
لم يكن الإنسان ولن يكون هو المخلوق المستغني بنفسه عن الحاجة إلى غيره من المخلوقات، ولا أعني بالحاجة حاجته إلى استخدام بعض المخلوقات في تخفيف أعباء الحياة عنه، بل أعني بالحاجة هنا حاجته إلى أن يتلقى عنها الخبرة والتجربة، والعلم والمعرفة.
إنها حقيقة أن الإنسان مخلوق ضعيف مهما كان قويًا، وعاجز مهما كان قادراً، وجاهل مهما كان عالمًا، ومفتقر مهما كان غنيًا، فانظر إلى قصة قابيل وهابيل؛ فقابيل لما قتل أخاه هابيل احتار ماذا يصنع بجثته حتى هداه الله بالغراب: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾[المائدة:31].
وتستمر الحالة القابلية في الحالة الإنسانية في كل زمان.
يقولون: إن القنافذ عند شدة البرد تحتاج إلى الدفء، فيلجأ بعضها إلى جوار بعض، غير أن التقارب بالتلاصق بينها يؤذيها بسبب أشواكها؛ فإن ابتعدت بردت، وإن اقتربت وتلاصقت وُخزت، فهداها الله للسلامة من الضررين بأن ألهمها باقتراب بعضها من بعض مع ترك مسافة كافية للأمان؛ لتظفر من ذلك بالدفء، وتسلم من ألم الشوك.
فتأمّلَ هذه الحالةَ القنفذيةَ الفيلسوفُ الألماني: شوبنهاور سنة: (1851م) فنقلها للحالة الإنسانية في حياتيها: النفسية، والاجتماعية؛ بأن الإنسان محتاج جداً ليقترب من الآخرين ليأنس بهم، ويستفيد منهم، لكن عليه أن يبقي بينه وبينهم مسافة كافية؛ حتى لا يتضرر بأشواكهم.
لهذا أقول: إن الإنسان مدني بطبعه؛ يجد راحته وأنسه وسعادته عندما يقترب من الآخرين، غير أنه إذا اقترب كثيراً، ولم يجعل لنفسه خط رجعة آمنًا عند الحاجة؛ فستؤلمه أشواكهم، وكل إنسان منهم له شوكته الخاصة به، التي يمكن أن يؤلم بها الآخرين.
فكان من العقل والحكمة: أن يقترب المرء من الناس بحذر، ومن الحذر: أن يبقي بينه وبينهم مسافة آمنة؛ حتى لا يندم يومًا على عدم إبقائها.
ومن تلك المسافة: أن يعتدل-لا إفراط ولا تفريط-في حبه وبغضه، وقربه وبعده، وتواصله وانقطاعه، وفي الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام: ( أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا)[1].
ثم عليك أن لا تلقي كامل ثقتك بأحد مهما كان قريبًا أو حبيبًا، ولا تنثر جَعبة أسرارك كلها بين يدي إنسان ولو كان من كان، ولا تعلن بعيوبك لمن اقتربت منه، ولا تبث أخبار سقطاتك وضعفك وحاجتك على مسمعه أو مقروء عينيه، ولا تحدث بكل نعم الله عليك.
بل احتفظ من ذلك كله بأشياء داخل نفسك؛ حتى لا تُستذل ولا تُستغل، ولا تحسد ولا تندم أنك أفرغت كل ما في دلائك لصديق أو قريب؛ استسقاك أو لم يستسقك.
بل أبقِ لنفسك مخزنًا غير قابل للاستخدام، واجعل لك صندوق طوارئ، ولا تستهلك كل كروتك في علاقاتك، وأبقِ لك ورقة رابحة لوقت الحاجة؛ فإن النفوس تتغير، والأحوال تتبدل، والأخلاق تنقلب، والطباع لا تستوي.
والعاقل من حرس نفسه بحكمته وصبره وفطنته، واستفاد من القنفذ قبل أن يوخز بأشواك قنافذ البشر.
[1] رواه الترمذي، والبيهقي، وغيرهما، وهو صحيح.
