أشتات

العرب ساحة لا طرفًا: في نقد سردية العداء الإيراني للعرب

المقدمة

منذ أن تفجّرت الحرب الحالية، وعادت الضربات والردود لتصيب منشآتٍ مدنية وبنىً للطاقة ومرافقَ حيوية في الخليج، عاد معها خطاب عربي واسع، شعبيًا وثقافيًا، إلى قراءة المشهد كلّه من زاوية واحدة: هذه هي الحقيقة التي كانت إيران تخفيها دائمًا، وهذه التطورات ليست إلا الدليل المتأخر على أن عداوتها الأصلية ليست موجّهة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بقدر ما هي موجّهة إلى العرب، وأن كل ما قيل طويلًا عن فلسطين، ومناهضة الهيمنة، ومواجهة الغرب، لم يكن إلا غطاءً لغويًا لمشروع قومي فارسي ينظر إلى المنطقة العربية بوصفها مجاله الطبيعي للصراع والاختراق.

وتزداد جاذبية هذا التفسير لأنه لا يفتقر إلى الوقائع. فثمة سجل إيراني ثقيل في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وثمة ضربات راهنة أصابت دولًا خليجية بالفعل، وثمة خوف عربي مفهوم من مشروع نفوذ لم يعد يحتاج إلى كثير من التخمين. لكن قوة هذا التفسير الخطابية ليست دليلًا على كفايته التحليلية، كما أن وفرة الوقائع المؤيدة لبعض جوانبه لا تعني أنه الإطار الأصح لفهم ما يجري. فالخطأ هنا لا يبدأ من الحكم على إيران وحدها، بل من العدسة التي تُقرأ من خلالها أفعالها، ومن طريقة تأطير الصراع نفسه.

أولًا: المشكلة ليست في الوقائع بل في طريقة تأطيرها

الإشكال لا يكمن في أن لإيران سجلًا مؤذيًا في المجال العربي، ولا في أن الذاكرة العربية مثقلة بصور التدخل والاختراق والتوظيف المذهبي في أكثر من بلد. فهذه أمور لا تحتاج إلى إنكار حتى نختلف في تفسيرها. الإشكال يبدأ حين لا تعود هذه الوقائع مادةً للفهم، بل تتحول إلى إطار جاهز يُفرض على كل ما يجري. عندها لا نقرأ الأحداث لنفهمها، بل نعيد ترتيبها داخل قصةٍ مكتملة سلفًا، ثم نعود فنتعامل معها وكأنها برهان جديد على صحة هذه القصة.

وهكذا تصبح كل ضربة على الخليج، وكل تدخل في بلد عربي، وكل خطاب مذهبي أو تعبئة طائفية، دليلًا إضافيًا على جوهر ثابت مفترض مقدمًا. وهنا لا يعود السؤال: ما الذي يحدث؟ وفي أي سياق يحدث؟ وما موقعه من بنية الصراع الإقليمي؟ بل يصبح السؤال، على نحو مضمر: كيف نثبت مرة أخرى أن ما كنا نعتقده منذ البداية كان صحيحًا؟ وعندما يصل التفكير إلى هذه المرحلة، يتعطل التحليل السياسي؛ لأن الحدث لا يعود يُقرأ في تعدد دلالاته، بل يُنتزع من سياقه ويُعاد إدخاله في معنى واحد سابق عليه.

ومن هنا، لا يبدو السؤال الصحيح هو: هل لإيران تاريخ عدائي ومؤذٍ في المجال العربي؟ فهذا، في جوانب منه، صار من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى إنكار أو مواربة. السؤال الأجدر هو: في أي إطار ينبغي أن يُقرأ هذا التاريخ، وهذه الحرب، وهذه الضربات؟ هنا بالضبط يقع الخطأ. فحين تُقرأ المنطقة من خلال افتراض صراع عربي–إيراني مكتمل، يُحجب عنا أمران معًا: الأول أن ما يجري في جوهره صراع على ترتيب الإقليم بين مشاريع كبرى، أميركية وإسرائيلية وإيرانية وتركية، تتخذ من الجغرافيا العربية ميدانًا مباشرًا أو غير مباشر؛ والثاني أن غياب مشروع عربي استراتيجي جامع هو ما يجعل كثيرًا من الدول العربية، ولا سيما الخليجية، تتلقى الصدمات بوصفها ساحات للصراع أكثر من كونها أطرافًا مستقلة فيه.

وعند هذه النقطة تحديدًا لا يعود المطلوب تبرئة إيران، بل تصحيح العدسة التي نرى بها ما تفعل؛ لأن العجز عن تسمية الصراع باسمه الصحيح لا يقود إلى فهم دقيق، بل إلى تعويض هذا العجز بسرديات النوايا، وإعادة قراءة التاريخ والحاضر معًا على نحو يريح الغضب، لكنه لا يفسر السياسة.

الزعيم المُنتظر لماذا يعجز اليمن عن إنتاج قيادة جامعة؟ 7 العرب ساحة لا طرفًا: في نقد سردية العداء الإيراني للعرب

ثانيًا: لا يمكن الحديث عن صراع إيراني–عربي من دون مشروع عربي

حين نصف ما يجري بأنه صراع إيراني–عربي، نكون قد افترضنا ضمنًا وجود طرفين متقابلين، لكل منهما مشروعه، ومصالحه، وأدواته، ورؤيته للمنطقة. لكن هذه هي النقطة التي لا يصمد عندها الوصف. فإيران، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، تتحرك في المنطقة من داخل مشروع واضح المعالم: مشروع دولة تربط أمنها الداخلي بامتداد نفوذها الخارجي، وتبني أدواتها السياسية والعسكرية والعقائدية على هذا الأساس. وكذلك تفعل تركيا، وكذلك الولايات المتحدة، وكذلك إسرائيل. أما حين نأتي إلى الجانب العربي، فإننا لا نجد، في المعنى الاستراتيجي الجامع، مشروعًا عربيًا مقابلًا يمكن أن ينتظم هذا الصراع بوصفه طرفًا فيه.

وهذه الحقيقة تظهر بأوضح صورها في الخليج. فالخليج لا يدخل هذه الحرب بوصفه مجرد «طرف عربي» في مواجهة إيران، بل بوصفه جزءًا من البنية التي تُدار عبرها الحرب أصلًا. ففيه قواعد أميركية رئيسية، ومنه يتموضع جانب أساسي من الوجود العسكري الأميركي في الإقليم، وعبره تمرّ شبكات الردع والتموين والانتشار. وهذا يعني أن الخليج، في الحساب العسكري، ليس مجرد جوار عربي لإيران، بل أحد المواضع التي تتجسد فيها القوة الأميركية في المنطقة. ومن هنا فإن ضربه، في العدسة الأولى، يُفهم بوصفه دليلًا على أن العرب هم الخصم الحقيقي، لأن الضربة وقعت في أرض عربية. أما في العدسة الثانية، وهي الأدق، فإن الخليج يُضرب لأنه ليس خارج الحرب بل في قلبها: هو مكان التموضع، ومجال الردع، وساحة الانتشار، والعقدة التي تتقاطع عندها القوة الأميركية مع الجغرافيا الإقليمية. ولهذا فإن استهدافه لا يثبت بالضرورة أن العرب هم العدو الأول، بل يثبت أن من يريد رفع كلفة الحرب على واشنطن لا يحتاج إلى ضرب التراب الأميركي ما دام يستطيع أن يضرب البنية التي تتموضع من خلالها هذه القوة في المنطقة.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين ننتقل من القواعد إلى الطاقة. فمشكلة الخليج، في هذا الصراع، ليست أنه عربي فقط، بل أنه أيضًا خزان الطاقة العالمي وأحد أعمدة النظام المالي الذي نشأ حول النفط والدولار والحماية الأميركية. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري إقليمي، بل شريان عالمي تمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز، بما يجعل منشآت الطاقة الخليجية والموانئ وخطوط التصدير حلقات مركزية في الاقتصاد العالمي نفسه. ومن هنا فإن ضرب البنية النفطية أو تهديدها لا يُقرأ، في المنظور البنيوي، على أنه مجرد فعل عدائي ضد دول عربية، بل على أنه ضرب لإحدى أهم العقد التي تربط الأمن الخليجي باستقرار الأسواق العالمية. فحين تهتز هذه العقدة، لا ترتفع كلفة الحرب على الخليج وحده، بل على الولايات المتحدة، وعلى أوروبا، وعلى آسيا، وعلى السوق الدولية بأكملها.

