة التدريس في الدار من سنة 1929 حتّى سنة 1932؛ فدرّس، ووجّه، وكتب؛ وكان أكثرُ كتابه: «في أُصولِ الأدب» ممّا أَلقَى في بغداد؛ وانتفع به طلبةُ الدار، وغيرُهم من الأدباء. ودعت، من بعدُ، زكيّ مبارك (1892–1952)؛ فانتظم فيها سنةً دراسيّةً؛ هي 1936–1937؛ فدرّس، ووجّه، وكتب؛ وكان كتابُه: «عبقريّةُ الشريف الرضي» ممّا أَنشأ في بغداد. ولا ريبَ في أَنَّ الزَّيّات ومبارك كلاهما أديبٌ، ناقدٌ، ذو بيانٍ رفيعٍ يجري على لسانِه، وعلى قلمِه، وينفذُ بيسرٍ في سامعيهِ وقرّائهِ، ويُرشدُهم إلى مواطنِ الحُسن في آثارِ الأدب.
وقد كان ممّن نشأَ في حلقاتِ الدرس في المساجد، فأخذ علمَ الشريعةِ، وعلمَ اللغة، ثمّ استقامت له معارفُ عصره فألّفَ بين القديمِ والجديد مُصطفيًا خيرَ ما فيهما؛ طه الراوي (1890–1946)؛ إذ درَسَ، بعد أن استوفى حلْقةَ الدرسِ في المسجد، في راوة وفي بغداد، في دارِ المعلمين الابتدائيّةِ، ثمّ زاول التعليمَ الابتدائيّ زمنًا قصيرًا، ثمّ دَرَس في كُلّيّة الحقوق، وتخرّج فيها؛ ليعملَ في دارِ المعلمينَ العالية؛ يدرّسُ الأدبَ العربيّ؛ فتولّى درسًا اسمه: «الأدب»، بثلاثِ سنواتٍ، يُدرِّس فيه أشياءَ من «البيان والتبيين»، وأشياءَ من «الكامل»، وأشياءَ من «الأمالي»، وأشياءَ من «حماسةِ أبي تمام»، وأشياءَ من «الكشّاف»؛ على نحوٍ من الشرحِ، والتذوّق، والفهم؛ وهي طريقةٌ شبيهةٌ بطريقةِ سيّد بن عليّ المرصفيّ (-1931) في تدريسِ الأدب في الأزهر؛ بل هي الطريقةُ التي درَج عليها شيوخُ الأدب القدماءُ كالمبرِّد، والقاليّ، وغيرهما من أصحاب الأمالي، ودرّس النحوَ موصولًا بالأدب، غيرَ منقطعٍ عنه.
وللشعرِ منزلةٌ رفيعةٌ عند الراويّ؛ يُنشِدُه، ويشرحُه، لكي يجعلَه قريبًا دانيًا. قال عليّ جواد الطاهر، وهو شاهدُ عِيان يحكي ما شهِد من أستاذه، عن طريقةِ الراويّ تلك: «في الشعرِ شواهدُ يعرِضُها في يُسرٍ، يقرأ الشعرَ بتؤدة، وهو في كلّ ذلك منسجمٌ مع الدَّرس محبٌّ له؛ وينعكسُ ذلك على تلامذته فيشعرون أنّهم يتعاملون مع مادّةٍ حيّةٍ، ويزاولون عملًا محترمًا نافعًا، مع إمتاعه ولذّته. ويقف عند الكشّاف وقفته الأدبيّةَ مع زيادةِ محفوظِه من آياتِ القرآن، وما يصلُه بها من الحديث، وما يتبسّطُ به ويوسِعُه، فيبلُغ العصرَ الحديثَ والعلمَ المعاصر».
ومزيّةُ الراويّ في طريقته هذه؛ أنّه يضُمُّ القديمَ إلى الجديدِ في نسيج مؤتَلِفٍ لا نشوزَ فيه، ويجعلُ الشعرَ القديمَ قريبًا من طلبته حبيبًا إليهم؛ وهو في ذلك يقوّم مَلَكَةَ التذوّق، ويعزّز المقدرةَ على النقدِ عندهم.
ومن طليعةِ ذلك الجيلِ الرائدِ المؤسّسِ؛ محمّد مهدي البصير (1895–1974)؛ ونشأته الأولى كانت في حلَقات الدرس في المساجد، في الحلّة؛ يأخذُ علمي الشريعةِ والعربيّةِ؛ وكان به ميلٌ إلى الأدب، ونظمِ الشعر؛ فحفِظ العيونَ من آثارِ الشعر والنثر، واستوعبها؛ حتّى استقامت له ملكةُ البيانِ والتمييز. وكان قد أدرك أصداءَ الشعرِ العراقيّ في القرن التاسع عشر، وعرف مكانةَ محمّدِ سعيد الحبوبيّ، وحيدرِ الحليّ، وصالحِ الحليّ، وغيرِهم من أعلامِ تلك الحقبة، وأدركَ وثيقَ صلتهم بالأدبِ العربيّ القديمِ كلّه، واتّضح له أنّ الشعرَ، في مساره، يقومُ اللاحقُ منه على السابقِ، وأنّه بناءٌ أصلُه يضرِب في تاريخِ العربِ المُعرقِ. وحين أصدر طه حسين، في سنة 1926، كتابَه: «في الشعرِ الجاهليّ» مُنكِرًا فيه طائفةً واسعةً من ذلك الشعر؛ أن تكونَ صحيحةَ النسبةِ إلى من نُسبت إليهم من الجاهليين؛ أكبرَ البصيرُ ذلك، وأنكرَ ما يقومُ عليه الكتابُ من أساسٍ، وأذاع أحاديثَ يُثبتُ فيها صحةَ الشعرِ الجاهليّ، على الجُملة، ثمّ أصدرها في كتاب بعنوان: «بعثُ الشعر الجاهليّ»، وهو يومئذٍ مدرّسٌ في جامعة آل البيت. وقد كان ذلك قبلَ سفرِه إلى فرنسا للدراسة العالية؛ فلما سافر، وأخذ في تهيئة أسبابِ الدرس، أراد أن يجعلَ من إثباتِ صحةِ الشعر الجاهليّ أطروحةً ينال بها الدكتوراه؛ فأبى كبارُ المستشرقين، وأوّلهم ماسينيون، عليه ذلك، وقالوا: إنّ ما يُسمى شعرًا جاهليًّا ليس من الجاهليّة في شيء، فلا يصحّ أن تبنى عليه أطروحة دكتوراه؛ فأضرب عن الموضوع صفحًا واختارَ شيئًا من صميمِ الأدبِ الفرنسيّ؛ هو «الغنائيّةُ في شعر كورني»، وأحرز به الدكتوراه. ولئن فاته أن يدرس، في فرنسا، موضوعًا عربيًّا، وأن يُحقّقَ فيه ما يُريدُ، فلم يَفته أن يتشرّبَ روحَ البحثِ الأدبيّ الرَّصين، وأن يستوعبَ طرائقَه، وأن يرجِعَ إلى بلدِه بزادٍ موفورٍ من المعرفةِ الصحيحة بدراسة الأدب، وتدريسه، وإشاعةِ حُسن تلقيه. وقد تجلّى ذلك كلُّه حين عمِل في دار المعلمين العالية، يدرّس الأدبَ العربيّ؛ قال عليّ جواد الطاهر، وهو شاهدُ عِيان يحكي عن أستاذه؛ إنّه أقام درسَه على النصّ، من شعرٍ ونثرٍ، وأنّ ما سوى النصِّ من تاريخِ دولةٍ، وجغرافيةِ بلدٍ؛ إنّما هي سبيلٌ لمعرفةِ النصّ، وفهمه، وتذوّقه، ولا يصحُّ للدارس أن تستغرقَه، وتقومَ بينه وبين النصِّ؛ ومن أجلِ ذلك كان لحفظِ المختارِ من الشعرِ والنثرِ مكانةٌ رفيعةٌ عنده، وأنّ الدرس الحقّ، لديه، إنّما يقوم على النصّ.
ألّفَ البصيرُ، وهو في سياق درسه الأدبيّ، «عصر القرآن» و«في الأدب العبّاسيّ»، و«الموشح في الأندلس وفي المشرق»، و«نهضة العراقِ الأدبيّة في القرن التاسع عشر»؛ وهو فيها كلِّها يجعلُ عنايتَه منصرِفةً إلى النصِّ في تأليفه وبنائه، وما يربطه بما سبقه من نصوص؛ أي إنّه يُعنى به من حيثُ صياغته، ومن حيثُ محتواه، غيرَ غافلٍ عن سياقه في الزمان والمكان.
وقد كان من تمامِ درسه رعايةُ الشعراء الناشئين من طلبته في دارِ المعلمين العالية، وتقويمُ ما يكتبون؛ ليجعلَهم على جادةِ الشعر الواضحة؛ في استقامةِ اللغة، وصوابِ الموقف، وتكاملِ الفكر.
لا ريبَ في أنّ الراوي والبصير كانا، في درسهما، وفي ما كتبا، ناقدينِ خبيرينِ يعرفانِ مستجادَ الآثار، ويقفانِ على مواضعِ القوّةِ منها، ويُرشدانِ إليها.
ولقد كان لمنحى دارِ المعلمينِ العاليةِ هذا، في العنايةِ بالنصّ؛ قراءةً، وفهمًا، وتذوّقًا، وتمييزًا بين الجيّد والرديء؛ حميدُ الأثر في تخريجِ شعراءَ وكتّابٍ ونقّاد، وفي تهيئةِ جوٍّ أدبيّ رحيبِ الجنباتِ، ما يزال مقرونًا بدار المعلمين العالية، مُشيدًا بفضلها.
وحين يلتقي القديمُ بالجديدِ، على طبعٍ مواتٍ، يصبحُ الدرسُ الأدبيّ عميقًا شائقًا ذا فوائد جمّة؛ وقد تمّ ذلك عند عبد الرزّاق محيي الدين (1910–1983)، في طائفةٍ ممّن تمّ عندهم، فقد نشأ في حلَقَات المساجد، في النجف، فاستقام لسانُه وقلمُه، فلمّا انتظمَ في جامعةِ القاهرة، من بعد، وكتب: «أبو حيّان التوحيدي حياته وأدبه»، و«أدب المرتضى»، اجتمع له الزادُ القديم بالزادِ الجديد، على نحوٍ من الائتلاف والتآزر. وبهذا النهجِ القائمِ على العلمِ والذوقِ أخذَ بدراسة الأدبِ؛ فلم يقفْ إلّا عند الرفيعِ منه، ذي المعاني الساميةِ والصياغةِ المحكمة. ودرّس، ببصيرةِ الناقد، البلاغةَ واقفًا على أسرارها في صناعةِ الكلام وتذوّقِ محاسنه.
كان ممن شَهِدَ درْسَ الراويّ والبصيرِ في دارِ المعلمينِ العاليةِ؛ عليّ جواد الطاهر (1919–1996)، الطالبُ، يومئذٍ، في قسمِ اللغة العربيّة؛ إذ دَرَسَ عليهما، وشَهِدَ انصرافَهما إلى الأدبِ، وشدّةَ عنايتِهما به؛ وأنّ الأدبَ شأنٌ جليلٌ، جديرٌ بأن يشغَلَ المرءُ حياتَه به، وأنْ يقصُرَها عليه. وكان أنْ أخذَ عنهما أنّ النصَّ مُقدَّمٌ على ما سواه، وأنّه قِوامُ الدرسِ الأدبيّ، وأنّ ما عداه طريقٌ إليه. وقد ظلّت ذكراهما، من بعدُ، حيّةً على لسانِه، وعلى قلمِه؛ يستعيدها في مقام المثل الرفيع.

وحين أخذ يدرسُ في جامعة السوربون، بباريس، من سنة 1948 حتّى سنة 1954 تكاملتْ لديه عناصرُ الدرسِ الأدبيّ، واتّسعَ له الأفقُ. ولقد كان المنهجُ السائدُ في أروقةِ الجامعةِ يومئذٍ؛ هو منهجُ لانسون (1857–1934) القائمُ على التاريخِ والفنِّ معًا: «منهجُنا – يقول لانسون – هو في صميمه المنهجُ التاريخيّ… ومع هذا فثمّة فروقٌ هامّة بين المادّةِ العاديّةِ للتاريخِ بمعناه الدقيقِ ومادتِنا، وعن تلك الفروقِ تنشأ فروقٌ في المنهج». ومؤدّى ذلك أنّ منهجَ لانسون؛ يضعُ النصَّ في سياقه من التاريخِ والجغرافية، ثمّ ينظرُ، من بعدُ، في بنائِه، وصياغتِه، وطرائقِه في الإبانةِ؛ لتتمّ له معرفةٌ صحيحةٌ واضحةٌ. وقد تشرّبَ الطاهرُ المنهجَ على أصولهِ، وشرع يستضيء به وهو يكتب أطروحته الموسومة بـ«الشعرُ العربيُّ في العراقِ وبلادِ العَجمِ في العصرِ السلجوقيّ»؛ فجاءتْ خيرَ مثالٍ على الدَّرْس الأدبيّ القائمِ على التاريخِ المُحَقّق، وعلى قوّة النقدِ المُمَيِّز بين الجيّدِ والرديء، العارفِ بأسبابِ الجودة والرداءة. وعندما عاد الطاهرُ إلى البلد، في سنة 1954، وانتظمَ يدرّس في دار المعلمين العالية كان مكتملَ الأداةِ في البحثِ الرصينِ، وفي النقد الأدبيّ. وقد كان درسُه لا يخلو من الوقوف على أثرٍ من آثارِ الأدب؛ بالتحليلِ والتفسيرِ والحكمِ. وكان، مع طلبته، وأنا هنا شاهدُ عِيان، رائدًا يُرشِدُهم إلى المستجادِ من الشعرِ والنثر، ويستحثّ طباعَهم، إذا لَمِس فيها المواتاةَ، على الكتابةِ؛ ويصحّحُ، ويقوّم، ويسدّد الخطى. ولم يكن شأنُه مقصورًا على قاعةِ الدرس بنظامِها المقرّر؛ بل خرج بطلبته إلى أُفقٍ أوسع فأقام الجلساتِ للأدباء منهم؛ يسمعُ، ويقوّم، ويدعم؛ وسعادتُه أن يَثبتَ القلمُ بين أصابعِهم، وأن تستقيمَ العربيّةُ على ألسنتهم. وحين أُنشئ اتّحاد الأدباء، في سنة 1959، وهو في هيئته المؤسِّسة، عُهِد إليه بإدارةِ أُمسياته؛ فكانت جلساتٍ من النقد الأدبيّ؛ فيها الروحُ الجامعيُّ الرصين، وحيويّةُ الأدب المتّصل بقضايا عصره.
وعنده أنّ الصحافةَ ميدانُ النقدِ الأدبيّ على الأَصالة، وأنّ ما ينشأُ في الجامعةِ من معرفةٍ، وقيمٍ رفيعةٍ، في الدرسِ والبحثِ، ينبغي أن يخرجَ إلى الصحفِ فيذاعَ فيها حتّى تَتِمَّ الرسالةُ في نشر الوعي، ورعايةِ الذوق. وهو، في ذلك، غيرُ غافلٍ عن مقتضى الجامعةِ في نظامِ الدرسِ والتأليفِ، وعن مقتضى الصحافةِ في ما يُنشر فيها؛ إذ تشترطُ الجامعةُ الريثَ والأناةَ، والرجوعَ إلى المصادرِ والمراجعِ بإحالةٍ واضحةٍ دقيقة، وتقتضي الصحافةُ التخفيفَ من التوثيقِ، وحُسْنَ العَرْض، ورشاقةَ الأُسلوب؛ ولقد كان الطاهرُ في عمله فيهما يؤدّي لكلٍّ حقَّه على تمامه جامعًا مزايا الطرفين.
ظلّ الطاهرُ، مدّةَ حياتهِ، مواظبًا على مزاولةِ النقدِ الأدبيّ؛ يزاولُه في الدرس الجامعيّ، ويزاوله على صفحاتِ الصُّحف؛ وهو في ذلك كلّهِ يجعلُ من النصِّ منطلقَه، لا يُقدّمُ عليه ما سواه؛ فإذا أخذ شيئًا من التاريخِ، أو شيئًا من حياةِ صاحبِ النصِّ؛ فبقدرِ ما يُضيءُ النصَّ، ويُزيلُ غوامضَه، ويجعلُه متماسكَ المعنى والمبنى.
انصبّت عنايتُه على الشعرِ، وعلى القصّةِ والروايةِ؛ وعُنيَ بالآثار العراقيّة خاصّة؛ آثارِ شعراء وكتّاب يعرفهم ويعرفونه، ويُريدُ لهم مزيدًا من التقدّم في مدارجِ الفنّ؛ ذلك أنّ الناقدَ، عنده، في صميم عمله؛ أن ينفعَ القارئَ؛ إذ يشرح، ويحلّل، ويُفسّر، وينفعَ المُنشئ؛ إذ يقوّم أثرَه، ويدلُه على جوهر ما لديه، ويصل ما بينه وبين القارئ.
وقد كان من عنايتهِ بالقصّةِ، وهي عنايةٌ واسعة، أنْ ألّف: «محمود أحمد السّيّد رائد القصّة الحديثةِ في العراق»، ونشره في سنة 1969؛ وقد أقامه على ركني الدراسةِ عنده؛ التاريخ، والفنّ. وهي دراسةٌ نقديّة رائدة سلّطت ضوءًا ساطعًا على رائدِ القصّةِ الحديثةِ في العراق، وردّته إلى حيّز النظرِ والدرسِ، ومهّدت سبيلَ العنايةِ بالقصّةِ في سياقِ النِّظام الجامعيّ في العراق.
إنّ الطاهرَ، في ما درّس وما كتب، مُلتقى رصانةِ النقدِ الأكاديميّ بحيويّةِ النقدِ الصُّحفيّ، وصفوةُ مزاياهما معًا.
تلك معالمُ النشأةِ الأولى وبعدها نشآت أُخر كلُّها جدير بالدرس والتأمّل…
