
يُعاني العقل المسلم المعاصر من حالة فصام معرفي نتيجة استيراد أسئلة وقضايا ولدت في محاضن غريبة عن بيئتنا، ومحاولة الإجابة عليها بأدوات لا تنتمي إليها. إن المخرج من هذه المتاهة لا يكون بالانكفاء على الماضي ولا بالذوبان في الآخر، بل بالعودة إلى “تجديد عبقري” يرتكز على استنطاق كنوزنا التراثية وتنزيلها على واقعنا المعاصر بروح العصر ومنهجية الوحي.
من التجديد العبقري المطلوب اليوم: توجيه ما أبدعه علماء الأمة وتنزيله على الواقع المعاصر. فلم يكتب الشافعي رسالته إلا بعد انتباهه لوجود قواعد أصولية مبثوثة تحتاج إلى جمع وعرض وتقعيد! كذا ألم يكن الدبّاس ممن اجتهد في ابتكار علم “القواعد الفقهية” بعد استقراء الموسوعات الفقهية؟!
فمن التجديد اليوم: أن نستحضر هذه القواعد الأصولية، وهذه القواعد الفقهية، لتنزيلها على العلوم المختلفة، فتكون هناك قواعد كلية في الفقه السياسي، والفقه المالي -وهي موجودة- ونحوهما. وتكون هناك تنزيلات للقواعد الأصولية على هذا الواقع المعاصر في المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإصلاحية والتربوية المختلفة.
ومما يفيد في هذه القضية: سلسلة “محمد محمد أبو موسى” «سؤال الثقافة» والتي تحدث خلالها عن “الهاجس” أو الدافع، أو المنطلق، الذي يؤسس قراءتك للنص. فتستحضر “فقه السياسة” -مثلا- أثناء قراءة كتاب الله عز وجل، وستجد نفسك تستنبط من القواعد ما لم تكن قادرا على استنباطه لو أنك دخلت بغير هذا الهاجس.
وبناءً على هذا “الهاجس” المنهجي، تبرز قيمة الفقه كعلم إصلاحي يبني منظومة متكاملة للأمة، وهو ما يتضح جلياً عند إسقاط قواعده الكبرى على الواقع السياسي، ومثال ذلك ما قاله الناظم في “الفرائد البهية”:
” القاعدة الخامسة: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة:
تصرف الإمام للرعية
[أنيط بالمصلحة المرعية]
وهذه نص عليها الشافعي
إذ قال قولًا ماله من دافعِ
وأصلها رُوي من قول عمر
فيما حكاه الأصل فانظر ما ذكر
فيلزم الإمام في التصرف
على الأنام منهج الشرع الوفي
فلا يجوز نصبه لفاسق
يؤم في الصلاة بالخلائق
وهذه الصورة عدت واحده
من التي انطوت عليها القاعده
يقول شارح الفرائد البهية -بتصرف-:
[“تصرف الإمام الأعظم ومثله نوابه أنيط جوازه بالمصلحة المرعية”
“وأصله روي من قول عمر: قال السيوطي وأصل ذلك ما أخرجه سعيد بن منصور عن عمر أنه قال: ((إني أنزلت نفسي في مال الله منزلة والي اليتيم فإن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت)). ومن فروع هذه القاعدة: أنه إذا قسم الإمام الزكاة على الأصناف، يحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات، ومنها: إذا تخير في الأسرى بين القتل والرق والمن والفداء لم يكن له ذلك بالتشهي بل بالمصلحة، حتى إذا لم يظهر وجه المصلحة يحبسهم إلى أن يظهر”]. ا.هـ، ص 68.
وطالب العلم المعاصر في بداية طلبه قد لا ينظر إلى علم الفقه إلا باعتبار المسائل المفردة لا المنظومة المتكاملة.
فمثلًا، نتحدث عن مشكلة واقعية نعيشها اليوم: أن النص الماضي -المقتبس- قد يتعارض مع سؤال مستمد من العالم الغربي: كيف يمكن الجمع بين السياسة والأخلاق؟ وهذا السؤال -بنظري- لا يمكن أن يُجاب عليه في العالم الإسلامي، فمتى أصلًا فصلت الأخلاق عن المنظومة الكلية التي انطلق منها المسلمون؟

وقد تذكرت ما قاله الدكتور هيثم الرومي في ورقة بحثية أسماها “شريعة الربانيين” بعد تقديمه لورقته باقتباسين أحدهما لجون لوك والآخر لبنثام، فيشرح مقصد حديثهما:
[ومعنى هذا أنه يمكن أن يكون الإنسان ممتثلًا للقوانين لا يخالفها بحال. ومع ذلك فهو قبيح السريرة عديم المروءة، فاسد الضمير، لا يردعه عن الشر وأفعال السوء إلا مخافة العقوبة] ثم يعقب: [إذا علمنا هذا، فهل الأمر في الشريعة كذلك؟ ثم إذا أجبنا بالنفي -كما سنفعل- فما الأدوات والوسائل التي جاءت بها الشريعة لبسط سلطانها على فضاء الفضيلة الفسيح الذي يتجاوز نطاق القوانين]. ثم أجاب عن السؤال بأربع مقدمات وخمسة تقريرات، كانت المقدمات هي:
1- في أن من مقاصد الشريعة استصلاح الناس في الظاهر والباطن.
2- في أن العمل بالشريعة حتم لازم على المسلمين في عام أمورها وخاصها.
3- في أن الأخلاق لا قوام لها إلا بالدين وحده.
4- في أن مكارم الأخلاق منها ما هو ضروري وما هو حاجي وما هو تحسيني.
سعي العالم الغربي لفصل الدين عن جميع تفاصيل الحياة؛ جعلهم يسألون أنفسهم سؤالًا: “كيف نجمع بين السياسة التي هي لعبة المصالح والمكاسب، والأخلاق التي هي قيمة حاكمة ينبغي ألا ننحرف عنها؟” ومن الأساس: بناء منظومة أخلاقية بلا دين أمر محال، ويمكن الرجوع إلى كتاب الأستاذ رضا زيدان “أزمة الفلسفة الأخلاقية” ط. مركز دلائل.
ثم قمنا باستيراد ذات السؤال، إلى عالم تحكمه -كما يفترض- منظومة متكاملة تحييد شعرة منها؛ تضييع جوهر المنظومة، فكانت النتيجة سؤالًا غريبًا لا يدري المرء كيف يُطرح أصلًا..
وقد قمت بالبحث عن معنى الأخلاق زمنًا بعد أن درستها كمادة جامعية -السياسة والأخلاق-، وقد وقفت على كتاب كمال الحيدري استعرض فيه معاني الأخلاق في التراث الإسلامي، فنقل عن ابن مسكويه:
[الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية. وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيًا من أصل المزاج…ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولًا فأولًا حتى يصير ملكةً وخلقًا].
وتذكرت نصًا مر علي في الإحياء يقول الغزالي فيه:
[الخلق: عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية].
كما وقفت بنفسي على نص لابن تيمية في الرد على المنطقيين أثناء بحثي في المكتبة الشاملة لدراسة أمر ما:
[أخصُّ خصائص العقل عند الإنسان أن يعلمَ ما ينفعه، ويفعله، ويعلم ما يضره وما يتركه]. ثم يضيف: [الناس إذا قالوا: العدل حسن، والظلم قبيح، فهم يَعْنُون بهذا أن العدل محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذةٌ وفرحٌ، نافع لصاحبِه ولغير صاحبه يحصل به اللذة والفرح وما تتنعَّم به النفوس].
نحن الآن أمام سؤال مهم: هل هناك فرق بين الأخلاق والمصلحة؟
هنا مربط الفرس، فالمنظومة المتكاملة لا تفصل بين شيء اسمه أخلاق ومصلحة، وإن كانا في جوهرهما يحملان الاختلاف، بل المنظومة الآن تنطلق من أن الشريعة الإسلامية ترسم خارطة الأخلاق للإنسان، ثم تأتي هذه الأخلاق التي أودعها الله في فطرتنا، أو أمرنا بالتحلي بها والتنزنه عما يشينها؛ وتضبط المصلحة، فتأتي المصلحة بضوابطها وحدودها الواضحة ليسعى وراءها الحاكم والأمير ليحققها ويبتعد عن المفسدة.
يقول ابن عاشور عن المصلحة في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”:
[فهي كاسمها شيء فيه صلاح قوي؛ ولذلك اشتق له صيغة مفعلة الدالة على اسم المكان الذي يكثر فيه ما منه اشتقاقه وهو هنا مكان مجازي. ويظهر لي أن نعرفها بأنها: وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائمًا أو غالبًا للجمهور والآحاد].
ومنها مصلحة عامة وهي ما فيه صلاح عموم الأمة أو الجمهور. ومنها مصلحة خاصة. يقول فيها ابن عاشور:
[وهي ما في نفع الآحاد باعتبار صدور الأفعال من آحادهم ليحصل بإصلاحهم صلاح المجتمع المركب منهم، فالالتفات فيها ابتداء إلى الأفراد، وأما العموم فحاصل تبعًا. فالحديث عن المصلحة الخاصة ألصق بالأخلاق الفردية الذاتية الخاصة التي تنتقل إلى المصلحة العامة للأمة، والحديث عن المصلحة العامة ألصق بالأمة بأكملها].
ثم يضع ابن عاشور حدودًا للمصلحة والمفسدة، لتنظيم الأمر حتى لا يصبح نسبيًا، ألخصها:
1- أن يكون النفع والضر محققًا مطردًا.
2- أن يكون النفع والضر غالبًا واضحًا تنساق إليه عقول العقلاء والحكماء بحيث لا يقاومه ضده عند التأمل.
3- أن لا يمكن الاجتزاء عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد.
4- أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر مع كونه مساويًا لضده معضودًا بمرجح من جنسه.
5- أن يكون أحدهما منضبطًا محققًا والآخر مضطربًا.
ومن شواهد اهتمام علماء الأمة بمفهوم المنظومة الكاملة، تعريف محمد الموصلي الشافعي (ت774) في كتابه “حسن السلوك الحافظ دولة الملوك” للعدل بقوله: [الحكم بما أنزل الله تعالى]. ص55 .. فلاحظوا كيف استحضر أن الإسلام منظومة متكاملة، ولم يعرّف العدل بالمساواة أو غيره، بل بالحكم بما أنزل الله تعالى، فليس أدرى بما يصلح البشر إلا خالق البشر سبحانه وتعالى.
وبالتالي: فالفقه منظومة كاملة، لا يمكن لأحد أن يسأل فيه سؤالًا مثل: كيف نجمع بين السياسة والأخلاق؟ فهذا سؤال راجع إلى اختلال فهم المنظومة الشاملة الإسلامية، التي تقرر الحد وتطبيقه، ثم تأمرنا بدفع الحدود بالشبهات. وتنظم المصلحة حتى لا تصبح بابًا مفتوحًا يدخله من لا يقدره.
ودراسة خطاب النبي ﷺ ثم الخلفاء الراشدين، تجعل المرء يدرك هذه الشمولية العظيمة، فهو النبي ﷺ الذي أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وهو ذاته بأبي هو وأمي من أرسل رسله لدعوة الملوك والرؤوس لدين الله بعد الحديبية. هو بأبي وأمي الذي مسح ما مسح من وثيقة الصلح في الحديبية لمصلحة أعظم، بل ووافق على بعض بنودها التي ظاهرها -كما رأى الصحابة- غير ما يرتجيه المرء، ثم جاءهم بعد ذلك فاتحًا!
ضربت المثال السابق وأطلت فيه الحديث لأقول أمرًا مهمًا: الفقه وعلومه منظومة متكاملة، ولا بد أن نجدد طبيعة دراستنا وتدريسنا لهذا العلم العظيم، وقد ذكر الشيخ هيثم الرومي شيئًا من ذلك في كتاب “إصلاح الفقيه”، وفهم هذه المنظومة المتكاملة سبيلها الوحيد: دراسة هذه المنظومة من مصادرها لا ممن كتب عنها.
المتون الفقهية والأصولية والمقاصدية التي يراها الناس متونًا جامدة، فيها كنوز عظمى ينبغي أن تعاد إلى الصدارة، كل باب من أبواب العلم الواقعي الذي تراه اليوم أمامك، هو موجود في متون الفقه (الجامدة) -كما يسميها البعض-، فالسياسة= فقه. الاقتصاد= فقه. الأنكحة والجنايات والأحوال المدنية التي تضمن في علوم القانون= فقه. الاجتماع البشري وما يحتويه= فقه. دراسة النفس البشرية= فقه.
وشواهد ذلك كثيرة جدًا يكفي أن تفتح أي باب من أبواب الفقه لتُدهش من ذلك، ولكن من المهم أن تُدرس باعتبارها منظومة متكاملة، لا باعتبار مسائلها المفردة.
وإن كنا نتكلم عن الفقه الذي منه ما هو اجتهاد بشري، فإنا نتكلم عن اجتهاد متفرع عن قاعدة صلبة، لا اجتهاد بالهوى، وحق لنا في هذا الزمن أن تبتكر نظرياتنا التي نرى أنها تصلح لاستنقاذ البشرية، باعتبار أننا مجتهدون، كما أن جون لوك وجان جاك روسو وتوماس هوبز وكارل ماركس وميكيافيلي اجتهدوا في تقديم نظرياتهم للعالم.
وحق لنا اليوم -باعتبارنا ورثة هذه المنظومة العظيمة- أن نبتكر نظرياتنا المنطلقة من قواعدنا الصلبة لاستنقاذ البشرية، وتقديم رؤيتنا الحضارية التي تجمع بين الأرض والسماء، وبين السياسة والأخلاق، وبين المصلحة والقيمة.
