المدونة

عدنان زرزور .. حين يرحل واحدٌ من جيل الكبار

في وداع عالم القرآن والمفكر السوري الذي حمل دمشق معه في رحلة العلم والغربة

ليست خسارة العلماء سواء، ولا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها فحسب، فثمة رجال تتسع أعمارهم بما تركوه وراءهم من علم وفكر، وبما فتحوه من أبواب، وبما أودعوه في عقول أجيال لم يلتقوا أكثر أفرادها يوماً.

ومن هؤلاء كان الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور، أبو حسان، الذي غادر عالمنا بعد رحلة طويلة قاربت تسعة عقود، تنقّل فيها بين العلم والتعليم والدعوة والبحث والتحقيق والتربية، وبين دمشق والقاهرة وعواصم عربية عديدة، حتى انتهت به رحلة الغربة في المنامة بالبحرين.

رحل الرجل، لكن من الصعب أن تقول عن عالمٍ مثله إنه “مضى” بالمعنى المعتاد للكلمة، فالذين يتركون وراءهم مكتبة، وأجيالًا من الطلاب والباحثين، ومسائل علمية أثاروها، وكتباً لا تزال تُقرأ، لا يغادرون تماماً. يتوارى الشخص، ويبقى شيء منه موزعاً بين رفوف المكتبات، وهوامش البحوث، وذاكرة التلاميذ، والأسئلة التي أسهم في صياغتها.

من الميدان الدمشقي بدأت الحكاية

وُلد الدكتور عدنان زرزور سنة 1939م في حي الميدان الدمشقي العريق، في بيت عرف العلم والدين منذ طفولته. كان والده الشيخ محمد ياسين زرزور إماماً، وعُرف كذلك بفن الخط العربي، وكانت له صلات بعلماء دمشق، وفي مقدمتهم الشيخ علي الدقر والشيخ حسن حبنكة الميداني. ولعل لهذه النشأة دلالتها في فهم شخصية الدكتور عدنان لاحقاً، فهو لم يأتِ إلى التراث الإسلامي من خارج بيئته، ولم يتعامل معه بوصفه مادة أكاديمية باردة، بل نشأ في فضائه أولًا، ثم عاد إليه بأدوات الباحث والمحقق والأستاذ الجامعي.

تلقى تعليمه في معهد الغراء الشرعي بدمشق، ثم درس في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وتخرج فيها متفوقاً سنة 1960م. ومن دمشق انتقل إلى القاهرة، حيث أكمل دراساته العليا في دار العلوم، فكانت تلك المرحلة من المحطات التي صقلت منهجه العلمي، ورسخت صلته بالدراسات القرآنية والتحقيق. ومنذ أعماله المبكرة في (متشابه القرآن) ودراسته عن الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن، كان واضحاً أن الرجل لا يريد أن يكون ناقلًا للنصوص بقدر ما يريد أن يكون قارئاً لها، محققاٍ في سياقاتها، باحثاٍ في مناهج أصحابها.

عالم القرآن الذي لم يسكن الماضي

ولعل أكثر ما يستحق الوقوف عنده في تجربة الدكتور عدنان زرزور أنه كان من أولئك الذين جمعوا بين رسوخ الصلة بالتراث والانتباه إلى أسئلة الحاضر. وهذه معادلة ليست سهلة. فقد يملك الباحث أدوات التحقيق، لكنه يبقى أسير النصوص القديمة، وقد يندفع آخر نحو المعاصرة حتى تنقطع الصلة بينه وبين الأصول. أما المشروع العلمي الجاد، فينشأ غالباً في تلك المسافة الدقيقة بين الاثنين: أن تعرف التراث معرفة أهله، ثم تمتلك من الشجاعة والمنهج ما يسمح لك بأن تسأله أسئلة زمانك.

وهكذا توزّع إنتاج الدكتور عدنان بين التفسير وعلوم القرآن وتاريخ القرآن وإعجازه، وبين الحديث والعقيدة والفرق والثقافة والفكر الإسلامي. ولم تكن كثرة العناوين هي ما يمنح هذا الإنتاج قيمته، بل ذلك الهم المنهجي الذي ظل حاضراً فيه: كيف نفهم علومنا الإسلامية من داخل بنيتها، دون أن نعزلها عن أسئلة العصر؟

ويظهر هذا النفس بوضوح في كتابه (علوم القرآن: نظرات جديدة وإضاءات) وغيره من أعماله؛ إذ لم يكن يتعامل مع علوم القرآن بوصفها أبواباً اكتمل القول فيها منذ قرون، بل حقلًا علمياً يمكن أن يُراجع ويُرتب ويُناقش وتُضاف إليه رؤى جديدة، دون قطيعة مع تراثه وأصوله. وهذا، في تقديري، أحد الفروق بين حافظ التراث وصاحب المشروع فيه.

أستاذٌ عبر الجامعات والبلدان

ولم يكن الدكتور والمفكر الكبير عدنان زرزور رجل مكتبة فحسب. فقد حمل علمه إلى قاعات الدرس عقوداً طويلة؛ درّس في جامعة دمشق، واستضافته الجامعة الأردنية، ثم انتقل إلى جامعة الإمارات، وبعدها إلى جامعة قطر، حيث عمل أستاذاً في الدعوة والثقافة الإسلامية، ثم أستاذاً ورئيساً لقسم التفسير والحديث، قبل أن ينتقل إلى جامعة البحرين أستاذاً في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية. وهكذا امتدت خريطته الأكاديمية على مساحة واسعة من العالم العربي.

وربما لا تظهر قيمة الأستاذ الجامعي كاملة في سيرته الذاتية. فعدد الكتب يمكن إحصاؤه، والمؤتمرات يمكن تعدادها، والجوائز يمكن تسجيلها؛ أما أثر الأستاذ في طلابه، وفي طريقة قراءتهم، وفي سؤالٍ ألقاه ذات يوم فظل معهم عشرين عاماً، فذلك مما يصعب أن تحفظه السير.

ألقى الدكتور عدنان مئات المحاضرات، وشارك في عشرات المؤتمرات، وحكّم مئات الأعمال والبحوث الأكاديمية، وكان حاضراً في دوائر علمية متعددة، حتى غدا اسمه مألوفاً لدى أجيال من المشتغلين بالدراسات الإسلامية، ولا سيما الدراسات القرآنية. وكان من الاعترافات المهمة بهذا المسار حصوله – بالاشتراك – على جائزة السلطان حسن بلقية سنة 1996م، التي يشرف عليها مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، تقديراً لإنجازاته وإنتاجه المتميز في الدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه. لكن قيمة العالم، في النهاية، لا تصنعها جائزة، مهما علت؛ الجائزة تشير إلى الأثر، ولا تنشئه.

مصادر تاريخ أعلام اليمن بين الوفرة والضَّياع عدنان زرزور .. حين يرحل واحدٌ من جيل الكبار

ابن مدرسة دمشق

ومن الصعب قراءة الشيخ الدكتور عدنان زرزور بعيداً عن البيئة العلمية والفكرية التي خرج منها. فهو ابن دمشق التي شهدت في القرن العشرين حركة علمية ودعوية وفكرية واسعة، وامتدادٌ – بملامح خاصة به – لذلك المناخ الذي صنعته أسماء مثل الشيخ حسن حبنكة الميداني، والشيخ عبد الكريم الرفاعي، والدكتور مصطفى السباعي، والأستاذ محمد المبارك، وغيرهم من علماء الشام ومفكريه.

كانت تلك الأجيال ترى أن العلم لا ينفصل تماماً عن هموم المجتمع، وأن الأستاذ لا يعيش في قاعة الجامعة وحدها، وأن الفكر الإسلامي ليس ترفاً ذهنياً، وإنما محاولة لفهم الإنسان والعالم من داخل مرجعية الأمة. وقد احتفظ الدكتور عدنان بشيء من هذه الروح في مسيرته الطويلة؛ أكاديمياً منضبطاً من جهة، وصاحب موقف وهمٍّ عام من جهة أخرى.

العالم حين يصبح شاهداً على محنة وطنه

ثم جاءت محنة سوريا، وللعلماء مع أوطانهم قصص لا تظهر عادة في قوائم المؤلفات. ابتداءً من المحنة الأولى عام 1980م والتي تسبّبت بالكثير من الويلات للشعب السوري، إلى أن بدأت الاحتجاجات السورية عام 2011م، والتي أيّدها الدكتور عدنان زرزور بكلّ قوة، ثم عاش – كما عاش ملايين السوريين – سنوات طويلة يرى بلده يدخل واحدة من أقسى مراحله الحديثة. ولعل الغربة في الشيخوخة أثقل من الغربة في الشباب؛ فالشاب يسافر وفي قلبه ما سيبنيه، أما الشيخ فيحمل معه ما بناه بالفعل: الأزقة، والوجوه، والبيت، والذكريات، ومدينة كاملة تسكن داخله ولو ابتعد عنها آلاف الأميال.

وكان الرجل، في أخريات حياته، يتطلع إلى العودة إلى دمشق، ويتهيأ لها، وينتظر استكمال ترميم بيته بعد سنوات طويلة من الحرمان منه، لكن الموت كان أسرع من موعد العودة. وفي هذه التفصيلة الصغيرة شيء موجع لا تختصره كتب التراجم: أن يقضي الإنسان سنوات وهو يحمل وطنه معه، ثم تقترب المسافة بينهما أخيراً، فلا يمهله العمر ليقطع بقيتها.

حين يرحل جيلٌ لا رجل

لعل ما يجعل رحيل الدكتور الفاضل عدنان زرزور مؤثراً ليس فقط أننا فقدنا باحثاً في علوم القرآن، أو أستاذاً جامعياً، أو صاحب عشرات الكتب والبحوث. المسألة أوسع من ذلك. فنحن نشهد، عاماً بعد عام، انطفاء أسماء تنتمي إلى جيل علمي تشكّل بطريقة يصعب تكرارها: تكوين شرعي مبكر، وصلات مباشرة بالعلماء والمدارس العلمية التقليدية، ثم تعليم جامعي حديث، ثم احتكاك بالمناهج الأكاديمية، ثم عقود طويلة من التدريس والتأليف والنقاش العام.

كان الواحد منهم يعبر بين المسجد والجامعة، وبين المخطوط وقاعة المحاضرات، وبين كتب المتقدمين وأسئلة المعاصرين، دون أن يشعر بالضرورة أن هذه عوالم متخاصمة. ولهذا فإن رحيلهم يطرح علينا سؤالًا يتجاوز الرثاء: من يحمل هذه الخبرات بعدهم؟

ليس المطلوب أن نستنسخ الرجال، فهذا مستحيل، ولا أن نحوّلهم إلى صور مثالية لا تخطئ. وإنما أن نفهم كيف تكوّنت تلك الشخصيات العلمية، وكيف جمعت بين سعة الاطلاع وطول النفس والجدية والصبر على المعرفة؛ في زمن أصبحت فيه المعلومة مُتاحة سهل المنال، لكن المعرفة العميقة أشد ندرة.

ما يبقى من العالم

ثمانية وثمانون عاماً تبدو، بحساب العمر، رحلة طويلة، لكن الأعمار حين تنتهي تتشابه في شيء غريب؛ تختصر فجأة. تغدو عشرات السنوات تاريخين يفصل بينهما خط صغير: ولد سنة كذا، وتوفي سنة كذا. وما بين التاريخين هو الذي يصنع الفرق.

وبين تاريخي الدكتور المربي عدنان زرزور كانت هناك حياة حافلة: دمشق والميدان، معهد الغراء، كلية الشريعة، القاهرة ودار العلوم، الجامعات العربية، قاعات التدريس، مئات البحوث التي قرأها وحكّمها، والطلاب الذين درّسهم وربّاهم، والكتب التي كتبها وحققها، والأسئلة التي ناقشها، والغربة الطويلة، والبيت الذي انتظر العودة إليه.

ثم انتهت الرحلة في المنامة، وبقيت آثارها موزعة في أماكن كثيرة.

رحم الله الأستاذ الدكتور عدنان زرزور، أبا حسان، رحمة واسعة.

مضى بعد عمرٍ حافل بالعلم والفكر والمحنة والغربة، وعلى مقربةٍ من عودة ظلّ القلب معلّقاً بها. كأنّ دمشق التي حملها في غربته طويلًا كانت تنتظره، وكان ينتظرها، ثم سبق الأجل موعد اللقاء. مضى أبو حسان، وبقيت كتبه شاهدةً له، وطلابه ذاكرة لا تنضب، وعلمه أثراً لا تطويه الغربة ولا يغيّبه الرحيل.

وحين يكون العلم مشروع عمر، لا ينتهي أثره بانتهاء العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى