فكر

ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر: نظرةٌ في الواقع المعيش

إن علمَ أصولِ الفقهِ من أهمِّ العلومِ الشرعية، ولقد ذكر جمعٌ من أهلِ العلمِ أنَّ علمَ أصولِ الفقهِ وعلمَ مصطلحِ الحديثِ علمانِ اختصَّ اللهُ بهما أمةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- عن سائرِ الأمم، وهو علمٌ نقليٌّ وعقليٌّ، ويذكر الإمامُ الغزالي -رحمه الله- في مقدمةِ كتابه الأصولي ((المستصفى)) صــ (4) أنَّ ((أشرفَ العلومِ ما ازدوج فيه العقلُ والسمعُ، واصطحب فيه الرأيُ والشرعُ، وعلمُ الفقهِ وأصولُه من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفوِ الشرعِ والعقلِ سواءَ السبيل، فلا هو تصرفٌ بمحضِ العقولِ بحيث لا يتلقاه الشرعُ بالقبول؛ ولا هو مبنيٌّ على محضِ التقليدِ الذي لا يشهد له العقلُ بالتأييدِ والتسديد)).

وقد أشاد أهل العلم قديمًا بهذا العلم العريق، ومن أفضل من أشاد به: الإمامان: شهاب الدين القرافي ت: 684هــ وتقي الدين ابن دقيق العيد ت: 702هــ -رحمهما الله-.

قال الإمام القرافي في كتابه ((نفائس الأصول)) جــ 1 صـ 100 في ذكر فضيلة علم أصول الفقه والرد على من ذمَّه: ((قد أجمع قوم من الفقهاء الجهال على ذمّه، واهتضامه، وتحقيره في نفوس الطلبة، بسبب جهلهم به، ويقولون: إنما يُتعلم للرياء، والسُّمعة، والتغالب، والجدال، لا لقصد صحيح، بل للمضاربة والمغالبة، وما علموا أنه لولا أصول الفقه لم يثبت من الشريعة قليل ولا كثير، فإن كل حكم شرعي لا بُدَّ له من سبب موضوع، ودليل يدل عليه وعلى سببه، فإذا ألغينا أصول الفقه ألغينا الأدلة، فلا يبقى لنا حكم ولا سبب، فإن إثبات الشرع بغير أدلته، وقواعدها بمجرد الهوى خلاف الإجماع)).

وقال الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه ((شرح الإلمام)) ونقله عنه الزركشي في البحر المحيط جــ 1صــ 14-: ((أصول الفقه هو الذي يقضي ولا يُقضى عليه)).

فعلم أصول الفقه تكفّل بطريقة استنباط الأحكام وطُرق الاحتجاج بالأدلة وما يصلح منها وما لا يصلح، أما علم مصطلح الحديث فقد تكفّل بحفظ أحاديث النبي- صلى الله عليه وسلم- وتمييز صحيحها من سقيمها.

ومن جهل هذين العلمين تخبط خبط عشواء، ومشى على غير سواء، لاسيما علمَ أصول الفقه؛ فما أكثرَ الاستدلالاتِ الفاسدةَ وانتشارَ البدع المظلمة المدلهمة في الأمة إلا الجهل بعلم أصول الفقه!!

وقد بيّن هذا تقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في كتابه القيم ((الردّ على البكري)) جــ 2 صــ 729 في ردّه على البكري الصوفي في مقرراته القبورية، حيث قال ابن تيمية: ((وأما بحثه واستدلاله على مطلوبه فمن العجائب؛ لا يحقق جنس الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل ولا مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح إذا تعارض دليلان؛ ولهذا كان أصول الفقه مقصوده: معرفة الأدلة الشرعية جنس الدليل ومرتبة الدليل)).

وقد بيّنتُ كذلك في كتابي ((الخطأ في فهم القول الأصولي- أسبابه وآثاره-)) أن الجهل بعلم أصول الفقه من أكبر أسباب انتشار الإرهاب وفتنة التكفير والتفجير؛ فالجماعات المتطرفة لما جهلتْ هذا العلمَ استدلّت ببعض الآيات والأحاديث على تبرير إرهابها وإجرامها؛ فانحرفت عن سواء السبيل.

فعلم أصول الفقه هو السدّ المنيع في حفظ الدين الإسلامي من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ولما علمتْ أمة الكفر والفساد بذلك سعتْ في تنجيس هذا العلم، وتعكير صفوه، لِيُلبسوا على الأمة أصولَ فقهها المصفَّى؛ ففي تقرير مؤسسة راند Rand الأمريكية لعام 2007م تضمن التقرير الحثَّ على تحريف علم أصول الفقه والقواعد الأصولية ومقاصد الشريعة عن مفاهيمها الإسلامية العتيدة، وتبديلها بمفاهيمَ غربية ليبرالية؛ وتشكيل لجنة من أبناء الأمة الإسلامية المهزومين فكريًّا ممن رقّ دينُه وقَلَّ ورعُه إلى ترويج هذا النهج الفاسد المنحرف المنحل! وقد استجاب لهم بعض أبناء الأمة ممن لعبتْ بهم الأهواء، فظهرتْ كتاباتٌ وتآليف موصوفةٌ بــ ((الأصولية، المقاصدية))- وعلم الأصول والمقاصد منها بريء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب- تدعو إلى تجديد واستبدال القواعد الأصولية ومناهج الاستدلال الموروثة بأخرى موافقة مع الطرح الغربي المناوئ للفكر الإسلامي؛ لكن الله من ورائهم محيط، وسيبقى علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة شامخًا عزيزًا يَخلُق اللهُ لهما رجالًا ينفون عنهما تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وعبث العابثين!

وقد كثر الاهتمام بعلم أصول الفقه في العصر الحديث، فأُلّفت فيه مؤلفاتٌ ورسائل كثيرة، غير أن جملةً من تلك المؤلفات والرسائل تضمّنت تحريفًا وتخريفًا.

ويتمثّل الانحراف الأصولي المعاصر في الينابيع التالية:

الينبوع الأول: الإعلاء من شأن العقل وتعظيمه على حساب النص الشرعي وتبجيله.

وهذا المسلك مسلكٌ قديمٌ سلكه المعتزلة، فصاح بهم علماء أهل السنة في أرجاء المعمورة، وشنّوا عليهم الغاراتِ، فأتَوا بُنيانَهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم؛ فالإمام الشافعي- رحمه الله- في كُتبه الأصولية تناول بِشرَ المريسي المعتزلي بالرد والنقد في مقرراته الاعتزالية في المسائل الأصولية، وبعد موت الإمام الشافعي حمل رايةَ الرد بعده وتنقية علم أصول الفقه من براثن المعتزلة خيارٌ، فكانوا خيرَ خلفٍ لخير سلفٍ، إلى أن جاد القرن السابع الهجري بميلاد تقي الدين ابن تيمية الحرّاني- عليه شآبيب رحمات الله- فصنَّف كتابًا فريدًا بعنوان ((درء تعارض العقل والنقل))، في مجلدات كبار؛ تصل إلى عشرة أجزاء، بيّن فيه عدم التعارض بين العقل والنقل، وأن تقديم العقل على النقل اتهامٌ للعقل، ومن قدّم العقل على النقل- مع ثبوت النقل وصحته- فمِن جَهلِه قدّم؛ ومن حُمقه أُتِي!

ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر نظرةٌ في الواقع المعيش ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر: نظرةٌ في الواقع المعيش

الينبوع الثاني: تعظيم القواعد الأصولية والإعلاء من شأنها على حساب النص الشرعي واتباعه.

وسالكو هذا المسلك الوعر جهالٌ لا يعرفون من علم الأصول إلا اسمَه، ولا من القواعد إلا رسمها، وما درى أصحاب هذا المسلك أن غاية علم أصول الفقه هي حفظُ نصوص الشرع ومعرفة مرادِ الله تعالى ورسوله؟!

ولله درّ تقي الدين ابن تيمية الحرّاني- رحمه الله- حيث قال في مجموع الفتاوى جــ 20صــ 497: ((المقصود من أصول الفقه: أن يفقه مراد الله ورسوله بالكتاب والسنة)).

فمن جعل القواعد الأصولية حاكمةً على النصوص الشرعية فقد نادى على نفسه بالجهل، فكان أضلَّ من حمار أهله؛ وتنقسم القواعد الأصولية من حيث المستند إلى خمسة أقسام:

القسم الأول: قواعد أصولية مستندة إلى القرآن الكريم.

القسم الثاني: قواعد أصولية مستندة إلى السنة النبوية الصحيحة.

القسم الثالث: قواعد أصولية مستندة إلى الكتاب والسنة، بمعنى أن تقريرها جاء من النظر في الكتاب والسنة.

القسم الرابع: قواعد أصولية مستندة إلى اللغة العربية.

القسم الخامس: قواعد أصولية مستندة إلى العقل والمنطق.

فكلما كانت القاعدة مستندة إلى الكتاب والسنة أو إليهما معًا كانت قوتُها بارزة وحجيتُها ساطعة، فقوة المستنِد من قوة المستنَد إليه، كما أن شرف العلم بشرف المعلوم.

وقد ألّف الشيخ الأصولي الفقيه البروفيسور المحقق عياض السلمي- حفظه الله- كتابًا في القواعد الأصولية المستندة إلى الكتاب والسنة، بعنوان: ((استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأصولية))، والكتاب مطبوع، طبعتْه دار التدمرية بالرياض.

وأنا العبد الفقير جمعتُ في مرحلة الماجستير عام 2014م قواعدَ أصولية مستدَل لها بالآيات القرآنية، بغيةَ الكتابة فيها لنيل درجة الماجستير، لكني رغبتُ عنها ولم أرغب فيها لأمرٍ طارئ! وكان العنوان ((القواعد الأصولية التي استُدل لها بالآيات القرآنية)).

وصفوة القول: أن القاعدة كلما اشتد عُودها ووطدتْ علاقتها بالكتاب والسنة وكانت معتمدةً مستمدةً منهما فإنها تكون بمنزلة عالية من الحجية.

وتأتي بعد هذا القسم في القوة: القواعدُ الأصولية المستندة إلى اللغة والعقل، أما اللغة فقد كُتبتْ فيها رسالةٌ علمية مطبوعة، للباحث الدكتور: ماجد الجوير، وبإشراف العلّامة الأصولي سعد الشثري- عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في الديوان الملكي السعودي-، والكتاب بعنوان: ((استدلال الأصوليين باللغة العربية)).

أما العقل: فقد جمع زميلنا السنغالي السونينكي الدكتور إبراهيم جاكيتي- حفظه الله- قواعدَ أصولية عقلية عند شيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك في أطروحته الدكتوراه في قسم أصول الفقه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان عنوان الأطروحة: ((القواعد الأصولية العقلية عند شيخ الإسلام ابن تيمية)).

والقواعد الأصولية العقلية لا تصل في المرتبة والقوة والحجية إلى مرتبة القواعد الأصولية المستمدة من صريح الكتاب والسنة، مع كون القواعد الأصولية العقلية البحتة قليلة غير كثيرة.

وفذلكة القول: أن تقديم القواعد الأصولية العقلية على النصوص الشرعية قدحٌ في صحة تلك القواعد العقلية قبل أن يكون قدحًا في النصوص الشرعية، فمن قدّم قاعدةً عقلية على نصٍّ شرعي فكأنما قدَّم فرعًا على أصل عاد عليه بالإبطال، وإذا عاد الفرع على الأصل بالإبطال فإنه لا عبرة بذلك الفرع، كمن أحسن إلى ولدٍ ليقتل والدَه، فهو مغبون ملعون ولا كرامة!

ومن كان عالما ربّانيًّا تقيًّا نقيًّا لم يقدّم قاعدةً عقليةً على نصّ شرعي معتبر، بل عليه أن يهدمها ويميطها عن طريق الاستدلال، لأنها أذى، ((وإماطة الأذى عن الطريق صدقةٌ)).

ولله درّ الإمام القيّم ابن القيّم الفقيه الأصولي حيث قال في كتابه القيّم ((إعلام الموقعين)) جــ 4 صــ 172: ((أن نقعِّد قاعدة ونقول: هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة؛ فلعمرُ اللَّه لَهَدْمُ أَلْفِ قاعدة لم يؤصِّلها اللَّه ورسوله أفرضُ علينا من رد حديث واحد))!