لكن منشآت الطاقة لا تؤدي دورًا ماديًا فقط، بل دورًا سياسيًا وماليًا أكبر. فالعلاقة التي تشكلت تاريخيًا بين الخليج وواشنطن لم تكن مجرد حماية عسكرية منفصلة عن الاقتصاد، بل قامت على معادلة مركبة: نفط يُسعَّر بالدولار، وفوائض تُعاد تدويرها في الأصول والأسواق المالية الغربية، ومظلة أمنية أميركية تحمي تدفق الطاقة واستقرار الأنظمة الحليفة. ولهذا فإن استهداف منشآت الطاقة الخليجية لا يضرب موردًا اقتصاديًا فحسب، بل يصيب أيضًا الحلقة التي تربط بين أمن الخليج، وتسعير النفط بالدولار، وإعادة تدوير الفوائض داخل النظام المالي الدولي. وهنا يظهر الفرق الحاسم بين العدستين: العدسة الأولى ترى أن الخليج يُضرب لأنه عربي، أما الثانية فتفهم أنه يُضرب لأنه يؤدي وظيفة استراتيجية ومالية تتجاوز هويته القومية، ولأنه يحتل موقعًا مركزيًا في معادلة الهيمنة والحماية معًا.

وعند هذه النقطة يتبين أن وصف ما يجري بأنه صراع إيراني–عربي لا يخطئ فقط في تسمية الأطراف، بل يخطئ أيضًا في تفسير سبب تعرض الخليج لهذا المستوى من الضغط. فالخليج، في هذا الوصف، يظهر كأنه يتلقى الضربات لأنه يمثل كتلة عربية مقابلة لإيران، بينما الواقع أن ما يجعله في مرمى النار هو أمر آخر أكثر تعقيدًا: أنه جزء من البنية العسكرية الأميركية في المنطقة، وجزء من البنية الطاقوية العالمية، وجزء من المعادلة المالية التي ساعدت لعقود على تثبيت مركزية الدولار. وبهذا المعنى، فإن قراءة استهدافه بوصفه دليلًا بسيطًا على «عداء إيران للعرب» تبقى قراءة ترى هوية المكان ولا ترى وظيفته. بينما  الخليج يُستهدف اليوم لأنه، بحكم موقعه ودوره، ليس هامشًا عربيًا خارج الصراع، بل واحدة من العقد التي يمر عبرها الصراع نفسه.

ولعل أكثر ما يكشف خلل تلك القراءة أنها كثيرًا ما تصدر عن الأصوات نفسها التي اعتادت، في نقاشات أخرى، تفسير استقرار الخليج لا بفعالية نظمه السياسية أو قدرته على إدارة التوازنات، بل بكونه جزءًا من المظلة الأميركية، أو بكون هذه الدول قد «باعت نفسها لأميركا» وارتهنت لأمنها وحمايتها، بخلاف الجمهوريات التي يراد تصويرها بوصفها أكثر استقلالًا أو أقل اندماجًا في البنية الأميركية. وقد خضتُ مرارًا نقاشات حادة مع هذا الاتجاه في سياق دراسة استقرار الخليج، وكان الاعتراض حاضرًا دومًا بالسرعة نفسها: ليس الاستقرار نابعًا من الداخل بقدر ما هو ثمرة الارتماء في الحضن الأميركي. لكن الغريب أن أصحاب هذا الطرح أنفسهم لا يرون اليوم تناقضًا في أن يتحول استهداف إيران للخليج، في نظرهم، إلى دليل على أن عداوتها الحقيقية ليست لأميركا بل للعرب. مع أن منطقهم السابق نفسه كان يقتضي أن يُفهم الخليج، في مثل هذه الحرب، بوصفه جزءًا من البنية التي تتموضع فيها القوة الأميركية، لا بوصفه كيانًا منفصلًا عنها. وهنا يظهر الاضطراب بوضوح: فإما أن الخليج، كما كانوا يقولون، جزء من معادلة الحماية والهيمنة الأميركية، وعندئذ يصبح استهدافه مفهومًا داخل الصراع مع واشنطن؛ وإما أنه طرف عربي مستقل يُستهدف لذاته بوصفه عربيًا، وعندئذ تسقط سرديتهم السابقة عن ارتهانه البنيوي للولايات المتحدة. أما الجمع بين الموقفين معًا، من غير الإحساس بأي تناقض، فلا يكشف فقط عن انفعال سياسي، بل عن رغبة في تطويع الوقائع لخدمة حكم سابق، مهما كان الثمن المنطقي.

ثالثًا: بين نقد المشروع الإيراني وسوء فهم التاريخ

غير أن الخلل في هذه القراءة لا يقف عند حدود الحاضر، ولا ينتهي عند سوء فهم وظيفة الخليج في الحرب الجارية، بل يمتد إلى طريقة كاملة في ترتيب التاريخ نفسه. فالاعتراض على هذا التأطير لا يعني إنكار حقيقة المشروع الإيراني، ولا التقليل من أثره التخريبي في غير موضع من العالم العربي، ولا تبرئة سياساته من التوظيف المذهبي، ولا التغاضي عن شبكات النفوذ التي نسجها في أكثر من ساحة عربية. فهذه أمور صارت من الوضوح بحيث لا يحتاج الإقرار بها إلى كثير عناء. لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل نقد هذا المشروع من كونه نقدًا سياسيًا لسلوك دولة لها مصالحها وأدواتها وطموحاتها، إلى كونه عدسة كلية تُقرأ بها المنطقة كلها، ماضيها وحاضرها.

عندئذ لا تعود إيران فاعلًا سياسيًا يمكن فهمه ضمن شروط الدولة والاستراتيجية والردع والفراغ الإقليمي، بل تتحول إلى جوهر ثابت، وإلى تفسير جاهز، وإلى مفتاح شامل يُرد إليه كل شيء. وهنا لا يختل فهم إيران وحدها، بل يختل فهم التاريخ نفسه؛ لأن العقل الذي يعتاد رد الحاضر كله إلى هذه الثنائية، لا يلبث أن يعيد تشكيل الماضي على صورتها، كأن الصراع العربي–الإيراني كان دومًا البنية التي تحكم المنطقة، وكأن ما نراه اليوم ليس إلا تجليًا متأخرًا لحقيقة قديمة ظلت كامنة تحت السطح.

وهذا، في جوهره، قلب للعلاقة بين التاريخ والسياسة. فالتاريخ الإسلامي، في امتداده الطويل، لم يتشكل على صورة خصومة عربية–فارسية دائمة، ولا على هيئة صراع قومي صافٍ بين مجالين متقابلين. بل تشكل، على العكس، داخل فضاء حضاري واسع تداخلت فيه الأعراق واللغات والمذاهب ومراكز العلم والسلطة تداخلًا عميقًا، على نحو يستحيل معه رده إلى ثنائية قومية مبسطة. لم تكن بلاد فارس هامشًا خارج الإسلام حتى يُقال إنها ظلت تواجهه من موقع قومي مضاد، بل كانت من أكبر مراكزه العلمية والسياسية والإدارية، وخرج منها عدد من أعلام الفقه والحديث والكلام والفلسفة والتصوف، وأسهمت إسهامًا مركزيًا في بناء الدولة الإسلامية وفي توسعها وفي إنتاجها المعرفي. وليس المقصود من استحضار ذلك تلميع صورة إيران المعاصرة، ولا بناء مرافعة هوياتية معاكسة، بل فقط هدم هذا الميل الساذج إلى إسقاط الاستقطاب الراهن على قرون طويلة لم تكن تتحرك بهذا المنطق أصلًا.

والأمر نفسه يصح على التاريخ الحديث، وإن بصورة أخرى. فالسردية الشائعة كثيرًا ما تبدأ من لحظة منتقاة، ثم تعيد بناء ما قبلها وما بعدها على أساسها. تبدأ مثلًا من الثورة الإيرانية وما تلاها، أو من التمدد الإيراني في المشرق، أو من الحرب العراقية الإيرانية، ثم تُقرأ المنطقة كلها بعد ذلك باعتبارها ساحة لصراع إيراني مع العرب. لكن هذه الطريقة في الترتيب تحذف أكثر مما تفسر. فهي تُخرج من الصورة الاستعمار الغربي، وبنية الدولة العربية الحديثة، والانقلابات العسكرية، وصعود الجمهوريات الأمنية، والحروب العربية البينية، والتبعية الاقتصادية والعسكرية، وانهيار مراكز الدولة في أكثر من بلد عربي، ثم تطلب من «إيران» وحدها أن تكون تفسيرًا جامعًا لكل ما جرى. بل إن حتى الحرب العراقية الإيرانية نفسها كثيرًا ما تُستدعى في الخطاب العربي لا بوصفها حربًا مركبة لها شروطها الإقليمية والدولية، بل بوصفها لحظة كشف نهائية لجوهر الصراع العربي–الإيراني. وهنا لا يعود التاريخ ساحةً للتحليل، بل يتحول إلى مخزن انتقائي للشواهد، يُسحب منه ما يلائم الحكم السابق، ويُترك ما يعكر صفوه.

ومن هنا، فإن المشكلة ليست في أن كثيرين يبالغون في نقد إيران، بل في أنهم يحولون هذا النقد إلى بنية تفسيرية مغلقة. فبدل أن تكون إيران موضوعًا للتحليل، تصبح هي الأفق الذي لا يُرى شيء خارجه. وبدل أن تكون تدخلاتها جزءًا من أزمة إقليمية أوسع، تصبح هي أصل الأزمة كلها. وبدل أن يكون التاريخ الإسلامي والحديث مجالًا لتعدد الفاعلين والبنى والتحولات، يصبح مجرد تمهيد طويل للحظة الحاضرة. وهكذا لا نعود أمام تحليل للصراع، بل أمام رواية مريحة تعفي العقل من مشقة فهم التعقيد، لأنها تقدم له خصمًا جاهزًا، وتاريخًا جاهزًا، وتفسيرًا جاهزًا.

العرب ساحة لا طرفًا في نقد سردية العداء الإيراني للعرب 2 العرب ساحة لا طرفًا: في نقد سردية العداء الإيراني للعرب

رابعًا: المأزق الحقيقي ليس إيران وحدها بل الفراغ العربي

لكن الوصول إلى هذه النقطة يفرض السؤال الذي يجري التهرب منه عادة: إذا كان المشروع الإيراني حقيقة، وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا تتحرك كلها ضمن تصورات واضحة لمصالحها الإقليمية، فلماذا تبدو المنطقة العربية، مرة بعد مرة، المجال الأوسع الذي تعبر فيه هذه المشاريع وتتصادم وتعيد التموضع؟ هنا لا يعود الحديث عن إيران وحدها كافيًا، لأن التركيز الحصري عليها، مهما كان مبررًا في بعض جوانبه، يحجب المأزق الأعمق: أن العالم العربي لا يواجه هذه المشاريع من موقع مشروع مقابل، بل من داخل فراغ استراتيجي طويل، جعل دوله أقرب إلى وحدات سياسية متجاورة منها إلى كتلة قادرة على تعريف مصالحها الكبرى والدفاع عنها بصورة مشتركة.

والمقصود بالفراغ هنا ليس غياب الدول، ولا غياب الجيوش، ولا حتى غياب الشعارات والخطابات عن الأمن القومي والمصير المشترك. المقصود شيء أوسع من ذلك: غياب الإرادة العربية المنظمة التي تحوّل المجال العربي من مجرد مساحة جغرافية وثقافية إلى فاعل سياسي قادر على ترتيب أولوياته، وتحديد أعدائه، وتوزيع أعبائه، ورؤية أمنه من الداخل لا من خلال عيون الآخرين. فالعالم العربي، في العقود الأخيرة، لم ينجح في إنتاج مركز سياسي جامع، ولا في بناء تصور استراتيجي موحد لمعنى الأمن، ولا في الاتفاق على طبيعة التهديدات، ولا في إنشاء منظومات مستقرة للتعامل مع الأزمات الكبرى. ولهذا صار من الطبيعي أن ترى الدولة العربية الواحدة تتحرك، في الإقليم نفسه، بمنطق البقاء القطري أو حماية النظام أو تجنب الانهيار أو شراء الوقت، لا بمنطق الاشتراك في مشروع عربي أوسع. ومن هنا تتولد المفارقة: الجميع يتكلم باسم المنطقة، لكن أحدًا لا يديرها باسم مشروعها.

وهذا الفراغ لا يظهر فقط في لحظات الحرب، بل يتجلى في تعريف الأشياء نفسها. فما الذي يعد تهديدًا أولًا؟ هل هو إيران؟ أم إسرائيل؟ أم الانهيار الداخلي؟ أم الإسلام السياسي؟ أم التفكك الاجتماعي؟ أم التبعية الاقتصادية؟ أم الوجود العسكري الأجنبي؟ لا توجد إجابة عربية واحدة، ولا حتى منظومة أولويات متقاربة. بل كثيرًا ما تتحول هذه الملفات إلى مصادر انقسام بين الدول العربية نفسها، بحيث يصبح ما تراه دولة تهديدًا وجوديًا، تراه أخرى ورقة توازن أو حتى فرصة. وعندما لا تتفق الدول على تعريف الخطر، لا يمكنها أن تبني سياسة مشتركة لمواجهته. وعندما لا تبني سياسة مشتركة، لا يبقى أمام كل دولة إلا أن تبحث عن أمنها في ترتيبات خاصة، أو في مظلات خارجية، أو في تحالفات مؤقتة. وعندئذ لا يعود الإقليم العربي نظامًا له منطقه الخاص، بل يصبح فسيفساء من الاستجابات المنفصلة التي يسهل على المشاريع الإقليمية والدولية أن تنفذ من بينها وتعيد تشكيلها.

ومن هنا بالذات ينبغي فهم قابلية المجال العربي للاختراق. فالمسألة ليست أن إيران وحدها قوية إلى هذا الحد، ولا أن الآخرين يملكون قدرة خارقة، بل أن الفراغ يدعو إلى الامتلاء. وكل فراغ استراتيجي طويل الأمد لا يبقى فراغًا؛ بل يتحول إلى مساحة تستدعي من يملؤها. فإذا غاب المشروع العربي، ملأته مشاريع الدول غير العربية، وملأته أيضًا القواعد الأجنبية، والشبكات الطائفية، والميليشيات العابرة للحدود، والصفقات الأمنية، والاقتصادات الريعية المرتبطة بالخارج، ووساطات القوى الكبرى، وآليات الردع المفروضة من خارج المنطقة. وهكذا لا تعود القضية مجرد تدخل إيراني هنا، أو تمدد تركي هناك، أو حماية أميركية في موضع آخر، بل تصبح بنية إقليمية كاملة قوامها أن العرب لا يدخلون الصراع غالبًا بوصفهم من يضع قواعده، بل بوصفهم من يعيش داخلها.

ولذلك فإن التركيز الحصري على «عداء إيران للعرب» يريح الذهن لأنه يختزل المأزق في خصم خارجي محدد، لكنه يضلل العقل سياسيًا لأنه يخفي نصيب الداخل العربي من إنتاج هذا الوضع. فليس صحيحًا أن المنطقة صارت مفتوحة فقط لأن الآخرين طامعون، بل أيضًا لأنها لم تُحصّن نفسها بمشروع جامع. وليس صحيحًا أن الدول العربية تُستهدف فقط لأنها عربية، بل أيضًا لأنها متفرقة، متفاوتة، ومتصارعة أحيانًا في تعريف مصالحها ذاتها. وحين يغيب المشروع، تتحول الموارد ذاتها إلى مصادر هشاشة: النفط يصبح بابًا للحماية والضغط معًا، والموقع الجغرافي يصبح معبرًا للقواعد والحروب، والانقسامات الاجتماعية تصبح مواد للتجييش، والدولة تتحول من وعاء للسيادة إلى كيان منشغل أساسًا بإدارة التوازنات الداخلية أو شراء الضمانات الخارجية. وهنا تظهر مشكلة الخليج على نحو خاص: فهو ليس فقط فضاءً عربيًا مستهدفًا، بل أيضًا جزء من معادلة أمنية وطاقوية ومالية جعلت استقراره مرتبطًا، بدرجات متفاوتة، بترتيبات قوة خارجية. وهذا ما يجعله، في أوقات الحرب، نقطة تماس لا يمكن فهمها بمنطق الهوية وحده.

بل إن أخطر ما في هذا الفراغ أنه لا يجعل العرب ساحة فحسب، بل يعيد تشكيل وعيهم بالصراع نفسه. فعندما تغيب القدرة على الفعل، يميل الوعي إلى المبالغة في تفسير أفعال الآخرين، لأن من يعجز عن بناء مشروعه الخاص يكثر من تفسير مشاريع غيره. ومن هنا تكثر عندنا القراءات التي تفسر كل شيء بالنوايا: إيران تفعل هذا لأنها تريد كذا في جوهرها، وأميركا تفعل ذاك لأنها تخفي كذا، وتركيا تتحرك بدافع تاريخي كامن، وإسرائيل تترجم طبيعتها الأصلية. والسبب في ذلك ليس فقط ضعف التحليل، بل أيضًا غياب الموقع الفاعل الذي يسمح برؤية السياسة بوصفها شبكة مصالح وقوى وترتيبات. فحين لا تكون طرفًا صانعًا، تميل إلى فهم العالم من خلال طبائع الآخرين لا من خلال موازين القوة. وهذا أحد آثار الفراغ العربي: أنه لا يترك المنطقة مكشوفة فقط، بل يجعل لغتها في فهم نفسها وفهم محيطها لغة مائلة إلى الأخلاقية والانفعالية والتاريخنة المفرطة، بدل أن تكون لغة استراتيجية.

ولهذا فإن المأزق الحقيقي ليس أن إيران موجودة بمشروعها، فهذا من طبائع السياسة الدولية والإقليمية؛ ولا أن إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا تتحرك بدورها وفق حسابات قوة، فهذا أيضًا متوقع. المأزق الحقيقي أن المجال العربي، رغم اتساعه وموارده وموقعه وتاريخه، لم ينجح في أن يتحول إلى مشروع مضاد أو حتى إلى إطار منظم لذاته. ومن دون هذا التحول ستظل كل أزمة تُقرأ من الخارج، وكل حرب تُخاض على أرضه أو حوله، وكل استقطاب يُترجم داخل مجتمعاته، وكل ضربة تُفسر بوصفها دليلًا على نوايا الآخرين، بينما السؤال الأصعب يظل مؤجلًا: لماذا صار هذا المجال، أكثر من غيره، قابلًا لأن يُستعمل بهذه السهولة؟

وعند هذه النقطة تتغير زاوية النظر كلها. فلا يعود السؤال الأول: هل إيران تعادي العرب؟ لأن هذا السؤال، حتى حين تكون بعض إجاباته صحيحة، يظل دون مستوى المشكلة. السؤال الأهم هو: لماذا لا يزال العرب، في كل لحظة انفجار كبرى، يظهرون بوصفهم محلًا للصراع لا أحد أطرافه المؤسسة؟ لماذا تتحول بلدانهم إلى خطوط تماس، وممرات ضغط، وساحات ردع، وخزانات رمزية ومادية لمشاريع الآخرين؟ وما الذي جعل المجال العربي، رغم كثافته البشرية ووزنه الاقتصادي وموقعه الجغرافي، عاجزًا عن إنتاج مركز سياسي يفرض منطقه على الإقليم؟ هنا فقط يخرج النقاش من أسر رد الفعل على إيران إلى مستوى تشخيص العطب البنيوي. لأن المشكلة، في نهاية المطاف، ليست فقط في وجود مشروع إيراني، بل في غياب مشروع عربي يجعل لهذا الوجود حدودًا، ويمنع الآخرين جميعًا من تحويل المنطقة إلى مسرح مفتوح لتصفية حساباتهم.

ضياء خالد

باحث في السياسات الدولية جامعة أوتاوا _كندا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى