المدونة

حتى لا تنطفئ الدنيا

العلماء نور الدنيا، بغيرهم يعم الظلام. قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: “مثل العلماء في الناس كمثل النجوم في السماء يهتدى بها”، وكما أن الموت يفقدنا العالم، فتنطفئ نجمة من السماء كانت تعين أخواتها على إنارة الدنيا، فكذلك قد نفقد العالم وهو ما زال حيًا، وتنطفئ نجمة تلو نجمة حتى تنطفئ الدنيا، لكن كيف؟

تأتي أهمية العلماء من كونهم الرابط بيننا وبين رسالة الله تعالى لنا، بيننا وبين الوحي، كيف نتلقى هذه الرسالة، كيف نفهمها، كيف نعمل بها، لولا العلماء لتعطل كل هذا. لذلك كانوا هم ورثة الأنبياء. قال رسول الله ﷺ: “وإن العلماء ورثة الأنبياء”. [صحيح أبي داود].

  • الدين الشامل

لله تعالى حكم في كل قول وفي كل فعل، ويدور الحكم بين الوجوب والجواز والتحريم والكراهة والإباحة، وهذه قسمة عقلية لا يختلف فيها عاقل، ويجتهد أهل العلم لمعرفة حكم الله تعالى في الأقوال والأفعال المختلفة حتى يعبد الإنسان ربه على بصيرة، وقد خلقنا جميعًا للعبادة، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. إذن، دين الله تعالى دين شامل حاكم على كل قول وفعل.

وتنحية حاكمية الله تعالى عن جزء من الحياة، هذا باب شرك، إذ وكأننا زاحمنا الله تعالى في حكمه. ويعلم من هذا، أن هذا العالم الذي سيبحث عن حكم الله تعالى في الأقوال والأفعال المختلفة، سيجد نفسه كما يدخل في باب العبادات والمعاملات وتلك الأبواب المعروفة من أبواب الفقه، يدخل في أبواب مثل السياسة والاقتصاد والقضايا الاجتماعية والكلام في الشأن العام، ولأن الكلام في كل هذه الأبواب يتطلب بالضرورة تصورها، إذ كما يقال الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فكان مطلوبًا من العلماء أن ينفروا إلى إتقان السياسة والاقتصاد ورصد ودراسة وفهم الواقع، وإلا تعطل جزء كبير من دور العلماء، وهذا يعني ضياع الناس، وانتشار الهوى.

  • التفعيل الناقص – السياسة أنموذجًا

السياسة المقصودة في هذه الكتابة هي خليط بين العلم المعروف بدراسة الدولة والسلطة والنظم السياسية والعلاقات الدولية والسياسات العامة وبين التصدر للكلام في ما يخص الأحداث السياسية المختلفة. مما لا نقاش فيه أن المطلوب من العالم الشرعي في باب السياسة ليس مثل المطلوب من السياسي من اهتمام ودراسة ومتابعة، ولكن القدر الذي يجعله إذا جاء يُسأل يعرف كيف يجيب بجواب لا يبتعد عن الحق. لكننا نشاهد في واقعنا تقصير العلماء في هذا الباب، وفي الاهتمام بالواقع وما يجري فيه بشكل عام، حتى اشتهر قول بعض العلماء: “من السياسة ترك السياسة”. وهذا إن حمل على الإغراق في متابعة الشأن السياسي أو العمل السياسي لغير السياسيين فهو صواب، لكن ترك السياسة كل السياسة هو بمثابة ترك جزء من الدين. أصبح العالم اليوم منفصلًا عن الواقع وعلى إثر هذا أصبح المشتغل بالواقع اليوم منفصلًا عن العلم.

  • الخروج من الأزمة – كيف لا نفقد العلماء؟

الحديث عن الخروج من أزمة تقصير العلماء في باب السياسة أريد تناوله من جانبين:

الجانب الأول: بيان ضرورة علم العالم بالواقع بشكل عام.

يقول الإمام ابن القيم: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر”. [إعلام الموقعين].

إذن، يبين الإمام ابن القيم ضرورة العلم بالواقع بالنسبة للعالم حتى يفتي ويحكم بالحق في المسائل التي تتطلب علمًا فوق العلم بالشرع. تأملوا ما يروى عن النبي ﷺ في السيرة أنه قال: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق”، أليس هذا من العلم بالواقع؟ متابعة لشأن دولة ومعرفة حالها وحال حاكمها، أليس هذا من الشأن السياسي الدولي؟ على العلماء وعلى من يسير في طريق العلم إذن أن يصحح المسار. وإلا ففقد العلماء المشتغلين بالواقع سبب الكثير من الانحرافات والشرور أظهرها القول والعمل بغير علم.

الجانب الثاني: أما والحال أننا في هذه الأزمة، فمن المعالجات الخاطئة أن تعالج هذه الأزمة بأزمة أكبر.

يحدث أنه بسبب انفصال العلماء عن الواقع أن لا يجدهم الناس في الزمان والمكان الذي يتوقع منهم أن يكونوا فيه عند الحاجة، أو أن يكونوا موجودين لكن مقصرين بل أحيانًا يصل التقصير إلى أن يكون وجودهم بخلاف المتوقع منهم، وهذا يُحدِث في الناس السخط على العلماء بشكل عام ويصل إلى إسقاطهم. لكن ماذا إن سقط العلماء؟ ماذا إن فقدنا العلماء؟ قال ابن عباس -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالى: {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}: “ذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها”. وقال مجاهد: “موت العلماء”.

فيا قوم، لا تقتلوا علماءكم وهم بعد أحياء، فقد العلماء بالموت هو هو فقدهم وهم أحياء بإسقاطهم، وهذا كله يطفئ علينا الدنيا! السخط مبرر، لكن علينا أن نفهم أنه ليس كل عالم يكون على غير المتوقع منه إذا تكلم في السياسة أو في الشأن العام فهو بالضرورة يقصد الخطأ. لكن في كثير من الأحيان يكون سبب هذا الخطأ هو تقصيره السابق في العلم بالواقع، وعلى هذا، يعذر على خطئه إذ يكون متأولًا، بمعنى أنه جاهل جهلًا مركبًا، يجهل المسألة وفي نفس الوقت يظن أنه يعلمها. فهذا يصح عليه أنه طلب الحق فأخطأه، وليس من العدل أن نتعامل معه تعاملنا مع من كان يطلب الباطل. قال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا}. من كان يطلب الباطل، فهذا يجب علينا قطع الطريق عليه وإسقاطه وتنفير الناس عنه فهو عالم سوء، لكن من كان يطلب الحق فأخطأه، فهذا يحرم علينا إسقاطه، ويحرم علينا التعرض له بما ينفر الناس عنه، وإلا فقدنا الكثير من الخير في هذه الدنيا، لكن نرد على خطئه، ونظهر الحق، ونحفظ له مكانته.

  • كيف التمييز بين من يطلب الحق ويخطئه وبين من يطلب الباطل؟

قد تقرر أنه يجب علينا التمييز في المعاملة بين من يطلب الحق ويخطئه وبين من يطلب الباطل إذ هذا مقتضى القول العدل، لكن كيف نعرف هذا وذاك؟ الأمر ليس بصعب، من يطلب الباطل، سنجده دائمًا يوافق الباطل، لكن من يطلب الحق ويخطئه، سنجده يوافق الباطل مرات ويوافق الحق مرات. ومن يطلب الباطل، لا يمكن أن يتراجع عنه إذا تبين له الحق، لكن من يطلب الحق ويخطئه سنجده إذا تبين له الحق أخذ بالحق وتراجع عن الباطل.

حتى لا تنطفئ الدنيا 2 حتى لا تنطفئ الدنيا
  • نصيحة من عالم إلى طالب العلم

قال ابن عثيمين: “من المعلوم أن واقع الناس لا بد أن يكون معلومًا لدى الإنسان، حتى يعرف ماذا يعيش فيه، وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى في قوله حين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن: (إِنَّكَ تَأتِي قَومًا أَهلَ كِتَابٍ) فأخبره عن واقعهم وحالهم، لكن لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يطغى على الفقه في الدين، وأن لا يكون للشاب أو لغير الشاب هَمٌّ إلا أن يبحث ما حصل، وماذا حصل، في أمر لا يمكنه إصلاحه، أيضًا لو أراد الإصلاح فالفقه في الدين هو الأصل، ولهذا قال النبي ﷺ: (مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) والفقه في الواقع نحتاج إليه لنطبق الفقه في الدين على أحوال الناس، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يطغى فقه الواقع على الفقه في الدين، بحيث لا يكون للإنسان هَمٌّ إلا مطالعة الجرائد والمجلات، وما أشبه ذلك، ويعرض بذلك عن مطالعة الكتاب والسنة”. [لقاءات الباب المفتوح].

  • خاتمة

الإنسان كثيرًا ما يغلّب مشاعره على العقل والمصلحة، والمشاعر قد تكون محمودة لكن ما يترتب عليها من عمل ليس بالضرورة يكون محمودًا، علينا أن نحافظ على علمائنا لأنه من الحفاظ على الدين، وفي نفس الوقت علينا أن نعالج الخلل، على طالب العلم اليوم أن يحرص على ربط الناس بالعلماء وتليين القلوب القاسية، وفي نفس الوقت عليه أن يجتهد في أن يكون مرتبطًا بواقع الناس ويدعو إلى ذلك العلماء وطلبة العلم، نريد أن نخرج من المأزق، لا نريد أن تنطفئ الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى