
وفي مُفتَتَنٍ من الزمان، ساد صمتٌ مَخذُولٌ وظلامٌ مُخيِّمٌ.. رَبَضَ على صدور الإنسانيَّةِ المُنهَكَةِ بما أثِمَتْ، المُصدَّعةِ بما استقوَتْ، المُشتَّتَةِ بما اعتقدتْ، الصَّافِنةِ بما غَذَتْ خيالَهَا وزيَّنتْ؛ حتى حلَّ بها ذلك الصمتُ المَخذولُ والظلامُ المُخيِّمُ.. حتى إذا استيأس القومُ، وأناخ عليهم الدهرُ كلَّ مَناخ؛ بَزَغَ من طرفٍ سحيقٍ صوتٌ آسِرٌ، بَدَّدَ من حولهم صمتَهُم المَخذول، وقَشَعَ من فوق القوم ظلامَهم المُخيِّم؛ صوتٌ أبلغ القومَ آثارَ معانٍ نُورانيَّةٍ، فأعجزهم؛ فانقادوا له مُسلِّمِيْن مُسلِمِيْن؛ انقيادَ الخلق لنور الحق، وانقيادَ الضَّلِيل لِلَمْع البرق.. كان الصوتُ صوتَ الأبد، وقرآنَ الهُدى المُعتَمَد.
ومن الهُدى اهتداءُ صاحبنا الدكتور/ خالد بُرَيْه إلى عنوان كتابه “صوت الأبد”.. فقد استعاره للقرآن؛ ويا لها من استعارة مُوفَّقة للقرآن وأثره! إذ هي وثيقة العُرى بما أراد من كتابه، وتوخَّاه فيه.. فـ”صوت الأبد” تعبير جامع بين المُتناهي “الصوت”، وغير المتناهي “الأبد”. وفيه نكات ولطائف: فالصوت -من جهة أولى- موجٌ ينقضي، فأزال وهم انقضائه بإضافة “الأبد”، و”الأبد” فيها إشارةٌ لهيمنة القرآن على ما عداه مُذْ أُنزِلَ؛ فإنَّها مَخصوصة بالبَعْد، في مقابلة “الأزل” المَخصوصة بالقَبْل. والصوت -من جهة ثانية- مُستدعٍ لقيمة التأثير ومُستدعٍ لمُتلقٍ لهذا الصوت. والصوت -من جهة ثالثة- مَعبَرُ خطابٍ هدفُهُ التسرُّبُ إلى النفوس؛ وهو محور هذا الكتاب في الكشف عن كيفية تلقي القرآن في انبلاجه الباكر، وعن تغلغله في النفوس ليُورث الانشراح إلى الحق بعد طول الكفّ والصرف عنه. حتى ليُرسي هذا التلقي إشراقات النفوس وإبداعات العقول.
وعلى تلك الإشراقات دارتْ رحى تجربة “صوت الأبد”؛ فهو كتاب تدبُّر في القرآن الكريم، خصَّصَه المؤلف لتبيُّن أسرار تلك الإشراقات النُّورانيَّة في سُطوعها الأول؛ أيْ في آياتها الأولى التي اجتمعت على قلب المصطفى ﷺ، والتي توافرت في شغاف نفوس أوائل المؤمنين بهذا الذِّكر الحكيم. ويُعمِّق المؤلف هذا التدبر في استجلائه جانبَيْ الخطاب: القرآن وآياته، والنماذج الإيمانية التي تأثرت به. فإننا أمام كتاب تدبُّر، لكنه تدبُّر مُحدَّد مُخصَّص الموضوع.
وهنا نسأل: لِمَ خصَّصَ المؤلف تدبُّره بهذه الوهلة في عُمر الزمان؟ ولعلَّ الإجابة تطالعنا في سرٍّ من أسرار النفس البشرية؛ هو عمل ثُنائيَّة “الدهشة والإلف” في سلوك الإنسان ونفسه. فإن الدهشة دافعة للإنسان -عقلًا ونفسًا- إلى تكشُّف المَدهُوش منه، وتعرُّف مكنوناته، وتبصُّر جنباته وأحواله؛ وكذا كان الحال في آيات التنزيل الأولى ووقعها على نفوس الجماعة النازلة عليها. فقد زلزلت كيان المجتمع، وطفق كلُّ قَبِيلٍ يتعاطى معها بين ذاهلٍ ومُعجبٍ ومُنكرٍ ومُطمئنٍ. ثم تَغلِبُ طبيعةُ الإنسان الأَلُوفة لكل شيء، ويَعمل هذا الإلفُ على تزهيده في البحث والتنقيب، مُخبِيًا شعورَ الدهشة، مُبدلًا به شعورَ العادة والآليَّة. وإنَّ أنجع وسيلة لتبديد شعور العادة والآلية في النفس هو استحضار لحظة الدهشة الأولى، والتنبيه على مَكمَنها مرةً أخرى؛ فتنقشع هذه الغفلة الذاهلة عن جوهرها، وينكشط هذا الرانُّ الذي حَجَبَ كمالها عن فكره؛ فتعاود النفوس التعاطي، وتمدّ الأذهان حبائل الوصال.
ونخلص مما سبق إلى أنَّ مَوضوعَ الكتاب هو التفاعلُ الإنسانيُّ الأولُ مع القرآن الكريم، وغرضَهُ هو تبيينُ هذا التفاعل من جانبيه، أما هدفه فهو تعزيز وعي الإنسان المعاصر بالقرآن الكريم، وتزكية النفوس باستدعاء نماذج الصالحين الذين صفى جوهرُهُم، وانجلتْ صحيفةُ ذواتِهم بإشراقة التلقي الأول. أيْ أنه بحث في لحظةٍ وَلَّتْ، لكنْ ليس عن إدبار؛ فليس مثلها ما نُفلِتُها تُولي مُدبرةً ولا تُعقِّب؛ بل إنْ ولَّتْ زمانًا -وهذا قضاء الله-، فلا بُد من إقبالها وتعقيبها على نفوسنا جميعًا فكرةً وجوهرًا وكيانًا. وهذا هو الهدف النبيل لهذا الكتاب.
ومن كمال فهم هذه التجربة بسطُ القول في نوعين من القضايا: قضايا سياقيَّة خارجيَّة لنْ تُفهم في الكتاب حقَّ الفهم إلا بحضورها في ذهن القارئ، وقضايا داخليَّة تتعلق بصُلب الكتاب نكشف بها عن التجربة ونحللها. وسأسوق هذه العناصر باختصار.

القراءة الحداثيَّة في الدراسات القرآنيَّة
لمَّا أراد المؤلف الارتكاز على التلقي القرآني الأول؛ حسُنَ منه التعرُّضُ لبعض الأُسس الشائعة في الدرس الحداثي للقرآن الكريم؛ حيث يقف موقفًا رافضًا مُنكرًا للاستهداء بهذا الطور من التلقي. وهنا يجب علينا أن نحيط أنفسنا علمًا بفكرة عابرة عن هذا الاتجاه، كي نتمكن من القراءة الصحيحة للتجربة.
ظلَّ التدارُس القرآني مدار جهد علماء الإسلام طوال قرونه الممتدة، واستفرغ المسلمون كل جهد في سبيل بحث وفحص القرآن وآياته، على جهاتٍ لا يسع المقام لذكرها، لكنْ يسع التنبيه إلى أن منظومة علوم القرآن ضخمة شاسعة، حتى يصعب على الباحث فيها الوقوف على تُخُومِها التفصيليَّة. ويكفي أن أورد مثالَيْنِ لمدى تحرِّي المسلمين لمعاني القرآن -من آلاف الأمثلة الأخرى- في رسالتين (والرسالة في العُرف العلميّ الإسلاميّ تعني كتابًا مُركَّزًا مُخصَّصًا لغرض بعينه) عُقدتا على آيتين: الأولى هي “الرسالة الكُبرى في البَسْمَلَة”[1] لمحمد بن علي الصبَّان (ت 1206هـ – وهو صاحب الحاشية الشهيرة على شرح الأشموني للألفيَّة)، وعدد صفحاتها يزيد على 160 صفحة، يكشف فيها عن معاني البسملة، بكلماتها المعدودة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ). والأخرى رسالة بعنوان “كمالُ العِناية بتوجيه ما في (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) من الكِناية”، لأحمد رافع الحسيني الطهطاوي (ت 1355هـ)، ستبلغ في الطباعة الحديثة أكثر من 200 صفحة. فانظر إلى كمال اهتمام المسلمين.
إلى أنْ دخلتْ الاتجاهات الاستشراقيَّة في بحث القرآن الكريم (والمُستشرِقون هم الباحثون الغربيون الذين توفروا على بحث الشرق وثقافاته، ومن أهمها الإسلام والعربية)؛ فوَلَّدتْ كَمًّا ضخمًا من الآراء التي يسهُلُ تصوُّرُ استقرارها في ذهن أشخاص مُنكرين إنكارًا لطبيعة الدين الإسلامي، بل لأساسه. وما يهمنا أن هذا التيار الاستشراقي قد ترسَّبتْ آثار كثيرة له في الدراسات الإسلامية؛ فأنشأتْ بدورها تيارًا تابعًا لمنهج المستشرقين، مُنتحلًا مناهجهم وأدواتهم المعرفية في النظر إلى القرآن، وسُبُل مُعالجته. ثُمَّ زاد في مصادر هذا الاتجاه رافدٌ آخر؛ وهو الدراسات النقدية الأدبية الغربية، ونظريات النقد النصيّ التي عالج بها الغربيون كتب ثقافتهم اليهوديَّة والنصرانيَّة المُقدَّسة. فاستعان الحداثيون العرب بهذين المَعِيْنَيْن في تكوين اتجاههم الحديث في الدراسات الإسلامية عامةً، والدراسات القرآنية خاصةً.
ومن أهم أُسس هذا الاتجاه مبدأ القطيعة المعرفيَّة؛ أيْ الاعتراض على الوسائل التقليدية في تفسير النص القرآني ومعالجته وفهمه، ما بين الإنكار التام والوقوف موقف الريبة والحذر من هذه الوسائل. فغالب هذا الاتجاه يُحيل تلك الوسائل التقليدية الرئيسة إلى الأرشيف -بمصطلح العصر-، أو يعاملها معاملة الكائن التاريخي المُنقرض. وهو ما ناقشه المؤلف في فصل “زمن التَّلقي الأول للنَّص وزمن تلقيه الحاضر”. ولعلي لمْ أذكر هذه النبذة المختزلة إلا لأني أرى في هذا الكتاب بُعدًا مُفنِّدًا لهذه الدراسات الحداثية؛ لا في فصله المذكور وحسب، بل في المخالفة الحقيقية في التجربة كلها باللجوء إلى هذا التلقي، وإبراز ما فيه من مكامن تعارض ما ذهبوا إليه. وهذا من أفضل وجوه الاعتراض السلبي[2] عليها. هكذا أصنِّفُ جزءًا من التجربة.
ما هو التلقي؟
لعل القارئ للكتاب يُسارع بالسؤال عن مفهوم “التلقي”، وما قيمته ليصير رأس الكتاب ومحوره الأعظم؟! وهنا يجب التنبُّهُ إلى أمور -أختصرها اختصارًا-؛ منها أن التلقي هو كلُّ انفعالٍ ينفعلُ به الإدراكُ البشريُّ (عقلًا وعاطفةً)، مهما كانت درجته سطحيةً وعُمقًا. ويأتي هذا الانفعال في مُقابل، أو نتيجة تأثير فعلٍ يُسمَّى “الخطاب”. فالفعل هو “الخطاب” ورد الفعل (يُسمى في علم المقولات انفعالًا) هو “التلقي”. فالتلقي هو رد فعلك على هذا الخطاب القرآني الذي وُجِّهَ إليك، يشملُ هذا التلقي مَحضَ القراءة الحَرفيَّة وأبلغَ التعمُّق؛ يشمل هذا التلقي قِشريَّةَ التأثير في نفسك وسلوكك جراء خطاب القرآن، وعُمقَ التأثير في نفسك وسلوكك جراء خطاب القرآن. ولعلَّ الفهم اتضح الآن لمعنى التلقي ودوره في الكتاب، فالكتاب يقصد انفعالات النبي ﷺ والصحابة الكرام بالخطاب القرآني، في فهمهم وعاطفتهم ومنظومتهم المفهوميَّة والقِيَميَّة، التي تُترجم في صورة سلوكهم في الحياة.
ثانيًا: الخطاب هو الفعل أو هو المُؤثر الذي يستهدف التأثير في المتلقي. وقد استقرَّ هذا المصطلح “الخطاب” في التراث الإسلامي منذ قديم، وصار مطيَّة الأصوليين في التعبير عن القرآن والسنة؛ فقالوا عنهما “خطاب الشَّارِع” مع مَركزيَّة القرآن وتقدُّمه وكونه أصل الشرع الأوحد، والسُّنَّة مَشروعيتُها مُستمدةٌ منه. فهو مصطلح مُتوطِّن في الثقافة العلمية العربية، على خلاف مصطلح “التلقي” الذي ناب عن معانيه ألفاظ أخرى؛ كالفهم، والفقه، والتأسِّي، وغيرها. لكنَّ “اصطلاحيته” عادتْ إلى المركز في العصر الحديث؛ خاصةً مع مركزيتها في نظريات الاتصال والخطاب التي راجتْ في الغرب.
ثالثًا: أن مفاهيم كالخطاب والتلقي تختلف في الثقافة العربية الأصيلة عنها في الثقافة الحداثية. فمثلًا، مصطلح “الخطاب” -في الأعراف الحداثيَّة- يعني كل بناء الإسلام، لا المُوجَّه فقط، أو المقصود به التوجُّه للغير. فهم يعتبرون أي شيء خطابًا، لذلك عند الحديث عن “تجديد الخطاب الديني” لا يكون المقصود الرئيس تجديد آليات الخطاب -وقد يجوز، لكنَّ المقصود الرئيس هو البنايات التي هي صُلب الخطاب. كذلك تختلف وتتشكل مثل هذه المصطلحات بين أيدي الحداثيين؛ فمثلًا نجد عند “محمد أركون” (ت 1432هـ، 2010م) (من أعلام الاتجاه الحداثي، ومُؤسِّسيه. وهو جزائري يكتب بالفرنسية) مصطلح “الخطاب النَّبويّ” قاصدًا به التوراة والإنجيل والقرآن معًا.
وما عرضتُه يُمثِّل صُلب تصنيف الكتاب في نظر التخصُّص الدراسيّ الحديث؛ بوصفه بحثًا في التلقي القرآني. وهو جانب آخر من تصنيف هذه التجربة. ولعلنا الآن نعرف معنى ما نقرأ، وندرك محله في مسار الدرس الحديث.

البنية الداخلية لكتاب “صوت الأبد”
قسَّم المؤلف الكتاب إلى تمهيد “أفق النصّ” ذكر فيه ما يُعين على فهم الكتاب؛ من عناية العرب بالبيان، ومسألة صراع القراءات -السالفة الذكر-، ومعنى التلقي وعلاقته بالتزكية -وقد نوهت عنه-. ثم قسَّم صُلب الموضوع إلى ما خصَّ التلقي النبوي نفسه في فصل “الدهشة الأولى”، ثم ثنَّى بنماذج من التلقي الصحابي؛ ليتجلى أثر الصيحة الأولى تحت عنوان “تجليات الدهشة الأولى”، ثم ثلَّثَ بفصل مهم هو “تفكُّرات في الدهشة الأولى” حشد فيه ما تفكَّر هو فيه مما أثَّرَ في التلقي الأول من غير المنقول أثرًا أو خبرًا في كتب الأخبار، مع بعض المباحث في التأمل القرآني.
ولعل آثار الواقع المَعيش تظهر في تضاعيف الكتاب جليةً؛ فهي هدف الكتاب -كما أسلفت-. لكنَّ ضغط الواقع في صراع أُمَّتِنا ظهر بالمباشرة في عنوان “التلقي القرآني: تجدُّد الفهم في أوقات الأزمة”، فعمد إلى كسر النمط العام، وصرَّح بالربط بين الماضي والحاضر.
عن مناهج وأساليب “صوت الأبد”
ومتى سألني القارئ: ما هو المنهج المُستخدم في كتاب “صوت الأبد”؟ أجيبه أن المناهج تعددت في الكتاب؛ لكن أبرز المناهج هو المنهج التأمُّلي، الذي يَغلُبُ على نمط التدبُّر، بل يَفرضه هذا النمطُ فرضًا. ويليه المنهج التحليلي. وهنا قد يسأل القارئ: ما الفارق بين المنهجين؟ أجيبك أن التحليل ذو أدوات واضحة عامة متفق عليها، تتعارفها الجماعة العلمية، وقد كانت في بنية الكتاب، فيما نقل المؤلف من التفاسير المعهودة واستخدم من آلياتها. أما التأمل فهو منهج ينحو للذاتية ويؤثر عليه -بشدة- الذوق الشخصي للمؤلف. وثالث المناهج ظهورًا هو المنهج التركيبي؛ وقد ظهر في بعض الموضوعات التي نحتْ نحو التفسير الموضوعي، في فصل التفكُّرات.
وقد اعتمد المؤلف على عدد كبير من المصادر والمراجع، منها طيف واسع من التفاسير: تفاسير بالمأثور (كالطبري)، وأكثر من التفاسير بالرأي (وهي الملائمة لكُتب التدبر) من مثل: الرازي، والزمخشري، وأبي حيان. ومتى كان مدار الكتاب على التدبُّر فقد حسُنَ منه الاعتماد على تفسيرين جليلين في هذا الشأن: تفسير “نظم الدُّرر في تناسُب الآيات والسور” للبقاعي، و”التحرير والتنوير” للأستاذ الجليل الطاهر بن عاشور. كما اعتمد على نموذج من التفسير الإشاريّ (لطائف الإشارات للإمام القشيري). كما استند على كُتب المُحدَثِيْن، مثل: مالك بن نبي، ومحمود شاكر. وكذا كتب النقد الأدبي. هذا التنوع في المراجع قوَّى الكتاب وأكسبه متانةً ورسوخًا فيما يسوق.
ومتى سأل القارئ عن الأساليب في الكتاب؛ ما هي؟ أجيبه -موضحًا- أن “الأساليب” هي المناهج الجزئية التي تدنو درجةً عن المنهج الكُليّ. وأرى أن الأساليب في الكتاب تمثلت في أسلوب “الإقران” بين المواضع المتغايرة مكانًا في النص القرآني، الخادمة هدفًا واحدًا. وقد استخدمه المؤلف في الفصل الخاص بالنبي ﷺ. ثم أسلوب “تداعي المعاني المشتركة” إلى الذهن، في كثير من عناوين الكتاب، ومنها ربطه مرتَيْن في عنوان “التلقي القرآني: تجدُّد الفهم في أوقات الأزمة”. ثم أسلوب المراوحة بين التنظير والتطبيق؛ الذي يجده القارئ في ثنايا العناوين المتعددة فيه.
أما لغة الكتاب فقد غلب على المؤلف اللغة العلمية في التنظير والتطبيق، لكنه متى يبدأ في التأمل تتغير لغته إلى اللغة الأدبية، وترقّ وتلين ليونة ما يجول في خلده من فكر. والغريب -لدى التأمُّل- أنَّ تغيُّر الاستخدام اللغوي في الكتاب هو نفسه يعدُّ إعمالًا لمبدأ التلقي، وهي نكتة لطيفة.
“صوت الأبد” وموجة التدبُّر الحالية
منذ سنوات بدأ نمط الكتابة الشعبية[3] في “تدبُّر” القرآن الكريم ينشط بشدة، إلى حد اعتباره نمطًا كتابيًّا، وهو في الحقيقة موجة، قليل منها فقط هو المفيد. والاطلاع على نتاجها يشير إلى فقر ما فيها من معارف، وندرة المنهج الصحيح في كيفيات التدبُّر واحتياطاته وما يقتضيه من معارف سابقة في نفس المُقدِم عليه[4] وهنا نجد فضيلة كتاب “صوت الأبد” على غيره مما قد لا يظهر للقارئ العام؛ فـ”بُريه” المؤلف متخصص في علوم القرآن، رفيق السمت، هادئ الفكر، محب للتأمُّل ابتداءً، صحيح اللغة. وكل هذه العوامل تعين في رحلة التدبر كل الإعانة.
وفي الختام، أرى شخصيًّا هذا الكتاب في صورة شخصٍ رقيقٍ، يُمسكُ وردةً متفتحةً، يهديها إلى شخصٍ بئيسٍ يُمثلُ واقعنا. لعلَّه يهتدي إلى الطريق الذي تنكَّبَ عنه، ويُدهش، ويُقدِّر، فيحيا كيف قدَّر. وأدعو الكاتب إلى إكمال طريق التدبر القرآني في كتب أخرى -إن شاء الله-.
[1] هذا على الوجه الذي يعد البسملة آية.
[2] الاعتراض الإيجابي يكون بالتأليف الصريح في نقض هذه الاتجاهات.
[3] أما الكتابة العلمية فيه قديمة جدًا، وفي العصر الحديث نماذج الخير منها موجودة. من مثل كتاب الشيخ الجليل “عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني”، المسمَّى “معارج التفكُّر ودقائق التدبُّر”.
[4] راجع مثلًا كتاب “قواعد التدبُّر الأمثل لكتاب الله عز وجل” للشيخ عبد الرحمن حبنكة نفسه. ولا أدَّعي هنا أن تدبُّر القرآن ذو مقياس حاد لا يقبل الحيد عنه، لكنَّ النظر في كتاب بالغ الرصانة والغنى والدقة كالقرآن الكريم لا بد له من أصول مَرعيَّة كثيرة قبل الولوج فيه.