انظر يا صاح إلى هذه الكلمة الذهبية القيّميّة النابعة من قلبٍ يقدّر اللهَ ورسولَه! ثم انظر إلى أغبياء عصرنا المتعالمين المتشبعين زورًا بما لم يُعطوا كيف يردّون أحاديثَ النبي- صلى الله عليه وسلم- لقاعدة أصولية يتيمة مسكينة؟ لتعلم حينها أنهم ((ما قدروا اللهَ حقَّ قدره))!!

الينبوع الثالث: هجران كُتبِ الأحاديث والآثار.

إن من الآفات التي لحقت بكثيرٍ من متأخري الأصوليين لاسيما في زماننا هذا: هجران كتب الحديث والسنة، والانكباب على كتب الفلسفة والمنطق والكلام! فيا لغربة الحديث عند كثير من متأخري الأصوليين! فإن هجران كُتب الحديث عند كثيرٍ من متكلمي الأصوليين أو عدم اطلاعهم عليها من أسباب تضعيفهم لبعض الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم؛ فهذا الإمام الجويني وتلميذه الغزالي- رحمهما الله- قد ضعّفا حديث قصة صلاة النبي- صلى الله عليه وسلم- على ابن سلول ونزول الآية في نهي النبي عن الصلاة عليه وعدم قبول استغفاره له وقول النبي: ((سأزيد على سبعين))، هذا الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم، لكن إمام الحرمين الجويني في كتابه ((التلخيص في أصول الفقه)) جــ 2 صــ 192-193، وفي كتابه ((البرهان في أصول الفقه)) جــ 1 صــ 170 قال إن الحديث ضعيفٌ غير مدوَّن في الصحاح! وتبعه على القول بضعف هذا الحديث: تلميذُه الغزالي، فقد قال في كتابه ((المستصفى)) صــ 267 إن هذا الحديث ضعيف!

وقد ردّ عليهما ابنُ السبكي- رحمه الله- في كتابه ((الإبهاج في شرح المنهاج)) جــ 1صــ382 فقال: ((وهذا باطل؛ فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم.)).

والإمام الجويني مع جلالته في علم الأصول إلا أنه لم يكن يعرف الحديث كما يليق به؛ وقد ذكر هذا الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الجويني، حيث قال: ((كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته لا يدري الحديث كما يليق به لا متنًا ولا إسنادًا))! وأشار إليه كذلك الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير.

والغزالي مع جلالته وإمامته في الأصول إلا أنه كان قليل البضاعة في معرفة الحديث! وقد اعترف هو بنفسه بذلك، فقد نقل عنه تلميذُه ابنُ العربي بالسماع أن الغزالي قال: ((بضاعتي من الحديث مُزجاة)). وقد نقل عنه هذا ابن كثير في طبقات الشافعيين صــ 535

وكذلك الرازي والآمدي وأضرابهم من متكلمي الأصوليين لم تكن لهم عناية لائقة بعلم الحديث.

وصفوة القول: أن عزوف كثير من متأخري الأصوليين عن كتب الحديث والسنة أربكهم في متاهاتٍ ساحقة، فأكثروا من الشُّبَه العقلية والاعتراضات الذهنية؛ حتى إن بعضهم أدخل نفسَه في شُبهةٍ لم يستطع أن يُخرج نفسَه منها! ومن عرف الحديث نصًّا واستنباطًا وقفى آثار الصحابة في فتاويهم وأقضيتهم لم تُربكه شبهةٌ عقلية؛ ولم تحيّره فَنْقَلَةٌ مفترَضة.

وقد ذكر الإمام القرافي المالكي في كتابه ((نفائس الأصول)) جــ 1 صــ 147 أن قواعد أصول الفقه قطعية، غير أن الوصول إلى قطعيتها ((لا يحصل بمجرد الاستدلال ببعض الظواهر، بل بكثرة الاستقراء لموارد الأدلة، ومن كثرت مطالعته لأقضية الصحابة رضوان الله عليهم، واستقراؤه لنصوص الكتاب والسنة حصل القطع، غير أن ذلك يتعذر وضعه في كتاب، فوضع في الكتب ما تيسر وضعه،…من أراد القطع بقواعد أصول الفقه من الإجماع والقياس وغيرهما، فلتيوجه للاستقراء التام في أقضية الصحابة، ومناظراتهم، وأجوبتهم وفتاويهم، ويكثر من الاطلاع على نصوص السنة والكتاب، فيحصل له من جميع ذلك ومن القرائن الحالية، والسياقات اللفظية، القطع بهذه القواعد)).

