
يصدر كتاب «وجهة القلب: فلسفة الشعائر الإسلامية بين التفكر والتذوق» للخبير التونسي الكندي في مجال تكنولوجيا المعلومات محمد بن جماعة، عن دار العلوي للنشر والتوزيع بتونس، بوصفه محاولة فكرية هادئة لإعادة فتح ملف طالما ظل حاضرًا في الذاكرة الدينية، لكنه لم يُقرأ بما يكفي من العمق الفلسفي والإنساني: كيف يمكن للشعائر الدينية، التي اعتاد العقل المسلم التعامل معها بوصفها أحكامًا فقهية أو عادات تعبّدية أو منظومات سلوكية، أن تستعيد معناها الوجودي والروحي دون أن تفقد جذورها الشرعية أو تنزلق إلى خطاب عاطفي انفعالي يلغي الوعي الوجودي؟
لا يكتب المؤلف من موقع الإفتاء ولا يمارس خطابًا وعظيًا تقليديًا، بل ينطلق من مساحة التأمل الفلسفي التي تسعى إلى إنقاذ الشعيرة من ابتذالين متقابلين: ابتذال التدين الشكلي الذي يحبس العبادة في قفص الطقوس، وابتذال القراءة الحداثية التي تفصل الأخلاق عن العبادة وتتعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا أخلاقيًا مكتفيًا بذاته. وبين هذين الحدّين يحاول الكتاب أن يرسم طريقًا ثالثًا، يقوم على ما أسماه العقلانيه الروحانيه أو التفكر والتذوق – طريقاً لا يلغي الذوق ولا يُقصي الفقه ولا يستسلم للتجريد الفلسفي البارد، بل يُحاول أن يُعيد العبادة إلى قلب الإنسان، لا بوصفها حركة جسدية شكلية فحسب، بل باعتبارها تجربة تتجه إلى الداخل.
ينطلق الكتاب من فرضية جوهرية مفادها أن الإنسان الحديث لا يعاني نقصًا في المعلومات الدينية بقدر ما يعاني نقصًا في المعنى والرمز. فالعبادات، كما تُدرّس في صورتها التعليمية السائدة، تُقدَّم غالبًا بوصفها شروط صحة وفروضًا وأحكامًا ومسائل عملية، بينما يعيد المؤلف طرح الأسئلة الأولى التي تبدو بدهية لكنها حاسمة: لماذا نصلي؟ لماذا نصوم؟ لماذا نزكي؟ ماذا تفعل هذه العبادة في داخل الإنسان؟ وأي صورة للذات تريد أن تُعيد تشكيلها؟ ومن هذه الزاوية لا يبدو الكتاب شرحًا لأحكام العبادات بقدر ما هو محاولة لتحريرها من ضيق الشكل إلى أفق الحضور، ومن الممارسة الاعتيادية إلى العبادة الواعية، ومن المعرفة الذهنية إلى الوعي الوجودي بمعنى العبادة ودورها في تشكيل الذات.
يخوض المؤلف كذلك في جدلٍ مركزي يشغل الفكر الديني المعاصر: هل يمكن للأخلاق أن تُغني عن الشعائر؟ وهل تكفي الشعائر وحدها لبناء إنسان فاضل حتى لو كانت منفصلة عن العدالة والرحمة والسلوك العام؟ يرفض الكتاب كلا التصورين، سواء أكان ذلك في صورته العلمانية التي تكتفي بالأخلاق الإنسانية المجردة، أم في صورته التدينية التي تكتفي بالطقوس دون أثرٍ في الوعي والسلوك. ويقدّم أطروحته بوضوح: الأخلاق تنقذ الشعائر من التحول إلى طقوس ميتة، والشعائر تنقذ الأخلاق من التحول إلى منظومة نفعية باردة. ومن هذا التوازن يتشكل العمود الفقري للفكرة المركزية في الكتاب.
لا يخاصم المؤلف الفقه ولا يعادي التصوف، لكنه يراجع كليهما من الداخل. فالفقه، كما يرى، نجح في ضبط الشكل والسلوك لكنه لم يكن دائمًا معنيًا بالسؤال الوجودي للعبادة، بينما قدّم التصوف عبر تاريخه طاقة وجدانية وروحية عميقة لكنه ترك في بعض لحظاته الباب مفتوحًا لاستبدال الحضور الروحي بالعاطفة الغائمة. ومن هنا تنشأ فكرة ما أسماه «العقلانية الروحانية» بوصفها محاولة لإيجاد توازن بين الذوق والوعي، روحانية محكومة بالفكر ولا تذوب في الانفعال ولا تختبئ خلف الشكليات، بل تحاول أن تقترح أفقًا معرفيًا جديدًا للشعائر يتجاوز الثنائية المكرورة بين الظاهر والباطن دون أن يلغي أيًّا منهما.
أحد أهم أقسام الكتاب هو حواره المباشر مع الأسئلة الاعتراضية الحديثة التي تواجه الدين في زمننا الراهن: لماذا يحتاج الإنسان إلى العبادة أصلاً؟ وإذا كان الله رحيمًا فلماذا يوجد الشر والمعاناة؟ وهل العبادة قيد على حرية الفرد أم بابٌ للتحرر الداخلي؟ ولماذا الصلاة خمس مرات بهذه الصورة تحديدًا؟ ولماذا لا تكون العبادة وجدانية بلا طقوس؟ وما جدوى الذكر والصلاة في عالم الإنتاج والسرعة والاستهلاك؟ لا يتعامل المؤلف مع هذه الأسئلة بأسلوب جدلي تقريري، بل يحاول إعادة تأهيل معنى العبادة بوصفها حاجة إنسانية قبل أن تكون التزامًا فوقيًا، ومشروعًا للوعي قبل أن تكون ممارسة شعائرية، وأفقًا للمعنى لا مجرّد نظام تكليفي.
قيمة الكتاب لا تكمن في كونه عملًا صادمًا أو ثوريًا في لغته أو هندسته الفكرية، بل في كونه محاولة هادئة لترميم الجسر بين الشعائر والإنسان، بين التكليف والوعي، وبين النص والتجربة الروحية. إنه كتاب لا يخاصم التراث ولا يذوب في الحداثة، بل يسائل الاثنين بقدرٍ متوازن من الاحترام والنقد. وهو أقرب في روحه إلى كتابة مالك بن نبي في بعدها الإنساني، وإلى محاورات طه عبد الرحمن في أخلاق المعنى، وأكثر ابتعادًا عن خطاب الوعظ المباشر أو التضاد الفكري الصدامي.
وعلى الرغم من أن القارئ النقدي يستطيع أن يطرح أسئلة إضافية — من قبيل: إلى أي مدى يمكن اختبار العلاقة بين الشعائر والتحول الأخلاقي على المستوى الاجتماعي؟ وهل تكفي القراءة الذوقية والفلسفية لإحياء العبادة في المجال العام؟ وهل يغلب الخطاب الروحي في بعض المواضع على التحليل السوسيولوجي والتاريخي؟ — فإن الكتاب يظل نصًا تأسيسيًا في سؤال «معنى العبادة»، ومحاولة جادة لإعادة الشعائر إلى قلب التجربة الإنسانية، ودعوة إلى أن نصلي لأننا نحيا بالصلاة ونستعيد بها توازننا الداخلي، لا لأننا نؤدي فعلًا شكليًا وحسب.
إن «وجهة القلب: فلسفة الشعائر الإسلامية بين التفكر والتذوق»، الصادر عن دار العلاوي للنشر والتوزيع، عملٌ يستحق القراءة والتأمل، لا بوصفه كتابًا في الفقه أو التصوف أو الجدل الكلامي، بل بوصفه نصًا تأمليًا يحاول أن يقول إن العبادة ليست فعلًا يمر عبر الجسد وحده، بل مشروعًا يُعيد بناء معنى الوجود داخل الإنسان، وإن الطريق إلى الله — كما يقترحه المؤلف — ليس طريق الخضوع وحده ولا طريق الذوق وحده، بل طريق الوعي والتزكية والمعنى معًا؛ كتاب يُقرأ ببطء، ويواصل أثره خارج الصفحات، لأن حضوره الحقيقي يبدأ بعد الفراغ من قراءته.

عرض تشويقي جميل يبدو الكتاب جديد في بابه