أشتات

على ربوة الاستشراف: كيف نبصر المستقبل في زمن الغبش

في أزمنة الاضطراب، كالزمان الذي نعيشه اليوم، حيث تتداخل فيه الأصوات وتضطرب الموازين، يصبح النظر إلى المستقبل ترفاً في أعين كثيرين، أو هروباً من مواجهة الواقع المُؤلم. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، إذ إنّ الاستشراف ليس ترفاً فكرياً، بل هو من صميم الفعل الحضاري، ومن لوازم البصيرة التي يُناط بها بناء الأمم واستئناف دورها.

أعلمُ أنّ اللحظة الراهنة بما فيها من غبش وضبابية، تدفع كثيراً من الناس إلى الارتهان لما هو قائم، أو إلى خطاب شعبوي يلتقط انفعالات الشارع دون أن يملك قدرة على تجاوزه. وفي هذا السياق، يغيب دور “أهل الربوة”؛ أولئك الذين يقفون على مرتفع الرؤية، فيبصرون ما لا يُبصره المنهمكون في تفاصيل اللحظة. فالماشي في الوادي لا يرى إلا ما تحت قدميه، أما من اعتلى ربوة، فإنه يرى المشهد في كليّته، ويُدرك مساراته ومآلاته.

من هنا، تبرز الحاجة إلى عقلية استشرافية قادرة على:

  • رسم خريطة دقيقة للواقع ومكوناته
  • تحليل محركات القوة والتأثير فيه
  • تصور البدائل الممكنة
  • اتخاذ قرارات حاضرة واعية بمآلاتها المستقبلية

وهذا ليس قفزاً فوق الواقع، بل قراءة له بعمق، وربطه بأفق ممتد، بحيث يصبح الحاضر جسراً واعياً نحو المستقبل، لا قيداً يقيّدنا به.

أمة الوحي ومسؤولية الإعداد الحضاري

ولعلّ ما يميز أمتنا، في هذا السياق، أنها ما تزال متصلة بوحي السماء، وهو اتصال يمنحها مرجعية أخلاقية ومعرفية قادرة على إنتاج حلول تتجاوز الفوضى التي يعيشها العالم اليوم. ففي زمن تتكشف فيه أزمات عميقة في المنظومات السياسية والأخلاقية، من فضائح أخلاقية إلى حروب مدمّرة، تتبدى الحاجة إلى نموذج إنساني متوازن، يعيد الاعتبار للعدالة والكرامة والمعنى.

وهنا تتجلى المسؤولية الأخلاقية والسننية لهذه الأمة، كما جاء في التوجيه الرباني: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ} [الأنفال: ٦٠]، فالإعداد هنا ليس عسكرياً فحسب، بل هو إعداد فكري، ومعرفي، واستراتيجي، قائم على فهم السنن واستباق النوازل.

وقد عبّر الإمام أبو حنيفة رحمه الله عن هذا المعنى بعبارة عميقة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه.” ومن هنا نشأت مدرسة “الأرأيتيين”، التي تبني فقهها على السؤال الاستشرافي: “أرأيت إن كان كذا؟”، وهو سؤال لا يهرب من الواقع، بل يتقدّم عليه.

إنها أمة مدعوة إلى أن تُفكر، وأن تتوقع، وأن تُعدّ، وأن تُنقذ – بدءًا من إنقاذ ذاتها، وتعزيز وعيها، ورفع سويتها الإيمانية والمعرفية، انطلاقاً من منهج التوحيد ودورها الحضاري.

الاستشراف في المنهج النبوي… حين يُبنى الأمل وسط العاصفة

وإذا انتقلنا إلى النموذج النبوي، وجدنا فيه أرقى تجليات الاستشراف وبُعد النظر في أحلك الظروف. ففي غزوة الخندق، حيث بلغت الفتنة ذروتها والخوف حدّه، وصف القرآن الحال بقوله:
{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا – هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10-11]

كان المشهد بالغ القسوة: حصار وخوف ونفاق وضغط خارجي. ومع ذلك، وفي خضم هذا الانكسار الظاهري، يخرج النبي ﷺ برؤية تتجاوز اللحظة، فيبشّر بفتح الشام وفارس واليمن. لم يكن ذلك خطاباً عاطفياً، بل تأسيساً استراتيجياً للوعي؛ ونتيجته كانت ذلك الجيل الصلب الفريد:
{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْه} [الأحزاب: 23]

وهي تربية لا ترتهن لقسوة اللحظة، بل تُحسن توظيفها لبناء المستقبل. وهنا تتأكد الحاجة إلى قادة يمتلكون هذه العقلية: يقرؤون الواقع، لكن لا يستسلمون له؛ يستوعبون الألم، لكن لا يفقدون الأفق.

الاستبشار كمنهج… توسيع زاوية الرؤية

ومن أهم ما ينبغي ترسيخه في هذا السياق: ثقافة الاستبشار.
فالاستبشار ليس إنكاراً للواقع بكل تفاصيله المؤلمة، بل هو قراءة له ضمن سياق أوسع. فالحاضر، مهما اشتدّ ظلامه، يحمل في طياته بذور المستقبل. والمشكلة ليست في قتامة المشهد، بل في الانحباس داخل زاوية واحدة منه.
وإنّ دور العلماء والمثقفين وأصحاب الوعي هنا دور محوري في توسيع زاوية الرؤية، وابتكار أدوات جديدة للمواجهة، وقراءة دورات التاريخ. فالتاريخ لا يسير عبثاً، بل وفق سنن مُحكمة؛ ومن سننه أنّ التطرف والتجبّر والتوحّش إذا بلغ ذروته، فإنه يُنذر بولادة مشروع جديد يعيد التوازن.

وعليه، فإن الرهان على المستقبل لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية.

بين الحاضر والمستقبل… معادلة الفعل لا التمني

ومع ذلك، فإن الاستشراف لا يعني الهروب إلى المستقبل وترك الحاضر والقفز إلى الأمام. فكم من مشاريع عظيمة انهارت لأنها استبدلت العمل بمجرد التخطيط، والفعل الحقيقي بالأماني.

وفي هذا المعنى، يقول أحمد كمال أبو المجد:
إنّ المستقبل كلّه بيد الله … وتقدير الغيب كله من أمره وعلمه سبحانه، ولكن يد الله في دنيا الناس عدل ورحمة، لذا، فإنّ ما نصنعه في حاضرنا هو الذي يحدد مكاننا على خريطة المستقبل.. وما نحققه في واقعنا من شروط النهضة وأسباب الانبعاث، هو وحده الذي يفتح أمامنا آفاق الرجاء، ويطرق بنا أبواب الأمل في التغيير.”

فالمستقبل ليس فكرة تُتخيل وحسب، بل نتيجة تُبنى خطوة خطوة. وكل ما نحققه اليوم من شروط النهضة هو الذي يفتح لنا أبواب الأمل.

طول الطريق… مدرسة التزكية والبناء

ثم إن الطريق – أيها الكرام- مهما طال، فهو جزء أصيل من عمليات البناء والترميم. فالمعاناة ليست عبثاً خالصاً، بل مدرسة تصقل النفوس، وتراكم الخبرات، وتكشف مكامن الخلل وتمنح الفرصة لإعادة اللياقة وربط الخطى والخطط بالله تعالى.

وقلة السالكين ليست دليلاً على خطأ الطريق والوجهة، بل على صعوبته. وقد قال الفضيل بن عياض رحمه الله:
عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين.” من هنا، فإن النخبة التي تقود معركة الوعي لا بد أن تتسم بالهدوء، والعمق، والقدرة على التخطيط بعيداً عن ضجيج اللحظة، وتقلبات الأخبار، وتهديدات السياسة العابرة. إنها نخبة تنطلق من القرآن، وتنتسب إلى منظومة القيم، وتعمل بثبات في مشروع طويل النفس.

وفي ختام هذا التأمل، يبقى الأفق مفتوحاً، رغم كل شيء.
{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51]
أن ترى القرب في البعد،
والأمل في الألم،
والمستقبل في رحم الحاضر.

وهذا، في جوهره، هو معنى أن تقف على ربوة الاستشراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى