أشتات

العقول على قدر الزمان

روى الحافظ ابن عبد البَرِّ (المتوفى: 463هـ) رحمة الله عليه في كتابه “بهجة المجالس وأنس المجالس (ص: 117)” عن التابعي الجليل مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير (المتوفى: 87هـ)  رحمه الله تعالى، قال: “عقولُ كلِّ قوم على قدر زمانهم”.

ما أعظم هذه العبارة، وما أسدّها، وما أنصعها في جبين الحكمة والحصافة، وما أصدقها في الواقع البشري قديمه وحديثه.

 إنها حكمة حكيمة تصف المجتمعات الإنسانية وصفًا دقيقًا، وتختصر ترجمة مشاعرها وآمالها، وتفكيرها وأعمالها ومواقفها في هذه العبارة البليغة، التي تنحدر من عقل كبير، وذهن وقاد منير، قرأ الحياة قراءة دقيقة ثم أصدر هذا التقرير الوجيز الذي خلده الزمان.

عندما نرجع إلى الماضي الجميل، ونقلب صفحاته، ونقرأ في سير أهله، ونتأمل في تاريخ جيله؛ سنجد الاحتفاء بالعظمة والشرف، والشجاعة والنجدة، والعزة والكرامة، والكرم والنبل، وحماية الجار وإغاثة الملهوف، والأعمال السامية، والغايات المجيدة، والانشغال بالنافع المثمر، في صغار القوم وكباره على حد سواء.

ولعل من الأسباب لذلك السمو في التفكير والعمل والهدف: نقاء الروافد المعرفية التي تنضح بالجد والصدق والبناء، وسلامة البيئات التربوية المتعددة، التي تنبض بالأمانة والشعور بعظم المسؤولية.

ومن قرأ في كتب السير والأدب رأى نصاعة تلك الحياة، واستقلالية التفكير فيها، وأبصر خلال بيوت أهلها حسن التربية للنشء على محاسن الشيم، ودماثة الخلق. ولتسهيل طريق البحث في ذلك يقرأ المريد أدب الوصايا الأبوية، وسيلفي فيها ما ذكرنا.

ولو ألقينا نظرة عابرة على زماننا هذا وتأملنا في ثنايا ما نسمع ونشاهد ونتابع ونعايش ونقرأ؛ فإننا سنجد أن الأمور لم تعد كما يحب العقل السامي، والتفكير المشرق، والقلب النقي.

لقد تقاطرت الجموع، وكثر الزحام، واضطربت أَلَياتُ العقول حول أصنام التفاهة، التي تعني في معاجم العربية: القلة والخساسة والحقارة، فغدا كثير من الناس منشغلين بمتع الأجساد وشهواتها، معتكفين على ضياع الأوقات باللهو والعبث، من غير نظر متأمل في بناء العقل، وإصلاح النفس، والاستعداد للحياة الأبدية.

 ولا أدل على ذلك من مرور سريع على صفحات وسائل التواصل ومواقع الشابكة العنكبوتية؛ لنرى حجم الكارثة في كثرة متابعة المحتويات الآسنة، أو التافهة، وزيادة مشاهداتها، وكثرة الإعجابات والتعليقات عليها، وتمجيد أصحابها وتلميعهم، وكثرة الاحتفال بهم.

 في حين نجد الخفوت الكبير، والمقاطعة المستمرة للمحتويات المفيدة، لاسيما المحتوى الديني الناصع، والعلمي النافع، والأدبي الهادف.

ومن البلية العقلية في هذا الزمان كذلك أن نجد أن الألعاب الاليكترونية قد اجتاحت مساحات العقول، واستولت على الأوقات لا نقول: في جيل الأطفال والشباب، بل بكل أسى نجد ذلك في بعض الكهول والرجال الذين صاروا يقضون الساعات الطوال -مدمنين- وهم يتقلبون في أوديتها اللاهية، وحمأتها النتنة، ودِنانها المسكرة.

أما لو سألت الكثير عن آمالهم، ورجاءاتهم المستقبلية؛ فسيحاصرك الكمد من تفاهة تلك الأماني المرجوة التي لا صلة لها ولا قرابة بالغايات الحميدة، والآفاق السامقة.

إذن كيف ستكون عقول أهل هذا الزمان في القضايا الكبيرة، والمواقف التي تحتاج إلى الجد والشهامة، وسلامة الخُلق، وطهارة النفس، واتساع العقل!

لم يعد خافيًا أن هذا الزمن زمان يُراد لأهله من قبل أعداء الإنسانية: وأد العقول، وتنجيس النفوس، وجفاف الأرواح، وذبول الذات، والتبعية المستمرة للموجِّه الخائن.

ولا نجاة من ذلك المخطط الشيطاني الذي يغري ببضاعته المهلكة إلا بالتحرر الذاتي الذي لا ينتظر التحرر الجمعي، والانطلاق نحو بناء العقل والنفس والروح في المساحات الفكرية والأخلاقية الآمنة، التي تعرّف الإنسان غاية وجوده وعظمته ومهمته في آن واحد؛ وذلك بالرجوع إلى نصوص الشريعة الإسلامية من قرآن وسنة بفهم مستقيم، وقراءة متأنية في التراث الخالد القويم الذي خلفه السلف للخلف في مجالات المعرفة المتنوعة، خاصة في ميادين الأخلاق الفاضلة، والقيم النبيلة، التي تزخر بها كتب التاريخ والتراجم، والأدب والشعر النبيل.

مع متابعة الجيد مما أنتجه عقلاء عصرنا، مما يربط النفس بخالقها، وفطرتها المستقيمة، ويجذر علاقتها بالماضي المشرق، ويدعوها إلى استثمار العقل في بناء النفس والحياة على قواعد الفضيلة والصلاح.

لكننا بعد هذا نقول: رغم هذا الغثاء الذي يميز مرور زماننا، والقتار الكريه الذي يعكر آفاق هذا العصر بكدره؛ لازال هناك بقايا صالحة ممن استعصوا على مفسدات الواقع، ونأوا بأنفسهم بعيداً عن سلطته المدمرة، فعاشوا للشيم النبيلة، محروسين بحصون الفضيلة، تنهل عقولهم من المنابع الصافية، وتعرف قدر الرسالة الإنسانية في هذه الحياة، فتربّوا وربّوا على الجد والنبل، والقيم الجمالية للحياة البشرية، فعاشوا بأفكار سامية، ورؤى مستنيرة، وأنتجوا أعمالاً كثيرة نافعة، وحافظوا على ألبابهم من الوصول إلى أيدي النخاسين في أسواق الرق المعاصر.

غير أن أعلاهم منزلةً، وأقومهم طريقة، وأنفذهم بصيرة، وأرزنهم حِجا؛ أولئك الذين سخروا الحياة ووجودهم فيها للعمل بما يرضي خالقهم عنهم، فكسبوا سلامة العيش الدنيوي، ولم يخسروا سعادة العيش الأخروي. ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾[الزمر:18].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى