
حين كتبتُ في مطلع عرض برنامج يمانيون حول الرسول ﷺ مقالي الأول، لم أكن بصدد إصدار حكمٍ مكتمل، بقدر ما كنت أسجل انطباعًا أوليًا عن عملٍ بدا واعدًا في فكرته ومساره. وقد كان بعض الفضلاء يومها محقًّا حين نبّه إلى أن التقييم المبكر قد لا يُنصف التجربة في اكتمالها، غير أنني كنت أرى – وما زلت- أن الانطباع الأول جزء من القراءة، لا نقيضها. واليوم، بعد أن اكتمل بثّ الحلقات، وتكشَّف البناء العام للبرنامج، بدا من الضروري العودة إليه بقراءةً أهدأ، وأقرب إلى الفحص منها إلى الانطباع. فالتجارب الفكرية لا تُقاس بلحظتها الأولى، وإنما بما تستقر عليه بعد تمامها؛ إذ عند الاكتمال تتضح الملامح، وتنكشف مواطن القوة، كما تظهر مواضع القصور. ومن هنا تأتي هذه القراءة، لا نقضًا لما كُتب أولًا، ولا تراجعًا عنه، بل استئنافًا له على ضوء ما تبيّن، ومحاولةً لوضع التجربة في ميزان التقييم، بعيدًا عن الحماسة الأولى، وقريبًا من مسؤولية النظر.
وبداية، فإن من الموضوعية والإنصاف القول إنَّ القائمين على أكاديمية علوم الدولية مشكورين قد نجحوا، وبالتعاون مع وزارة الأوقاف اليمنية، في جمع نخبة متميزة من أساتذة اليمن وعلمائها ومشايخها، إلى جانب عدد من التربويين والدعاة، في إطار عملٍ مشترك اتسم بوضوح الهدف وتحديد العنوان منذ البداية، تحت مظلة برنامج «يمانيون حول الرسول». وقد أتاح هذا اللقاء العلمي والفكري مساحةً لتبادل الرؤى، حيث أسهم المشاركون كلٌّ من زاويته، محاولين النفاذ إلى عمق الفكرة التي يحملها العنوان، واستنطاق دلالاته في سياقها التاريخي والتربوي والحضاري. ومع تتابع الطرح، بدت ملامح التفاعل واضحة؛ إذ تداخلت الاجتهادات، وتقاربت التصورات، وتكاملت الجهود في سبيل بلورة الفكرة وصياغتها بصورة أكثر نضجًا واتزانًا. وقد أثمر ذلك عن معالجات اتسمت في كثير من جوانبها بالجودة والإفادة، وإن لم تخلُ – بطبيعة الحال- من جوانب يمكن استدراكها أو تطويرها. فالكمال في مثل هذه الأعمال يظل غايةً عسيرة، كما أن الإحاطة الشاملة بكل ما يتصل بعنوان بهذا الاتساع تبقى أمرًا متعذرًا. ومع ذلك، فإن قيمة هذه التجربة لا تُقاس ببلوغ الكمال، وإنما بصدق السعي إليه، وبما تحققه من مقاربة جادة تمثل في ذاتها سمة من سمات العمل البشري الموفق.
وليس من الإنصاف -أيضًا- أن يُتعامل مع برنامج يمانيون حول الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه مجرد مادة رمضانية عابرة، تُستهلك ثم تُنسى. فالتأمل في بنية البرنامج، وفي طريقة توزيع موضوعاته على حلقاته الثلاثين، يكشف بوضوح أنه يتجاوز حدود التذكير اللحظي إلى محاولة أعمق، تتمثل في إعادة وصل الوعي بالسيرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- من الداخل. ومن خلال تتبع مسار البرنامج العام، يبدو أنه يتحرك في ثلاث اتجاهات متداخلة، كما بدا لكاتب هذا المقال من خلال استماعه لحلقات البرنامج، تمثلت في: استدعاء النصوص المؤسسة لفكرة ما يمكن تسميته بـ(الإيمان اليماني)، ثم عرض نماذج من علاقة اليمنيين بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأخيرًا محاولة إسقاط هذه المعاني على واقع معاصر مضطرب يعيشه اليمن. وهذا الانتقال من النص إلى التاريخ ثم إلى الواقع ليس عفويًا، وإنما يعكس تصورًا منهجيًا يستحق التقدير، لأنه يمنح الخطاب قدرًا من التدرج والعمق، بدل الاكتفاء بلحظات وعظية متفرقة.
ومع ذلك، فإن متابعة الحلقات بدقة تكشف أن هذا البناء، على وضوح مقصده، لم يبلغ دائمًا درجة التماسك التي تجعله مشروعًا فكريًا متكاملًا. ففي الحلقات الأولى، حيث جرى التركيز على تأسيس مفهوم (الإيمان اليماني)، المستقى من وحي قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (الإيمان يمان…)، طغت نبرة الاحتفاء، واستُحضرت النصوص النبوية بروحٍ عالية، مما نجح في إثارة مشاعر الانتماء وإحياء قدر من الاعتزاز. لكن هذا النجاح الوجداني لم يصحبه، في كثير من المواضع، تحريرٌ كافٍ للمفهوم نفسه؛ فظلّ يتأرجح بين كونه وصفًا خبريًا يشير إلى فضلٍ تاريخي، وبين كونه حكمًا معياريًا يُراد له أن يمتد إلى الحاضر. وهنا تبرز فجوة دقيقة، إذ لم يُطرح السؤال المركزي للبرنامج بوضوح كافٍ—كيف يمكن استعادة هذا الإيمان؟ وإذا كان قد خفت أثره في الواقع، فما الذي حال دون بقائه؟ ولذلك بقي المعنى، في بعض الحلقات، أقرب إلى الشعور بالامتلاك منه إلى الوعي بضرورة الاكتساب، وأقرب إلى الاطمئنان منه إلى مساءلة الذات، مع أن الفرق بين هذه الحالات جوهري.
وفي الحلقات الوسطى، ينتقل البرنامج إلى عرض صور من صلة اليمنيين بالرسول صلى الله عليه وسلم، سواء عبر الوفود، أو مواقف النصرة، أو إشارات الثناء. وهنا تظهر إحدى نقاط قوة البرنامج؛ إذ يُقدَّم التاريخ بطريقة تُشعر المتلقي أنه أمام ذاكرة حيّة، لا مجرد أخبار تُروى. غير أن هذه الطريقة نفسها تطرح إشكالًا منهجيًا؛ إذ غالبًا ما تُستحضر الوقائع في صورة شواهد منتقاة تخدم الفكرة العامة، دون أن تُعرض السيرة في سياقها الكلي بكل ما فيه من تعقيد. ومن ثمّ تغيب، أو تضعف، مشاهد كان يمكن أن تثري الصورة: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع التعدد، كيف أدار لحظات التوتر، كيف واجه التعثر الجزئي؟ حضور هذه الأبعاد كان كفيلًا بأن ينقل النموذج من صورة مثالية مجردة إلى تجربة إنسانية أكثر واقعية، وأشد قدرة على الإلهام.
أما حين يحاول البرنامج الانتقال إلى الواقع، فإنه يبدو صادق النية، لكنه أقل حسمًا في أدواته. تتكرر الدعوة إلى استعادة القيم، وإلى تجاوز الانقسام، وإلى العودة إلى المنهج النبوي، لكن هذه الدعوة، على أهميتها، تبقى في كثير من الأحيان عامة، لا تستند إلى تحليل كافٍ لتعقيدات الواقع اليمني. فالمتلقي يُقال له إن الانقسام مذموم، لكنه لا يُساعد على فهم كيف نشأ، ولا كيف يستمر. ويُقال له إن القيم تراجعت، دون تفكيك واضح لأسباب هذا التراجع: أهو خلل تربوي؟ أم ارتباك في الخطاب الديني؟ أم أثر التداخل بين السياسة والمذهب؟ أم نتيجة لتشظي المرجعيات؟ إن غياب هذا المستوى من التحليل لا ينتقص من صدق الخطاب، لكنه يحدّ من أثره، لأنه يبقي المتلقي في دائرة الشعور دون أن ينقله إلى مساحة الفهم العميق الذي يمكن أن يُبنى عليه فعل.
وفي الجانب التربوي، يمكن القول إن البرنامج نجح في إثارة المعاني، لكنه لم يكتمل في رسم المسار. فقد استطاع أن يوقظ في النفوس محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يعيد التذكير بالقيم الكبرى، وأن يخلق لحظات من الصفاء الداخلي. غير أن هذه اللحظات، في الغالب، تظل عابرة؛ إذ لا يجد المشاهد دائمًا ما يعينه على تحويل هذا الأثر إلى سلوك مستمر. كيف يمكن ترجمة هذه المعاني في الحياة اليومية؟ كيف يمكن التعامل بها مع التحديات الواقعية؟ كيف تُعالج بها التناقضات الداخلية؟ هذه الأسئلة لا تجد إجابات عملية كافية. وهنا يظهر أن التربية لا تكتمل بمجرد تحريك الشعور، بل تحتاج إلى بناء إرادة قادرة على السير، لا الاكتفاء بتمني الوصول.
وفي البعد الروحي، يقدّم البرنامج حضورًا مؤثرًا، حيث تتكرر معاني المحبة والاتباع والنصرة، ويُستدعى جو القرب من النبي صلى الله عليه وسلم بلغة مؤثرة. لكن هذه الروحانية، في كثير من الأحيان، تبقى في مستوى الحديث عن المعنى، دون أن تصحب المتلقي في تجربة عيشه. فالسامع يتأثر، لكنه لا يجد نفسه داخل الطريق. يسمع عن النور، لكنه لا يرى خطوات السير إليه. وكان يمكن لهذا البعد أن يبلغ أثرًا أعمق لو ارتبط بتحليل النفس: كيف تنشأ المحبة في قلب مثقل؟ كيف تُصان في زمن التشتت؟ كيف تتحول إلى التزام عملي؟ فالجمال الروحي، إن لم يلامس واقع النفس، يبقى مؤثرًا، لكنه محدود الأثر.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن البرنامج، في مجمله، حقق ما تعجز عنه كثير من الأعمال المشابهة. فقد أعاد طرح أسئلة غابت، وربط السيرة بالهوية، وفتح باب الحديث عن القيم في سياق يحتاج إليها بشدة. وهذه مكاسب لا يستهان بها. غير أن قيمة هذا الجهد لا تتوقف عند ما تحقق، بل عند قدرته على التطور والاستجابة لما يطرحه من تحديات.
والتطوير هنا لا يعني هدم ما أُنجز، بل تعميقه. أن يتحول (الإيمان اليماني) من تعبير جامع إلى مفهوم واضح المعالم، يربط بين الفضل والمسؤولية. وأن تُقرأ السيرة بوصفها منهجًا في التعامل مع الواقع، لا مجرد مصدر إلهام. وأن يُبنى الخطاب التربوي على خطوات عملية، وأن يُقارب الواقع بقدر أكبر من الجرأة في التحليل. عندئذ يمكن للبرنامج أن يتجاوز كونه تجربة ناجحة في موسم، ليصبح مشروعًا ممتد الأثر.
وهنا تتحدد قيمة البرنامج الحقيقية، ليس فيما قاله فقط، بل فيما يمكن أن يقوله إذا واصل تطوير نفسه. فهو يقف الآن على حدٍّ فاصل: إما أن يظل خطابًا يجيد التذكير، أو يتحول إلى مشروع يسهم في التغيير. وبين هذين الخيارين تتحدد المسافة التي يصنع فيها الأثر. وفي النهاية، لا يُقاس هذا العمل بما أنجزه وحده، بل بما يمكن أن يبلغه. فهو اليوم على عتبة انتقال: من الوجدان إلى المنهج، ومن التأثير اللحظي إلى البناء المستمر. وإذا نجح في عبور هذه العتبة، فلن يكون مجرد تجربة ناجحة، بل أساسًا يمكن البناء عليه.
