المدونة

مهاجل الرّوُح والحياة

حين يتنفس الفجرُ على مهلٍ في مدارج الجبال، وتنسلّ خيوط الضوء الأولى كأنها أصابعُ حانية تمسح وجه الأرض، – في مسقط الرأس وموطن الذاكرة في ربى بعدان – مدينة اللواء الأخضر إب –.. لا يكون الصمتُ سيّد المشهد كما يبدو… بل يكون في حالة ترقّب، كصدرٍ ممتلئٍ بانتظار أول زفرة. هناك، في حضن الحقول، حيث الضباب يعلّق أنفاسه بين شجرةٍ وأخرى، ينبثق الصوت.

ليس صوتًا عابرًا… بل مِهجلٌ يشقّ الصمت كما يشقّ المحراث صدر التراب. يخرج من صدر الفلاح، متعبًا ومضيئًا في آنٍ واحد، ينساب أول الأمر خافتًا، كأنه يتحسس الطريق، ثم ما يلبث أن يقوى، يتمدّد، يتكاثر، حتى يصير نداءً يوقظ الجبال، فتردّ عليه الجبال بصدى متكسّر، كأنها تحفظ اللحن وتعيده بذاكرةٍ أقدم من الزمن. هناك، لا يكون الصوت ترفًا… بل حياة.

الصوت في الحقل ليس مجرد نغمة؛ إنه كسرٌ لوحدةٍ كثيفةٍ تشبه الصمت الأزلي. حين يرفع الفلاح صوته، لا يغنّي بقدر ما يُعلن وجوده، يوقّع على وجه الأرض أنه هنا… حيّ… يعمل… ويأمل. تتداخل الأصوات في مشهدٍ عجيب: رنين الناقوص في عنق الثور، خُواره المثقل بالطين، صفير الريح وهي تغزل الهواء بين المدرجات، وحركة المحراث حين يخترق الأرض بإيقاعٍ يشبه القلب. وفي قلب هذا النسيج، يتسيّد المِهجل.

ينساب الصوت بين الحقول، يمرّ فوق التراب المبلل، يلامس العرق المختلط بالغبار، ويتسلّق الجبال، كأنه رسولٌ بين الإنسان والطبيعة. يخرج من صدرٍ واحد، لكنه لا يظلّ وحيدًا؛ إذ سرعان ما تلتقطه صدورٌ أخرى، فتردّ عليه، في ترديدٍ جماعيٍّ يشبه النداء والجواب، كأن الأرض نفسها تنقسم إلى أصواتٍ تتحاور. وهنا، يتحوّل العمل إلى احتفال.

أما الأرض… فهي ليست جمادًا في هذا المشهد. إنها كائنٌ حيّ، تسمع، وتنتظر، وتستجيب. حين يغرس الفلاح بذوره، لا يضعها كما توضع الأشياء، بل يودعها، كما يودع قلبه في صدرٍ أمين. كل بذرةٍ هي رجاء، كل حفنة ترابٍ هي دعاء صامت، وكل خطٍّ يرسمه المحراث هو رسالة مكتوبة بلغةٍ لا تُرى.

الفلاح هنا لا يزرع البذور فحسب… بل يزرع صوته أيضًا. يترك في الأرض أثرًا من نَفَسه، من تعبه، من أمله، من خوفه الخفيّ من موسمٍ قد يخونه. لذلك، حين يعلو المِهجل، فكأنه يخاطب الأرض مباشرة: “ها أنا ذا… أعمل… فكوني معي”.

الأرض تسمع. تحتفظ بالصوت كما تحتفظ بالبذرة، تخبّئه في أعماقها، لعلّه ينبت يومًا على هيئة سنابل… أو على هيئة طمأنينةٍ في قلب صاحبها.

وفي هذا المشهد، يقف المزارع الإنسان في منزلةٍ عجيبة… بين السماء والتراب. قدماه مغروستان في الطين، ووجهه مرفوعٌ نحو الغيم. صوته، حين يعلو، لا يتجه إلى الأرض وحدها، بل يرتفع، يتسلّق الهواء، يبحث عن شيءٍ أعلى… عن بركة، عن مطر، عن رحمةٍ لا تُرى.

مهاجل الرّوُح والحياة 4 مهاجل الرّوُح والحياة

المِهجل هنا ليس غناءً… بل دعاءٌ متنكر في هيئة لحن. ليس ذكرًا صريحًا، لكنه يشبه الذكر في حضوره الداخلي، في تكراره، في قدرته على تهدئة القلب وسط التعب. حين يتعب الجسد، ينهض الصوت ليحمله، يخفّف عنه، يشاركه العبء. كأن الإنسان، حين يغني، يوزّع تعبه على الهواء، فلا يبقى وحده.

لماذا يغني الإنسان حين يتعب؟ لأنه، في تلك اللحظة، يحتاج أن يسمع نفسه حيًّا.

والزمن هنا لا يسير كما يسير في المدن. لا خطوط مستقيمة، ولا سباق مع عقارب الساعة. الزمن في الحقول دائري، يعود كل عام، يعيد نفس المشاهد، نفس الأصوات، نفس المهاجل… وكأن الأجداد لم يغادروا، بل تركوا أصواتهم معلّقة في الهواء، تنتظر من يوقظها.

صوت اليوم يشبه صوت الأمس. والفلاح، حين يغني، لا يغني وحده… بل يغني معه أولئك الذين مرّوا من هنا، حرثوا هذه الأرض، وغنّوا لها، وتركوا في ترابها شيئًا من أرواحهم.

وفي قلب هذا كله، تتشكّل الجماعة. لا يعود العمل فرديًا، بل يتحوّل إلى نسيجٍ بشريٍّ متماسك. تتجاوب الأصوات، تتآلف، تختلف ثم تتوحّد، كأنها أوركسترا بدائية، لكنها صادقة حدّ الوجع. الضحكات تتسلّل بين الأهازيج، والتعب يتوزّع بين الأكتاف، والوقت يمضي دون أن يشعر به أحد. المهاجل هنا لغة تواصل… قبل أن تكون فنًا. لغة تقول: “أنا معك” … دون أن تُقال.

لكن، في مكانٍ آخر، بعيدًا عن هذه الحقول، هناك صمتٌ مختلف. صمت المدينة المزدحم، الذي يبتلع الأصوات بدل أن يردّدها. ضجيجٌ لا روح فيه، أصواتٌ كثيرة، لكنها لا تقول شيئًا. هناك، يفقد الصوت معناه، ويصبح مجرد ضوضاء. وهنا، في الحقل، يكون الصوت أقل… لكنه أعمق. صادق… لأنه يخرج من الحاجة.

فهل المهاجل مجرد إرثٍ ثقافي؟ أم ضرورةٌ نفسية؟ ربما هي الاثنين معًا… وربما أكثر. ربما هي ما يبقى من الإنسان حين تُجرّد الحياة من زينتها. ذلك الصوت العاري، الخارج من القلب مباشرة، دون تكلّف، دون تصنّع. وفقدانه… ليس فقدان لحنٍ فحسب، بل فقدان جزءٍ من الإنسان نفسه.

وحين يعود الفجر في اليوم التالي، بنفس الضباب، بنفس الضوء المتردد، يعود الصوت أيضًا. يشقّ الصمت من جديد… يوقظ الجبال…يغزل الهواء…ويوقّع على وجه الأرض أن الحياة… ما زالت ممكنة. ما زال الإنسان هنا…ما دام صوته يعلو فوق التراب.

المهاجل وموسم الزراعة… صوت الأرض الذي لا يغيب … مع كل موسم زراعة، تعود المهاجل لتصدح في الحقول، حاملةً في نبراتها تعب المزارعين ودفء أملهم، فتنسج من مشقّة العمل حكايةً نابضة بالحياة. ليست مجرد غناءٍ عابر، بل إرثٌ حيّ يلازم الأرض وأهلها، يتوارثه الأبناء عن الآباء جيلًا بعد جيل، كأن الصوت نفسه جذورٌ أخرى تمتد في عمق التراب.

لا شيء يُوقظ في النفس بهجتها، ويُعيد للخاطر صفاءه، مثل صوتٍ شجيٍّ تتعانق فيه الكلمة مع اللحن، ويتآلف فيه الزمان والمكان وحالُ الإنسان. فإذا اجتمعت هذه العناصر في فضاءٍ واحد، تحوّل الصوت إلى حالةٍ كاملة… إلى حياةٍ تُسمع ولا تُوصف. فكيف إذا كان هذا الصوت يخرج من صدر الفلاح والمزارع اليمني، وهو بين الحقل والسماء، بين التراب والرجاء؟

مهاجل الرّوُح والحياة 2 مهاجل الرّوُح والحياة

هناك، في مواسم التَّلام والزراعة وبذر الحب، لا يكون العمل مجرد جهدٍ جسدي، بل طقسًا حيًّا تتداخل فيه المهاجل والمواويل والحداء والأهازيج الشعبية، فتنساب الكلمات وتتماوج الألحان، كأنها تنبت مع البذور، وتُروى مع الأرض. تلك الأصوات ليست ترفًا عابرًا، بل تعبيرٌ كثيف عن حالةٍ شعوريةٍ عميقة؛ حالةٍ من الانسجام والتناغم، من الشغف والوله، من الاسترواح والتنفيس، من البهجة التي تتسلّل رغم التعب، ومن الشجو الذي يخفّف وطأة الجهد. إنها لحظة يلتقي فيها الإنسان بذاته… وبالأرض.

المهاجل، في جوهرها، ليست مجرد أغانٍ تُردّد، بل هي مرآة الفطرة النقية لدى المزارع اليمني؛ تعكس روحه، شغفه، مرحه، وعشقه العميق للأرض حدّ التَّيَم. هي دليل سلامة تلك الفطرة، واتصالها العفوي بالخالق سبحانه، توكّلًا ورجاءً، مع الأخذ بالأسباب وبذل الجهد. في كل مِهجلٍ نبرةُ دعاء، وفي كل لحنٍ خيطٌ خفيّ يصل الأرض بالسماء.

في بواكير العمر، من حياة تلك السنوات التي لا تزال خضراء في الذاكرة، عشتُ هذه الحالة بكل تفاصيلها. في رُبى بَعدان، إحدى مديريات اللواء الأخضر إب، حيث الجبال مسارح للصدى، والحقول لوحاتٌ نابضة بالحياة، لم أكن أتغيب عن حضور تلك اللحظات؛ بل كنت جزءًا منها.

كنت أرافق جدي، عميد المزارعين، الراحل والفلاح العظيم الوالد عبده قائد أحمد العماري – رحمة الله تغشاه رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جناته – إلى الحقول. كان يصطحبني معه، لا لأكون مجرد شاهد، بل معينًا صغيرًا في تفاصيل يومه، أتنقّل بين الأدوات، وأراقب بعينٍ مندهشة كيف يتحوّل العمل إلى طقسٍ مهيب. وهناك… بدأت أفهم الصوت.

ما زال صدى المهاجل يسكنني؛ يشجيني، يوقظ في داخلي شيئًا لا يُقال، يملأ روحي، ويأخذني إلى مرابع الصبا، إلى الأيام الخضر، حيث كانت الحياة أبسط… وأجمل. كلما استعدتُ تلك الأصوات، شعرت أنني لا أسترجع ذكرى، بل أعود إليها.

ومن بين تلك المشاهد التي لا تُنسى، صورةٌ ما تزال حيّة: معلمٌ مصري مبتعث كان يعمل مدرسًا في بلادنا نهاية ثمانينات القرن الماضي. في صباحٍ صافٍ، جاء مسرعًا، يكاد يلهث، وقد استدعاه الصوت قبل أن يستدعيه أحد. وقف المُعلمٌ مشدوهًا أمام الحقل، حيث تتعالى المهاجل في ترديدٍ جماعي، نداءٌ يتبعه جواب، وصوتٌ يحتضن صوتًا، حتى امتلأ المكان بلحنٍ حيّ. لم يستطع إخفاء دهشته، فانطلقت كلماته بلكنته المصرية الصادقة: ” الله… الله… إيه ده يا عم! إيه ده يا طلاب! الله على الجمال… والحلاوة… والصوت! ده توحيد… ده توحيد!”

لم يكن يبالغ. ففي تلك اللحظة، كان الصوت فعلَ توحيدٍ حقيقي؛ توحيد بين القلوب، بين الجهود، بين الإنسان والأرض… وربما بين الإنسان وربّه.

ومع منتصف شهر أبريل من كل عام، حين ينعقد الرجاء في القلوب، ويتعلّق البصر بالسماء، يبدأ فصلٌ آخر من الحكاية. تستقبل الأرض زخّات المطر، وتلمع السماء بالبروق، ويهدر الرعد كأنه إعلانٌ أوليّ لقدوم الحياة. حينها، تفوح رائحة التراب بعد الرَّيّ، رائحة لا تُشبه شيئًا… سوى الحياة نفسها.

مهاجل الرّوُح والحياة 1 مهاجل الرّوُح والحياة

تتشكل في وجدان الفلاح نشوةٌ خاصة، تشبه قوس قزح، ذاك التلاقي العجيب بين الشمس والمطر. ولأن الرعد هو بشارة الغيث، فإن صوته لا يُخيف الفلاحين والمزارعين، بل يُطربهم؛ يوقظ فيهم فرحًا خفيًا، ويستدعي عبارات الابتهاج والدعاء، التي تختلف ألحانها من منطقةٍ لأخرى، لكنها تتوحد في معناها: الترحيب بالمطر، والاحتفاء بالحياة.

هكذا، تتحوّل المهاجل من مجرد أصواتٍ تُردّد، إلى لغةٍ كاملة. لغة الأرض حين تتكلم بلسان الإنسان. لغةٌ تحفظ الذاكرة، وتُعبّر عن الفطرة، وتمنح العمل معنى، وتربط بين الماضي والحاضر، بين التراب والسماء. وإذا خفت هذا الصوت يومًا، فلن يكون ما غاب مجرد لحن… بل جزءٌ من روح المكان، وشيءٌ من الإنسان نفسه.

وإنّ من أبهى المهاجل وأعمقها أثرًا، وأكثرها رسوخًا في الوجدان، تلك التي تتخلّق من صميم العلاقة الحيّة بين الإنسان والأرض، وترتفع من قلب الحقل لتلامس السماء. هي المهاجل التي لا تكتفي بأن تُغنّى، بل تُعاش؛ لأنها تنبع من ذلك الاتصال الخفيّ، الحميم، الذي يجمع الفلاح اليمني بترابه، ويشدّه في الوقت ذاته إلى خالقه، رازقه، سبحانه وتعالى.

في تلك اللحظات، لا تكون الكلمات مجرّد ألفاظٍ تُقال، بل أنفاسًا تتشكّل حروفًا، وأرواحًا تتجلّى ألحانًا. تنطلق الألسن بالذكر، وتتهجّى القلوب الدعاء، ويتحوّل الصوت إلى ابتهالٍ صافٍ، ونداءٍ خاشعٍ يتردّد بين الأرض والسماء. يمتزج فيه الرجاء بالتوكّل، والعمل بالإيمان، فيغدو المِهجل صلاةً غير معلنة، وسجدةً مرفوعة على هيئة لحن.

ولا يغيب عن هذا النسيج النورانيّ حضورُ الصلاة على الحبيب محمد – صلى الله عليه وسلم–، فتتزيّن المهاجل بعبقها، وتكتسب من خلالها طمأنينةً خاصة، كأن الصوت حين يمرّ بها يزداد صفاءً، ويغدو أكثر قربًا من السماء.

ومع هذا البعد الروحي العميق، تحتفظ المهاجل بوجهها الإنساني القريب؛ فهي تحمل في طيّاتها حكمًا تتوارثها الأجيال، ووصايا تُقال على إيقاع العمل، وكلماتٍ تبعث في النفوس العزيمة، وتحثّ الأيدي على مزيدٍ من البذل، وتخفّف عن الجسد وطأة التعب.

ثم هي، في جانبٍ آخر، متنفس الروح ومتنفّس القلب؛ تُقال فيها الحكايات الصغيرة، وتُنسج فيها مشاعر الحب والغزل، وتُبثّ فيها لواعج العتاب، وتفيض فيها نداءات الحنين والشوق. وكأن المهاجل، بهذا الاتساع، ليست صوتًا واحدًا… بل حياةٌ كاملة، تتكلّم.

هي مرآة الفلاح:

إن فرح، أشرقت…

وإن تعب، هدّأت…

وإن اشتاق، بكت…

وإن رجَا، ارتفعت.

وهكذا تظلّ المهاجل، في أصدق صورها، لغةً مزدوجة: لغة الأرض التي تنبض بالعمل… ولغة الروح التي تعانق السماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى