
توطئة:
كان حديثنا في الحلقة الماضية عن مقام العبد الرسول الذي آثره النبي عليه الصلاة والسلام على مقام الملك الرسول، ومن خلال سبر المقام والكشف عن آثاره المسلكية في حياة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام اتضح بجلاء تنزه النبي عليه الصلاة والسلام عن شبهة الملك وتوريثه، وأنه لم يكن من أهدافه ولا من سيرته ولا من هديه ولا من دعوته أن يؤسس ملكًا ومجدًا وسلطانًا للعشيرة من بعده، بل كان عبدًا رسولاً، لا يحوز مالاً يقتسمه الورثة من بعده، ولا مُلكًا يجعله في عقبه.
ووعدنا في ختام الحلقة الماضية أن نتناول مسألة اشتراط القرشية فيمن يتولى أمر الولاية العامة؛ كون المسألة لصيقة بأسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، ولأن كهنة الأسطورة استندوا عليها في تعضيد مزاعمهم بالتفوق العرقي، والاستعلاء الطبقي، والحق الإلهي في السلطة.
نظرية مصادمة للدين تجاوزها الواقع:
نشأت نظرية حصر الإمامة (الخلافة) في قريش في ظرف تاريخي حصل فيه تبديل وتحوير لبعض قيم الإسلام لاسيما السياسية منها، حدث ذلك تحت تأثير الصراع السياسي وحمولة الأفكار الوافدة، وكل المحاولات التي بذلت لإضفاء الشرعية الدينية على النظرية كانت محاولات ترقيعية لا تثبت أمام النقد والتمحيص.
وعند إمعان النظر في النظرية سنجد أن الواقع التاريخي تجاوزها مرارًا وتَكرارًا؛ لأنها غير واقعية من جهة، ولأنها تصادم روح وطبيعة الإسلام العالمية من جهة أخرى، وإن كان هذا لا يعني التقليل من خطورتها؛ لا سيما وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأسطورة العشيرة المقدسة وحقها الإلهي المزعوم في السلطة.
خطورة النظرية:
تكمن خطورة نظرية حصر الخلافة في قريش في أنها قدمت الإسلام مشروعًا سياسيًا طبقيًا، وهذا التصور يتناقض مع روح وقيم الإسلام، وفيه اختزال للرسالة الربانية الخاتمة اختزالاً يناقض عالميتها وإنسانيتها.
إن مما يميز رسالة الإسلام أنها ربانية المصدر، عالمية التوجه، إنسانية النزعة، وإنّ مما يسيء إليها أبلغ إساءة أن يقال: إن في تعاليمها ما يوجب حصر منصب الرئاسة العليا للسلطة السياسية في قبيلة أو عشيرة، بحيث تصبح حقًا إلهياً متوارثًا في سلالةٍ بعينها إلى قيام الساعة!
ويزداد الأمر سوءاً وتنفتح شهية الطاعنين في الإسلام أكثر حين تكون تلك القبيلة هي القبيلة التي ينتسب إليها النبي عليه الصلاة والسلام، أو حين تكون تلك العشيرة تدعي انتسابًا إليه؛ إذ تتطرق حينها شبهة المُلك وتوريثه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الشبهة التي حرص النبي عليه الصلاة والسلام على نفيها قولاً وعملاً كما مر معنا في الحلقة السابقة.
ومن مواطن الضعف في الفكر السني تعامله مع نظرية حصر الإمامة في قريش على أنها من باب الخلاف الفقهي أو الفكري السائغ، ويؤسفنا القول: إن هذا المنظور لا يعكس قصورًا في النظر فحسب، ولكنه أيضًا يعكس سطوة التشيع السياسي الذي فرضته ورسخته الدولة العباسية، وقد ساعد على تفشي النظرية في الوسط الفكري الإسلامي أمران:
الأول: عدم استحضار ميزان القيم الإسلامية معيارًا حاكمًا على الأفكار والتصورات والمفاهيم.
والثاني: الغفلة عن المآلات والنتائج والثمار السيئة للنظرية.

حجج داحضة ومغالطات زائفة:
نشأت نظرية حصر الإمامة في قريش في سياقٍ اجتماعي وسياسي وفكري مأزوم، ولما كان ذلك السياق التاريخي هو الحاكم في المسألة، فإن كل الحجج النصية التي سيقت لتأييد النظرية لم تسلم من التكلف والتعسف ولي أعناق النصوص بعيدًا عن مواردها ومقاصدها، وحيث إن القرآن الكريم لم يأت فيه نص يدل من قريب أو بعيد على النظرية، فقد توجهت الأنظار إلى التماس الحجة من الحديث، ويمكننا القول إن الاحتجاج بالحديث على اشتراط القرشية في الخليفة أو الحاكم المسلم قام على ثلاث مغالطات زائفة، وهي: الزعم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه احتج على الانصار بحديث الأئمة من قريش، وعزل كلام الصديق في السقيفة عن سياقه الظرفي، وتحميل الحديث معنى لا يحتمله ولا يصح احتماله له، وفيما يلي تفنيد هذه المغالطات الثلاث:
المغالطة الأولى: الزعم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه احتج على الأنصار بحديث الأئمة من قريش:
وهذا وهم شاع لدى كثير من الوعاظ والفقهاء من أهل السنة، والحقيقة أن الاحتجاج بالنص لم يقع في السقيفة لا من أبي بكر الصديق، ولا من غيره من الصحابة رضي الله عنهم، وإنما وقع الاحتجاج من الأنصار بالنصرة، ووقع الاحتجاج من أبي بكر بمكانة قبيلة قريش في نفوس العرب، وبمعهود العرب حينها، فقال: ((ما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً))[1].
فوقع الوهم لكثيرين أن أبا بكر الصديق احتج بحديث: ((الأئمة من قريش))، وقد بين الحافظ ابن حجر خطأ هذا الوهم، إذ نقل عن ابن التين أن الأنصار قالوا: ((منا أمير ومنكم أمير)) فلما سمعوا حديث: ((الأئمة من قريش)) رجعوا عن قولهم وأذعنوا، وتعقبه الحافظ بقوله: ((حديث: الأئمة من قريش… لم يقع في هذه القصة إلا بمعناه))[2].
قلت: قول الحافظ ابن حجر أن حديث: ((الأئمة من قريش)) وقع في السقيفة بمعناه، فيه تجوز وتساهل لا يخفى؛ والحق أنه لم يقع في السقيفة لا بلفظه ولا بمعناه.
قال العلامة المَقْبَلي: ((وقولهم إن أبا بكرٍ احتج على الأنصار بذلك [أي بحديث الأئمة من قريش] ليس بصحيح؛ لأن أبا بكر إنما تكلم برأيه، قال: إن العرب لا تعرف هذا الأمر لغير هذا الحي من قريش، هم أوسط العرب حسبًا ودارًا، وهذا اعتبار منه محض، ولا شك أنه اعتبار صالح نظرًا إلى تلك الحادثة، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الخلق، وقد يختلف الاعتبار في الحوادث، واجتماع المرافق المقومة لمقصود الإمارة))[3].
المغالطة الثانية: عزل كلام الصديق في السقيفة عن سياقه الظرفي وشرطه الموضوعي حينها:
أوضحنا في تفنيد المغالطة الأولى أن الصديق رضي الله عنه لم يحتج بحديث الأئمة من قريش، وإنما احتج بمكانة قبيلة قريش في نفوس العرب حينها، ويجب هنا التنبه للفرق بين قول الصديق: ((ما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً)). وبين الحديث الذي يقول: ((الأئمة من قريش))[4]؛ فالحديث يجعل الإمامة في قريش بإطلاق ودون تقييد بحيثيات ظرفية، وهو ما استند إليه مروجو أسطورة الحق الإلهي في السلطة للعشيرة، وأما كلام الصديق فهو مُسبب بسبب، ومقيد بالواقع الظرفي الموجب حينها لأن تكون الخلافة في قريش، وهو قابلية القبائل العربية لأن يكون الخليفة من قريش لاعتبارات تتعلق بمكانة قريش الدينية والاجتماعية قبل مجيء الإسلام وبعده، وهو ما يحقق مصلحة اجتماع الكلمة حينها، ويقطع دابر النزاع والشقاق والصراع بين القبائل العربية، لا سيما وكثير من تلك القبائل حديثة عهد بالإسلام، ولا زالت تعيش بمفاهيم وتصورات القبيلة في المجال الاجتماعي والسياسي، وقد روى مسلم (4804) وغيره حديثًا يؤكد هذا المعنى، ونص الحديث: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن ، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم))، وأخرجه أبو عوانة في مسنده (6969) بلفظ: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن – أراه يعني الإمارة – مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكفارهم)).
وهذا ما جعل أهل النظر والتحقيق يقولون: إن اشتراط القرشية قد زال بزوال القوة العصبية لقبيلة قريش، كما ذهب إليه ابن خلدون وغيره.
المغالطة الثالثة: تحميل الحديث معنى لا يحتمله ولا يصح احتماله له:
يتضح مما سبق أن حديث الأئمة من قريش لم يقع الاحتجاج به في السقيفة، لا بلفظه ولا بمعناه، وهذا خبر السقيفة عند الطبري وغيره من المؤرخين وليس فيه الاحتجاج بالحديث، وهذا أمر ملفت للنظر، ويثير تساؤلاً حول مدى ثبوت الحديث من الأساس؛ إذ لقائل أن يقول: إن كان الحديث ثابتًا فكيف لم يحتج به أحد من الصحابة في السقيفة مع مسيس الحاجة إليه لرفع الخلاف؟!
نحن هنا أمام ثلاثة احتمالات:
الأول: أن الحديث قد خفي على الصحابة المجتمعين كلهم في السقيفة، وهذا بعيد.
والثاني: أن الحديث لم يخف عليهم، ولكنهم علموا أن لا حجة فيه، ولذلك لم يحتج به أحد منهم.
والثالث: أن الحديث غير ثابت أصلاً، وقد جاء عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث: ((الأئمة من قريش )) فقال: لا ينبغي أن يكون له أصل! كما في المنتخب من علل الخلال لابن قدامة المقدسي، وشرح علل الترمذي لابن رجب، والكامل لابن عدي[5] وأعله الدارقطني[6].
ولن نعول هنا على مسألة الثبوت من عدمها؛ لأن الحديث حتى على ثبوته لا دلالة فيه على اشتراط القرشية في الخلافة (الإمامة العظمى، أو رئاسة الدولة)، والاستدلال به على ذلك من تحميل الكلام مالا يحتمل؛ ذلك أن الحديث في كل رواياته جاء بالصيغة الخبرية التي لا تفيد أمرًا ولا نهيًا، قال العلامة المَقْبَلي: ((حديث: (الأئمة من قريش) رواياته بحسب المعنى كثيرة، والظاهر فيها الخبر، ألا ترى أن في بعضها: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)[7]. وفي بعضها: (الناس تبع لقريش في الخير والشر)[8] ولا يأمر النبي صلى لله عليه وسلم باتباع الشر، وقد تكلف الناس الاستدلال بتلك الأحاديث على الإمارة، أي: الخلافة في قريش، وأنها محصورة فيهم، وكان يلزمهم أن القضاء محصور في الأزد، والأذان في الحبشة))[9].
قلت: يشير العلامة المَقْبلي إلى ما روي عنه عليه الصلاة والسلام: ((الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والشرعة في اليمن، والأمانة في الأزد))[10]، وهو حديث خبري كحديث: ((الأئمة من قريش))؛ فلا يفيد أمرًا ولا نهيًا؛ ولذا لم يقل أحد أن الأنصارية شرط في القضاء، فلا يتولى القضاء إلا أنصاري! أو أن الحبشية شرط في الأذان، فلا يؤذن إلا حبشي!
وقال العلامة الحسن بن أحمد الجلال: ((وقالوا: أحاديث (الأئمة من قريش) كثيرة صحيحة. قلنا: إخبار بما يكون، لا بما يجب))[11].
خلاصة:
نخلص مما سبق إلى أن مسألة الإمامة أو رئاسة الدولة في الإسلام، هي مسألة محكومة بالمصلحة العامة التي قد يختلف الناس في تقديرها تبعاً للظروف والأحوال، وأنه لا نص صحيح صريح يجعل الإمامة العظمى في قبيلة قريش أو في غيرها، بل ذلك يتنافى أشد المنافاة مع مبادئ وقيم الإسلام.
ورحم الله العلامة نشوان بن سعيد الحميري إذ يقول:
حصروا الخلافة في قريش ضَلّةً
هم باليهود أحـق بالإلحاقِ
جهلاً كما حصر اليهود ضلالةً
إرث النبــــــوة في بني إسحـاقِ
وفي الحلقة القادمة سيكون حديثنا عن الظروف والملابسات التاريخية التي أدت إلى تموضع شرط القرشية داخل مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن ذلك التموضع هو الذي أدى إلى سيطرة أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي في السلطة على العقل الجمعي للأمة، كما أدى إلى إضعاف الفكر السياسي الإسلامي، وإلى خلق مفارقات غريبة في تاريخنا.
[1] الإمام محمد بن جرير الطبري، أبو جعفر: تاريخ الأمم والملوك (2/235). ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1407هـ. الحافظ ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء: البداية والنهاية(5/216). ط5، دار الجيل، بيروت1409هـ ــ 1988م.
[2] الحافظ ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ( 7/ 32).
[3] العلامة صالح بن المهدي بن علي المقبلي: الأبحاث المسددة في فنون متعددة. مكتبة الجيل الجديد ، صنعاء ، ط الأولى1428هـ/ 2007م، (ص348).
[4] أخرجه أحمد (12900)، والنسائي(5942) والحاكم في مستدركه (6962) والطيالسي (2247) ومن طريقه البزار (6181) وأبو يعلى (3644). وقد صححه بعض أهل العلم بمجموع طرقه وشواهده.
[5] ينظر: المنتخب من علل الخلال (ص: 18)، شرح علل الترمذي لابن رجب (ص:307)، الكامل لابن عدي (1/ 246).
[6] العلل للدارقطني (3/198- 199)، (12/ 18- 19).
[7] متفق عليه من حديث عبدالله بن عمر.
[8] أخرجه مسلم (1819).
[9] العلامة صالح بن المهدي بن علي المَقْبَلي: الأبحاث المسددة في فنون متعددة: (ص348) مرجع سابق.
[10] أخرجه أحمد (8746) والترمذي (3936)، وابن أبي شيبة (33062) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1084).
[11] العلامة الحسن بن أحمد الجلال: العصمة عن الضلال. (ص:125)، ضمن كتاب: العلامة والمجتهد المطلق الحسن بن أحمد الجلال.. حياته وآثاره (دراسة ونصوص محققة)، جمع وتحقيق: أ. د. حسين بن عبدالله العمري، والقاضي: محمد بن أحمد الجرافي. دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ط1، 1421هـ/2000م.