وإن الاستخفاف بالحديث وأهله أصبح شنشنة لبعض أهل الأهواء من المعاصرين، إن جئتهم بحديثٍ صحيحٍ من كتب السنة قالوا لك بلسان حالهم: ((ائت بقرآن غير هذا أو بدّله))! وإن جئتهم بكلام الباقلاني أو الجويني أو الغزالي قالوا: هذا هو العلم و((إنّا معكم مستمعون))، شنشنةٌ أعرفها من أخزم!

مصادر تاريخ أعلام اليمن بين الوفرة والضَّياع ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر: نظرةٌ في الواقع المعيش

الينبوع الرابع: هجران كتب متقدمي الأصوليين قبل انتشار البدع الكلامية والفلسفات المغلوطة، والانكباب على كُتب المتأخرين!

إن هجران كُتب الأصول للمتقدمين وعدم الرجوع إليها في تحرير الأقوال والقواعد الأصولية لمن أكبر أسباب الانحراف الأصولي المعاصر!

وقد كان ابن خلدون- رحمه الله- كما في ترجمته في كتاب ((الضوء اللامع))- يحذّر في قراءة علم أصول الفقه من طريقة المتأخرين، ويحثّ في قراءته وتعلّمه على طريقة الأقدمين!

وقد ذمّ الإمام الزركشي- رحمه الله- في مقدمة كتابه الأصولي ((البحر المحيط)) جــ1صــ5-6 المتأخرين الذين خرجوا عن مسلك الإمام الشافعي- أول مؤلف في علم أصول الفقه- في الأصول؛ وتركوا أقوالَه في الأصول إلى أقوال من دونه، فقال: ((ثم جاءت أخرى من المتأخرين، فحجروا ما كان واسعًا، وأبعدوا ما كان شاسعًا، واقتصروا على بعض رءوس المسائل، وكثروا من الشُّبَه والدلائل، واقتصروا على نقل مذاهب المخالفين من الفرق، وتركوا أقوال من لهذا الفن أصَّل، وإلى حقيقته وصَّل، فكاد يعود أمره إلى الأول، وتذهب عنه بهجة المعول، فيقولون: خلافا لأبي هاشم، أو وفاقا للجبائي، وتكون للشافعي منصوصة، وبين أصحابه بالاعتناء مخصوصة، وفاتهم من كلام السابقين عباراتٌ رائقة، وتقريراتٌ فائقة، ونقولٌ غريبة، ومباحثُ عجيبة)).

وقد ذكر الإمام الشاطبي- رحمه الله- في كتابه القيم ((الموافقات)) جــ 1 صــ147-154كلامًا جميلًا لمن أراد النبوغ والتحقق العلمي، فذكر طريقين: أحدهما: مطالعة كتب المصنفين ومدوّني الدواوين، وذكر لهذا شرطين: أحدهما: تحرّي كتب المتقدمين.

وأسوق نصَّه بعبارته لنفاسته. قال- رحمه الله-: ((أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد؛ فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، وأصل ذلك التجربة والخبر.

أما التجربة: فهو أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما يبلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري؛ فأعمال المتقدمين -في إصلاح دنياهم ودينهم- على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم، وأقوالهم، وحكاياتهم؛ أبصر العجب في هذا المعنى.

وأما الخبر؛ ففي الحديث: “خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”، وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك…

والأخبار هنا كثيرة، وهي تدل على نقص الدين والدنيا، وأعظم ذلك العلم؛ فهو إذا في نقص بلا شك.

فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم؛ أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع كان، وخصوصا علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى، والوزر الأحمى، وبالله تعالى التوفيق)).

وجرى على مثل هذا التحقيق الشاطبي العلّامةُ عبد الرزاق عفيفي-رحمه الله- في مقدمة تحقيقه لكتاب الإحكام للآمدي، حيث قال ما نصه: ((وخيرٌ لمن يريد فهم علم الأصول على وجهه ويرسخ فيه أن يرجع في قراءته إلى كتب الأوائل، فإنها أقعد، وعبارتها أدق وأوضح، وتحريرهم لمحل النزاع وحكايتهم للخلاف أوفق، لأنهم بذلك أعرف، ونقاشهم للأدلة جارٍ على أصول النقد وقواعد الجدل والمناظرة عند العلماء)).

وهناك قواعد أصولية مبتدعة إنما ابتدعها وأحدثها المتأخرون ونسبوها إلى الأئمة والأئمة منها برءاء، ولن يعلم ذلك من ركن في علم الأصول إلى كتب المتأخرين.

فمثلًا: قاعدة رد خبر الواحد لعموم البلوى، هذه القاعدة مبتدعة محدثة، أول من قالها هو عيسى بن أبان الحنفي المعتزلي ت: 221هـ ثم تبعه عليه كثير من متأخري الحنفية، وتلقّفها عنهم بعض أصحابنا المالكية واحتجّ بها في رد أحاديث قبض اليدين في الصلاة؛

وهذا عن التحقيق بعيد؛ وعن التدقيق سحيق؛ وكذلك اشتراط فقه الراوي لقبول روايته إذا خالفتْ روايتُه القياس، وغير ذلك من القواعد التي اخترعها عيسى بن أبان الحنفي، وهي قواعد لا تثبت عن الإمام أبي حنيفة وغيره من الأئمة.

وصفوة القول: أن اقتصار الباحثين وطلبة العلم على كتب المتأخرين في الأصول لا يوصل في الغالب إلى التحقيق الأصولي، فإن كتب المتقدمين مباركة وتعبيراتهم سليمة، بخلاف كتب كثير من المتأخرين لاسيما المعاصرين، تكثر عندهم عبارات إنشائية ركيكة واستعمال لغات أهل الصحافة والإعلام في كتب الشريعة والإسلام! وللحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله- كتابٌ بعنوان: ((فضل علم السلف على الخلف)) ذكر فيه أمورًا كثيرةً تتميّز بها علوم السلف السابقين والأئمة الغابرين.

ومن مزالق الاقتصار على كتب المتأخرين أن الطالب قد يرى في هاته الكتب قولًا موصوفًا بأنه قول الجمهور؛ وهو على خلاف ذلك عند النظر في كتب المتقدمين.

وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة إفادة خبر الواحد المتلقى بالقبول اليقينَ والعلم، وذلك في معرض تأييده لقول ابن الصلاح- رحمه الله- أن خبر الواحد فيما كان هذا جنسه يفيد العلم واليقين.

قال- رحمه الله- كما نُقل عنه في مختصر الصواعق المرسلة-: ((وإنما نازع في ذلك طائفة كابن الباقلاني ومن تبعه مثل أبي المعالي والغزالي وابن عقيل، وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح القول الأول- أن خبر الواحد المتلقى بالقبول يفيد العلم واليقين- وصححه واختاره، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ليتقوى بهم، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة، وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين وليس لهم بهذا الباب خبرة تامة أن هذا الذي قاله الشيخ أبو عمرو انفرد به عن الجمهور، وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى سيف الآمدي وإلى الخطيب، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني)).

زنادقة الإسلام. بين دعوى ابن الجوزي وتسليم الذهبي ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر: نظرةٌ في الواقع المعيش

الينبوع الخامس وأخطرها: الإعلاء من شأن الاجتهاد والغلو في القول بظنية الأدلة.

إن مشروعية الاجتهاد في الشرع أمرٌ لا ينقطع إلى قيام الساعة، ولا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجته؛ غير أن قومًا عظّموا من شأن الاجتهاد، وأدخلوا شُبَهًا على نصوص ليعطّلوا العمل بها ويجعلوها في خندق الظنيات، فما إن حاججتهم بحديثٍ صحيح قطعي الدلالة إلا وجّهوا إليه مطعنًا لاسيما إذا كان خبرَ آحاد، فيردّونه لظنيةٍ في ثبوته! أو يؤوّلونه تأويلًا تعسّفيًّا يوافق هواهم، وهي طريقةُ للمعتزلة قديمةٌ، حيث قال بعضهم: ((إذا احتج عليكم هؤلاء بالأحاديث فغالطوهم بالتأويل))!

فالإمام الرازي- غفر الله له- ذكر عشرة أمور يجب توافرها في النص ليكتسب القطعية؛ وهذه الأمور المذكورة هي حجر عثرة في طريق الأخذ والعمل بالنصوص الشرعية، وقد سمّاها ابن القيم في كتابه ((الصواعق المرسلة)) بالطاغوت، وردّ عليها وكسرها كسرًا؛ وادّعى بعض الأصوليين المتأخرين أن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، والنصوص لا تفي بعُشر معشار الشريعة!! وهذا القول بهذا الإطلاق يهوّن من الانقياد لنصوص الشرع، وقد روّج لهذا القول بعض المعاصرين وغلا فيه حتى قال بعضهم إن 99% من الشريعة اجتهادٌ!

وهذا القول أصبح ينبوعًا من ينابيع الانحراف الأصولي المعاصر.

وقد ثارت حفيظة الشيخين تقي الدين ابن تيمية وابن القيم في إطلاق هذه المقولة، وأحسن من كرّ عليها بالنقد اللاذع هو ابن القيم في كتابه القيم ((إعلام الموقعين)) جــ 3 صــ91 حيث قال: «اختلفوا هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث.

والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق: فرقة قالت: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعُشر معشارها.

قالوا: فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، ولَعَمْرُ اللَّه! إن هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر.

واحتج هذا القائل بأن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع.

وهذا احتجاج فاسد جدًا من وجوه». ثم ذكرها.

وبعض المتأخرين إذا عطّلوا العمل بالنصوص والأحاديث لجأوا إلى القول بالاجتهاد في المسألة، ثم يزعمون بعده إصابةَ جميع المجتهدين، وأن كل مجتهد مصيب؛ وقد يفتري بعضهم ويُنسب هذا القول إلى الأصوليين؛ ولَعَمرُ الله إن هذا ليس قول محققي الأصوليين ولا قول جمهورهم، بل من يقول بهذا أكثرهم متكلمون من المعتزلة وغيرهم ممن هم عن علم الفقه والكتاب والسنة أجانب.

وقد نصَّ على هذا الإمام أبو المظفّر السمعاني ت: 489هـ- رحمه الله- في كتابه القيّم الموصوف بأنه أجل كتابٍ في أصول الفقه ((قواطع الأدلة في أصول الفقه)) جــ 2صــ323: ((ولقد تدبرت فرأيت أكثر من يقول بإصابة المجتهدين هم المتكلمون الذين ليس لهم في الفقه ومعرفة أحكام الشريعة كثير حظ، ولم يقفوا على شرف هذا العلم وعلى منصبه في الدين ومرتبته في مسالك الكتاب والسنة، وإنما نهاية رأس مالهم المجادلات الموحشة وإلزام بعضهم بعضا في منصوبات وموضوعات اتفقوا عليها فيما بينهم؛ فكل يلزم صاحبه طرد دعواه، وعند عجزه يعتقد عَجْزَ صاحبه وفَلَحَ نفِسه؛ وقد رضى بهذا المقدار من غير أن يطلب النفائس أو تلج صدورا في إقامة دليل يفيد يقينا أو بصيرة؛ وهذا هو أعم أحوالهم إلا في النازلات النادرة؛ فنظر هؤلاء إلى الفقه ومعانيه بأفهام كليلة وعقول حسيرة؛ فعدوا ذلك ظاهرا في الأمر ولم يعتقدوا لها كثير معان يلزم الوجوب عليها)).

الينبوع السادس: تضييق دائرة الواجبات والتوسّع في القول بالاستحباب والسنة، ومن ثَمَّ تهوين الأخذ والعمل بهذه السنن المأثورة.

إن من الآفات التي لحقت ببعض أصوليي آخر الزمان وطلاب علم الأصول: الانحلال من الأخذ بالسنن والمستحبات الظاهرة، ولا أُبرّئ نفسي- والله المستعان-! فكأن ترك المستحبات والسنن أصبح سيمةً وصفةً من صفات الأصولي! ألا ساء ما يحكمون!

ومما أذكره بهذا الصدد أنني كنتُ يومًا في قاعة الدراسة في مرحلة الدكتوراه، وكانت عندنا مادة ((أسباب اختلاف الفقهاء))، والتي كان الكتاب المقرَّر علينا: كتاب الإمام البطليوسي ت: 521هــ ((الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم))، وكان شيخنا الدكتور المعمَّر المتنفنن الفقيه الأصولي اللغوي القارئ المقرئ عبد الله عمر الشنقيطي- حفظه الله- هو الذي يلقي لنا هذه المادة ويدرسنا بهذا الكتاب، فتناول مسألةً حاورتُه فيها، ثم قلتُ في نهاية المطاف: يا أيها الشيخ: إن هذا الأمر سنةٌ لا يلزم العمل بها!

فقال لي الشيخ: يا ابني عمر: ما هو تعريف السنة في اصطلاح الأصوليين؟ فأجبتُه بأنها التي في فعلها ثوابٌ وليس في تركها ذمٌّ ولا عقاب. فقال الشيخ: هل أنت يا عمر غنيٌّ عن ثواب الله؟! هل وصل بك الحال إلى أن استغنيتَ عن ثوابٍ وأجرٍ من الله؟! فإن علماءنا السابقين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان كانوا يتعلمون سنةً ليعملوا بها، أما نحن فنتعلم سنةً ونبحث في أمرٍ ديني لنصل إلى كونه سنةً ثم نترك العملَ بها!

أقول: إن هذا الكلام كان له الأثر البالغ في نفسي، ولا يقوله إلا عالمٌ ربّاني.

والانحلال من ربقة الالتزام بأوامر الشرع وسنة النبي- صلى الله عليه وسلم- أمرٌ لم يكن عليه الأصوليون القدماء، ويكفيك شهادةً عليه أن تطالع كُتب الإمام الشافعي الفقهية وسيرته الذاتية، فهو أبو علم الأصول وأمه- على حدّ تعبير ابن عقيل- وأول من ألّفه في الكتب، لكنه كان ملازمًا للسنة في الظاهر والباطن، والالتزام بالسنة لا يعني التشدد، ففرقٌ بين الالتزام بالسنة وبين التشدد الممقوت.

وقد ذكر الإمام ابن حزم- رحمه الله- في كتابه الأصولي القيّم ((الإحكام في أصول الأحكام)) جــ6صــ 167 عالمًا انحلّ من ربقة الالتزام بالشرع، مع كونه موصوفًا في بلده عند العامة بالتقدّم في العلم والفقه.

قال ابن حزم ما نصه: ((فقد يحمل اسم التقدم في الفقه في بلدٍ ما عند العامة من لا خير فيه؛ ومن لا يُعلم عنده؛ ومَن غيره أعلم منه، وقد شهدنا نحن قومًا فسَّاقًا حملوا اسم التقدم في بلدنا؛ وهم ممن لا يحل لهم أن يفتوا في مسألة من الديانة؛ ولا يجوز قبول شهادتهم؛ وقد رأيت أنا بعضهم، وكان لا يُقدَّم عليه في وقتنا هذا أحدٌ في الفتيا، وهو يتغطى الديباج الذي هو الحرير المحض لحافًا؛ ويتخذ في منزله الصور ذوات الأرواح من النحاس والحديد تقذف الماء أمامه؛ ويفتي بالهوى للصديق فتيا؛ وعلى العدو فتيا ضدها؛ ولا يستحي من اختلاف فتاويه على قدر ميله إلى من أفتى وانحرافه عليه؛ شاهدنا نحن هذا عيانًا؛ وعليه جمهور أهل البلد إلى قبائح مستفيضة لا نستجيز ذكرها لأننا لم نشاهدها)).

فاللهَ نسأل أن لا يجعلنا ممن استكثر حججَ الله عليه، وأن يرزقنا العلمَ النافع والعمل الصالح.

والحديث عن ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر حديثٌ ذو شجون، والله المسؤول أن يعصمنا جميعًا من الزلل، ويثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. –آمين-.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى