
ها هي صباحاتي تختلف كليةً عن صباحاتي السابقة، أستيقظ على ملمس أصابعك الصغيرة وغفواتك المتكررة، وأتذكر أني لم أنم سوى سويعات البارحة، وأشعر بثقل الأيام وتعبها الذي ابتدأ منذ شهور طويلة، منذ أن ارتسم خط أحمر في خانة بلاستيكية أعلمتنا بوجودك حقيقةً، بعد أن كنت مجرد فكرة ثم حلم..
استشعرت معنى (وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ)، (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) .. أقولها لك بملء فيّ لن تفهمي معنى هذه الآيات، ولن تعرفي قيمة وجودي في عالمك إلا بعد أن تخوضي ذات التجربة.
أتأمل عينيك، وأذنيك، شفتيك وأظافرك الصغيرة. وأردد في نفسي غير مصدقة: يا رب هذا الإبداع وهذا الجمال ما خلقت هذا باطلًا -سبحانك-، فقِنا عذاب النار .. وكأنني بتأملي إياك أرى الإعجاز المكنون بالجمال في ثنايا السماء، وفي سعة البحر وفي تباين المخلوقات المخزنة في ذاكرتي..
أختزل فيك كافة الدهشات التي عبرتها طيلة حياتي، وأدرك أن متعة الأمومة -رغم صعوبتها- لا يُضاهيها متعة في الوجود، وأحمد الله أن أذاقني هذا الكأس بلطفه؛ إذ لم أكن لأدرك هذه التجربة بأبعادها، لولا رحمته وحكمته. تتكئ كتبي ومشاريعي في جوانب نظري، وترمقني بقلق وملل؛ إذ لا تعرف مصيرها الحالي في ظل انشغالي المطلق بهذا المخلوق الجديد..
لأصدقك القول، قلقت من فكرة الأمومة لعدة أسباب؛ أبرزها النظرة الدُّونية الكامنة للمرأة التي تحصر دورها في انشغالات المنزل والصغار، دون أن تكون فاعلة في المساحات العامة. ثم أدركت أن هذا الفهم ساد بسبب سلطة الثقافة الغربية السائدة، إذ يهمش دور الام -رغم أهميته- لأنه لا يسير ضمن رحى الرأسمالية الطاغية.
وينظر إليها كعبء اقتصادي، ودور ثانوي، بل وتصور كشخصية جاهلة وغبية؛ لأنها تهدر ساعات حياتها مع النشء دون مقابل مادي يمكن للرأسمالية قياسه. لن أبالغ إن قلت إني عشت صراعًا مريرًا في مواجهة هذه الأفكار، وأظن كثيرًا من النساء -بغض النظر عن الدين والثقافة- خُضن ذات المعركة بسبب هيمنة الأفكار العلمانية بصبغتها الغربية الموجهة لخدمة الرأسمالية. بعض أولئك النسوة تمكن من حسم المعركة لصالح الفطرة وانتصر لأمومتهن. أما الأخريات -وهن الأكثر- سُحقن في رحى الرأسمالية اللامعة بضجيجها الطاغي.
هالني حجم تأثرنا بالثقافة الغربية الطاغية في ظل تراجعنا الحضاري، وببعض التأمل وجدت أن مربط الفرس هو قضية المرأة، وهي قضية رغم الضجيج الذي أثير حولها منذ كتابات قاسم أمين والإمام محمد عبده؛ إلا أنها لم تأخذ حظها من البحث والتفنيد والإصلاح، فبمجرد أن يطرق ملف المرأة يغلف خطابها بالتهديد الغربي والهزائم الحضارية التي منيت بها مجتمعاتنا العربية والمسلمة. وبالتالي يفرغ مضمون القضية من حقائقه ويصبغ بمعان استباقية تهمش القضايا الأساسية وتغرق ملف المرأة في قضايا ثانوية.
لطالما تساءلت بشكل جدي: لماذا لا يوجد امرأة أسست لمذهب شرعي على غرار المذهب الحنفي والشافعي.. إلخ .. بمجرد أن يطرأ مثل هذا السؤال تقفز الإجابات الجاهزة المشيرة إلى أسماء شيخات ومعلمات مؤسسي هذه المذاهب، كما تطرأ الإجابات المصنفة ضمن إطار التعجيز(وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ)!
ولم أجد حتى الآن إجابة مقنعة، لكني أرى الواقع الاجتماعي المتخلف الذي يغلف المرأة بالعورة والعبء تحت أسماء وأمثلة مختلفة، وأجد إجابات متعددة لسؤالي. لكني لا أستطيع الجزم بإحداها لتعددها وتداخلها. ومنها على سبيل الذكر لا الحصر، ثقافة تفضيل الذكر على الأنثى باعتباره الراعي الأساسي للأنثى، وهي ثقافة دللت كثيرًا من الذكور في كثير من الأسر؛ لتختفي معاني الرجولة رويدًا رويدًا في بعض المجتمعات.
هذه الثقافة تغرس -بقصد وبدون قصد- النظرة الدونية للذات لدى الأنثى، وهي نظرة تدفع الكثير من النساء إلى حصر وجودهن في إطار الأنوثة البحتة، ليصبح همُّ الجمال هو الأبرز في الوعي الجمعي، ويصبح هدف الإنجاب هو الغاية القصوى التي يمكن للمرأة أن تنال بها اعتراف وقبول المجتمع. ولا أدري إن كان هذا هو السبب الرئيسي الذي عانت منه مجتمعاتنا في حقبها التاريخية المختلفة، لكنه في حقبتنا سبب يتجلى في أوجه عديدة؛ إذ يصبح جمال المرأة بطاقة عبور لنجاحها الشكلي، ورغم وجود نماذج من نساء جمعن بين وضاحة الوجه ورجاحة العقل، إلا أن أغلب النماذج تفيد بأن كثيرًا من راجحات العقل لم يحظين بفرص تعليم وعمل وقبول مقارنة بأولئك الوضيئات!
أما بخصوص الزواج و الإنجاب، فينظر له مجتمعيًا على نمطين: الأول على أنه الغاية القصوى التي يجب أن تطمح لها أي أنثى، لذا تحشر العازبات أو غير القادرات على الإنجاب في خانة الهوامش أو العوالق، وثمة أسماء لا يصرح بها المجتمع، لكنه يكنها ويغرسها في سلوكيات أفراده ونظرتهم للحياة.
أما النمط الثاني فينظر له على أنه عائق أمام الفتاة وطموحاتها، وهي نظرة منتشرة بشكل كبير وتكاد تعد مُسلَّمة لدى كثير من الأسر، حتى المتدين منها. هذه النظرة هي التي تدفع الكثير من الفتيات إلى العزوف عن الزواج واعتباره عائقًا ومشكلة من الأفضل عدم الخوض فيها، ونظرًا لأن الزواج سنة الحياة وفطرة بشرية ينتهي المطاف بكثير منهن في خانة المقعدات مهاريًا وحضاريًا بحجة انشغالات الزواج، وتحت هذه الذريعة تضيع الكثير من القدرات والفرص التي يمكن للمرأة أن تكون من خلالها فاعلة حضاريًا.
بالطبع يوجد أسباب عديدة أخرى تحول بين المرأة وبين تفعيل دورها حضاريًا، بل تحول بينها وبين قدرتها على التخلص من أعباء التخلف الحضاري والمجتمعي الذي كبلت به، كأن يترك عليها عبء تربية النشء منفردة في حين يتفرغ الزوج لطلب لقمة العيش، وفي ظل هذا العبء من الصعب أن يبرز دور المرأة إلا في دوائر ضيقة، لا تكاد ترقى إلى دوائر التأثير التي تتاح للرجل.
ناهيك عن النظرة النمطية التي تقصر دور المرأة في شؤون المرأة أو الأسرة والطفل! في حين ينبغي أن يكون للمرأة حضور ودور في شتى مجالات الحياة، إذ يسهم حضورها -في مختلف المجالات- في خلق نظرة متوازنة وفعل حكيم يأخذ مسارات الحلول من خانة التنظير إلى خانة التفعيل، خصوصًا وأنه سيركز على تفاصيل مختلفة عن تلك التي تشغل بال الرجل.
نحتاج إلى معالجة المظالم الحقيقية في واقع المرأة المسلمة، وهي مظالم في معظمها ثقافية لا صلة لها بالإسلام كدين، وبالتالي فهي تتفاوت وتختلف حسب السياقات الثقافية المختلفة، ولا ينفع أن تعالج من خلال خطاب إصلاحي موحد إلا في الخطوط العامة.
كما نحتاج إلى تجاوز حالة تكريس قضية المرأة كشماعة للإشكاليات الحضارية التي نعيشها، ناهيك عن ضرورة تجاوز الخطاب الحداثي الغربي النمطي الذي لا يتناسب مع مجتمعاتنا وثقافتنا، خصوصًا وقد ثبت تلفه وعوره على أرض الواقع.
وحتى نتمكن من تفعيل دور المرأة المسلمة حضاريًا نحتاج أن ننظر إلى أدوارها المتعددة بشكل متوازن؛ فلا يجب أن تحصر في خانة الأنوثة وحسب، بل يجب أن يغرس في النشء -ذكورًا وإناثًا- أهمية دور المرأة والرجل وتكاملهما، كما يجب أن تتبنى المجتمعات المسلمة رؤية وخطاب دعم تعدد أدوار المرأة داخل وخارج المنزل، ليس ضمن إطار المنظومة الثقافية الرأسمالية التي تكرس جهد المرأة والرجل -دون تفريق- بحجم الدخل والفائدة والإسهام الاقتصادي البحت، بل ضمن إطار منظومة التدافع الحضاري الإسلامي القائم على النفع، ولو بالقليل، إذ ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، كما أن قاعدة (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) ينبغي أن تبقى نصب أعيننا، وتشكل لنا بوصلة تؤطر نظرتنا للحياة.