
نحن الآن في أكثر المواسم زخماً على الصعيد العالمي. موسمٌ تنشغل به القنوات والاقتصادات، وتُسخَّر له المنصات، وتُفتح له الاستوديوهات، وتُحشد من أجله الجماهير. موسمٌ تتنافس فيه الدول، وتتوهج فيه المشاعر، وتُستدعى فيه الهويات والانتماءات، ويكتب عنه المحللون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع والنفس، بل ويجد المثقفون أنفسهم مضطرين إلى الوقوف أمامه متأملين.
إنه موسم كرة القدم، مونديال كأس العالم..
ولست هنا في معرض نقد اللعبة ذاتها، ولا في مقام مصادرة متعة الناس أو محاكمتهم على اهتماماتهم. بل أعترف ابتداءً أنني من أولئك الذين تجرفهم الحماسة أحياناً حين أجلس إلى جوار أطفالي لمشاهدة مباراة ما. لا أعرف معظم قوانين اللعبة، ولا أحفظ أسماء الفرق والبطولات، لكنني أجد نفسي أصفق عندما يصفقون، وأهتف عندما يهتفون، وأتابع الكرة وهي تنتقل بين الأقدام وكأنني أفهم تماماً ما يجري.
ولعل هذا هو سر كرة القدم أصلاً؛ أنها قادرة على ابتكار لغة عالمية مشتركة، يفهمها الجميع بدرجات متفاوتة. غير أن ما يستوقفني حقًا ليس اللعبة نفسها، بل ما يتولد حولها من ظواهر تستحق التأمل.
كيف يمكن لمباراة تستمر تسعين دقيقة أن تستدعي من الانفعالات ما لا تستدعيه قضايا تمس حياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم؟ وكيف يتحول كثيرٌ من الأفراد الذين عُرفوا بالصمت في الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى إلى نُقاد شرسين وخبراء استراتيجيين ومحللين لا يشق لهم غبار حين يتعلق الأمر بمدرب أخطأ في التشكيلة، أو لاعب أضاع فرصة، أو حكم احتسب ركلة جزاء؟ بل كيف تتحول الحدود بين الشعوب الشقيقة أحياناً إلى خطوط تماس عاطفية حادة بسبب مباراة كرة قدم، بينما تعجز قضايا أكثر خطورة وعمقاً عن استدعاء القدر ذاته من الحماسة والانتماء؟
هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية. ما الذي يحدث للشعوب؟ ولماذا تنفجر طاقات الانتماء والتعبير والنقد في هذا المجال تحديداً، ثم تنطفئ بمجرد انتهاء الموسم، وكأنّ شيئاً لم يكن؟
هل نبحث عن شيء أكبر من المباراة؟
في تقديري، لا يتعلق الأمر بكرة القدم وحدها، بل بحاجة إنسانية عميقة إلى الانتماء. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج الجماعة، ولا خارج الشعور بأنه جزء من قصة أكبر. لكنه حين يفقد ارتباطه بالمشروعات الكبرى، أو تضعف الروابط الجامعة في حياته، يبحث تلقائياً عن مساحات بديلة يُودع فيها حاجته إلى الهوية والولاء والانتصار. وهنا تصبح الرياضة، بما تملكه من إثارة ودراما ورموز وأبطال وأعلام وأناشيد، واحدة من أكثر الأدوات قدرة على ملء هذا الفراغ.
لكن المشكلة لا تبدأ عند الانتماء نفسه، بل عند تضخم هذا الانتماء حتى يطغى على سلّم الأولويات، أو يتحول إلى بديل عن الانتماءات الأعمق والأجدر. فالانتماء للوطن فضيلة، والانتماء للأمة قوة، والانتماء للقيم الكبرى ضرورة حضارية. أمّا الانتماء الذي يُختزل في لون قميص أو نتيجة مباراة أو اسم نادٍ، ثم يُمنح من المشاعر والطاقة والولاء ما لا يُمنح لغيره، فهو انتماء يستحق التوقف والتأمل.
ولعل هذا ما يفسر تلك المفارقة العجيبة: شعوب قد تفقد حماسها تجاه قضايا مصيرية تمس حاضرها ومستقبلها، لكنها تستعيد كامل قدرتها على التعبير والانفعال والجدال حين تدور الكرة فوق المستطيل الأخضر.

البطولة المفقودة وصناعة الأبطال الجدد
منذ القدم، احتاجت المجتمعات إلى أبطال. البطل – يا سادة – ليس مجرد فرد ناجح، بل رمز تتجسد فيه قيم الجماعة وأحلامها وآمالها. ولذلك احتفظت الأمم في ذاكرتها بأسماء وسير المصلحين والعلماء والقادة والمجاهدين والمفكرين، لأنهم كانوا يمثلون شيئاً أكبر من ذواتهم، ويضحون من أجل فكرة تتجاوز مصالحهم الشخصية.
غير أن العالم الحديث أعاد تعريف البطولة بصورة مختلفة. ففي حديثه عن تحولات المجتمع المعاصر، يشير زيجمونت باومان إلى تراجع النماذج البطولية التقليدية وصعود نماذج جديدة مرتبطة بالاستهلاك والشهرة والنجومية. ومع تراجع المشاريع الكبرى، أصبح المجتمع أكثر قابلية لصناعة أبطال لحظيين، تُسلَّط عليهم الأضواء بكثافة، وتُستثمر قصصهم وصورهم ومشاعر الجمهور تجاههم ضمن صناعة ضخمة تدور فيها مليارات الدولارات.
ومن هنا لا تبدو الشعبية الجارفة لبعض نجوم الرياضة أمراً عفوياً بالكامل، بل جزءاً من منظومة اقتصادية وإعلامية متكاملة تعرف جيداً كيف تصنع الرموز، وكيف تحوّل الإنسان العادي إلى أسطورة معاصرة. وليس في ذلك ما يُستنكر بحد ذاته، لكن السؤال يبقى قائماً: ماذا يحدث عندما تصبح هذه البطولة البديلة هي المصدر شبه الوحيد الذي يمد الجماهير بالشعور بالفخر والانتصار والانتماء؟
السعادة التي تنتهي مع صافرة الحكم
أعلم جيداً أن كثيرين سيقولون: وما المشكلة في كل ذلك؟ دعوا الناس تفرح. دعوا الناس تستمتع. دعوا الناس تهرب قليلاً من ضغوط الحياة. وأنا لا أخالفهم في أصل الفكرة. فالإنسان يحتاج إلى الترفيه كما يحتاج إلى العمل، ويحتاج إلى الفرح كما يحتاج إلى الجد، وليس من الحكمة أن ننظر إلى كل أشكال المتعة بعين الريبة والاتهام.
لكن ما يستحق النقاش ليس وجود المتعة، بل حجمها وموقعها من حياتنا. فالاقتصاد الرياضي المعاصر لا يبيع مباريات فحسب، بل يبيع الإثارة والانتماء والانتظار، والتوقع، والخيبة، والانتصار. إنه يبيع مشاعر كاملة، ويعيد إنتاجها بصورة احترافية تجعل الملايين يعيشون داخل قصة مستمرة لا تنتهي.
ولذلك تبدو السعادة الناتجة عن الانتصار الرياضي سعادة حقيقية من حيث الشعور، لكنها في كثير من الأحيان سعادة مؤقتة لا تغيّر شيئاً في الواقع الفعلي للإنسان. إذ ينتهي اللقاء، وتُطفأ الشاشات، ويعود الجميع إلى حياتهم اليومية، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة كما كانت.
والمشكلة الأكبر تظهر عندما تنتقل مفردات القضايا الكبرى إلى ساحة الرياضة. فجأة يصبح الفوز في مباراة ما قضية كرامة وطنية، والخسارة نوعاً من العار، ويتحول الاختلاف في التشجيع إلى اتهامات بالخيانة أو نقص الولاء أو ضعف الانتماء. وهنا لا تعود المشكلة في اللعبة، بل في إسقاط معانٍ أكبر من حجمها عليها.
إنّ كرة القدم ليست مقياساً للأخلاق، ولا معياراً للوفاء، ولا اختباراً للوطنية، ولا حكماً على محبة الإنسان لأمته أو بلده. ولا ينبغي أن يتحول لون القميص الذي يرتديه لاعب ما إلى مبرر للكراهية أو التخوين أو ازدراء الآخرين، خصوصاً حين يتعلق الأمر بشعوب تجمعها روابط التاريخ والدين واللغة والمصير المشترك.
إنّ الشعوب التي قد تختلف حول نتائج مباراة ما لا بأس عليها ولا يٌخشى منها، لكن الأمة التي تنسى كل ما يجمعها بسبب مباراة كرة قدم، فهذه تستحق أن تراجع علاقتها بالأولويات.
البحث عن المعنى وسط الضجيج
ولذلك فإن القضية، في جوهرها، ليست قضية كرة قدم. إنها قضية معنى، وقضية ترتيب الأشياء في مواضعها الصحيحة، بل قضية القدرة على التمييز بين ما هو ترفيهي وما هو مصيري، وبين ما يمنحنا لحظة متعة وما يصنع مستقبلنا بالفعل.
نحن لا نحتاج إلى إلغاء المتعة، بل إلى تحريرها من المبالغة، ولا نحتاج إلى محاربة الرياضة، بل إلى منعها من احتلال المساحات التي يفترض أن تشغلها القضايا الكبرى.
فالوعي لا يقتل الفرح، بل يضعه في مكانه الصحيح، والمعنى لا يصادر المتعة، بل يحميها من التحول إلى وهم.
ورغم كل ما سبق، سأبقى – على طريقتي الخاصة – أشجع منتخبات الدول الفقيرة والمظلومة والمُستضعفة. ليس لأنني خبير بكرة القدم، ولا لأنني أملك تحليلات فنية عميقة، بل لأنني أميل دائماً إلى الطرف الأضعف، وإلى القصص التي تقاوم اختلال موازين القوة، وإلى الدول الفقيرة التي وُلدت كرة القدم في أحيائها وشوارعها، ثم انتزعها المال والسلطة من أهلها حتى غدت، في كثير من وجوهها، لعبةً للأثرياء أكثر منها لعبةً للفقراء.
لكنني سأفعل ذلك وأنا مدرك أن الأمر، في نهاية المطاف، لا يتجاوز حدود لعبة جميلة اخترعها البشر للترفيه. لعبة قد تمنحنا بعض الفرح، لكنها لا تجيب عن أسئلة العدالة. وقد تخلق لحظات من الحماس، لكنها لا تحل مشكلات الفقر. وقد تصنع أبطالاً للشاشات، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى أبطال حقيقيين يحملون هموم الناس وقضاياهم الكبرى.
وحين نُدرك ذلك، يمكننا أن نشاهد المباراة ونستمتع بها، دون أن نفقد أنفسنا داخلها.
