المدونة

مسلسل الإمام الغزالي .. ملحمة الشك واليقين

“الناسُون كُثُر” والمَنسيون أكثر.. والإمام أبو حامد الغزالي من الشخصيات القليلة، بل النادرة، الغائبة الحاضرة، التي ما زالت تحتفظ بها ذاكرة التاريخ (الإسلامي والعالمي) للأجيال المتعاقبة منذ ألف سنة إلى الآن.. وإلى قابلِ الأيام بإذن الله. ولا غرو في ذلك؛ فصاحبها من أكثر العلماء إسهامًا وتأثيرًا في الحضارة الإسلامية والإنسانية.. وآثاره وكتبه الباقية شاهدةٌ على علوِّ كعبه في كلّ العلوم التي ألّف فيها.

 أمّا أطوار حياته وتحوّلاته الفكرية فهي مادةٌ غنيةٌ دسمةٌ للكُتّاب من الأدباء والمفكرين.. وبَذرٌ ملهمٌ للمبدعين وأصحاب الذوق، ما زال يورِقُ في أعمالهم أيّما إيراق؛ مِن ذلك إنتاج العمل الدرامي التركي الضخم من شركة (Akli Film) العام الفائت (2025 م).

شاهدتُ حلقات المسلسل التركيّ خلال أيام عيد الأضحى المبارك، تحت عنوان: الإمام الغزالي.. حجة الإسلام (قصة عشق) ( İmam Gazâlî Hüccetü’l-İslâm ) .. وهي عشر حلقات مدة كل حلقة ساعة تقريبًا.

لا يتتبّع العملُ السردَ الخطيَّ “التقليدي” لسيرة حياة الإمام الغزالي، ولا يمكن الاعتماد عليه كمرجع تاريخي لها إذ يحتاج لكثير من التدقيق. لكنه يقدّم للمشاهد سيرة ذهنية روحية تصف فترة الحيرة التي عاشها الإمام قبيل وفاته بسنوات .. وتجمع له ومعه، في الزمان والمكان، كلّ الذين تاثَّرَ بهم أو أثّرَ فيهم .. فلا اعتبار في هذا العمل لغير العالَم الداخلي للشخصيات .. عالَم أفكارهم .. هواجسهم .. أحلامهم ومشاعرهم .. ومقولاته مستوحاة من كتابه الشهير(المنقذ من الضلال) ومن كتابه الآخَر الذي تَوّجَ تأليفه نهاية المسلسل (فضائح الباطنية). إننا نجد الزمان في العمل ضبابيًّا يكاد، لولا وشاية الصورة والملابس وطراز العمران واللغة والأسماء، يكون متجرّدًا لخدمة الأفكار والمعاني التي تضجّ بها المَشاهد كلُّها..

مسلسل الإمام الغزالي . ملحمة الشك واليقين 5 مسلسل الإمام الغزالي .. ملحمة الشك واليقين

يحكي العمل، في قالب درامي أشبه ما يكون بالملحمة التاريخية، بزوغ فجر “مجدّد الأمّة” الذي صوّره بطلًا “خارقًا” أقرب لـ”أسطورة” تتعلق به القلوب التائهة والنفوس الواهنة، وترنو إليه ليحمل مشعل الحق ويمضي به بنور من الله.. يحيل ليل الأمة الذي طال إلى شروق.. يوحّدها بعدما تمزّقت شيَعًا.. ويعيدها إلى جادّة الصواب.. ويضع قدميها على أسس ثابتة من إدراك الحقيقة التي لا تكتمل إلا باجتماع العقل والقلب معًا.. “الأمانة لا تكون عبئًا على حاملها بل تُقوّيه”.

وكأنّ كل شيء في الزمان والمكان كان ينتظر بلهفة ميلاد ذلك المجدد الواحد.. بل إنه يتراءى، بشحمه ولحمه،  لبعض المؤمنين التائقين في أحلامهم رؤًى صالحة تتكرر.. وتُذكِّرُ بما بدأت به النبوة، وما تبَقّى من ميراثها بعد وفاة خاتمها ﷺ.

تدور أحداث العمل بين مدينتي طوس (مسقط رأس الغزالي) ونيسابور (حيث عَلا صِيتُ الإمام وعُرف بمناظراته للعلماء وطلبة العلم)، في فترة حكم الدولة السلجوقية.

أمّا شخصياته فتكاد تكون كلها رئيسة؛ أفراد عائلة الغزالي (والده ووالدته وشقيقه أحمد وصالح اليتيم الذي رُبِّي معهم)، شيخ الزاوية في طوس (فيض الله)، إمام الحرمين (الجويني)، والوزير (نظام الملك)، وشيخ الطريقة (النسّاج)، السيدة خاتون، الأم (كوثر)، زعيم جماعة قطّاع الطرق، القاضي، قائد فرقة الباطنية (حسن الصباح) ومعه تلك المرأة التي اختُزل دورُها في بضع كلمات ونظرة عينيها الثاقبة الفاتنة! 

مسلسل الإمام الغزالي . ملحمة الشك واليقين 7 مسلسل الإمام الغزالي .. ملحمة الشك واليقين

من الأمور اللافتة بشدةٍ في العمل أنّ أدوار الشخصيات النسائية كانت جميعها قوية وإيجابية؛ “زينب” والدة الإمام الغزالي؛ هي الأم الحنون التقية والزوجة الصالحة والمؤمنة الصابرة، والسيدة “خاتون” هي الداعية والمرشدة الحكيمة للفتيات في المدينة، وصاحبة الرؤى الصادقة. والأم “كوثر”، التي لم تنطق بغير كلام الله تعالى في كتابه العزيز منذ أربعين سنة، هي المعلمة الروحية للسيدة خاتون ولغيرها من النساء.

يبحث إمام الحرمين “الجويني” عن وريث لعلمه لا يضيع في الكتب، إذ “تحترق الكتب لكن الحقيقة لا تحترق”.

ويطلع نجم الغزالي في غفلة من أهل الزمان.. ضعفت فيه الأمة.. واحتدّ صراع علمائها وعامّتها بين الظاهر والباطن.. بين القلب والعقل.. بين العلم والخرافة..

“تفقَّد حالَ الأمانة التي أَودعتَها أيًّا كانت.. تفقَّدها حتى لا تذبل”..

ما أشبه حالنا اليوم بحالنا بالأمس! ينشغل الإمام الغزالي بإيقاظ العقول لإحياء الدين، ومِن شأن الدين أن يحيي الشعوب.

مسلسل الإمام الغزالي . ملحمة الشك واليقين 3 مسلسل الإمام الغزالي .. ملحمة الشك واليقين

وهكذا نرى العمل مشحونًا بالرموز التي تملأ الأسماع والأبصار وتُمتّعُ الأفئدة والألباب وتحضّ الخواطر على التأمل والاعتبار؛ الوردة المحمّدية، الضباب والنار، الكفن والتراب، الكتب والاحتراق، الطريق والأبواب..

ولا شكّ في نجاح تقنيات التصوير العالية، والإضاءة الخافتة حينًا والساطعة حينًا آخر، ولوحة الألوان المختارة بدقة وعناية، في استحضار روح العصر ورسم ملامح شخوصه؛ إذ نقلت لنا شحوب القلق في عينَي الغزالي، وسخط الحرمان في عبوس اليتيم صالح، ومسحة الرضا في ابتسامة الإمام الجويني، وتعب السنين في مُحيّا السيدة خاتون.

أمّا الموسيقى فكانت آسرة؛ وهي مِن أبرز جماليات العمل، بل إحدى أهم ركائزه؛ ليس بوصفها في خلفية الصورة أو الحوارات فحسب؛ لكن بوجودها متفردة في مشاهد عديدة، كأنها بطل حاضر بقوّة في صوتها كما في صمتها، وفي لغاتها الكثيرة التي تجلّت بها؛ فتارةً تتحدث الطبيعة بلسان الريح والماء والشجر والحجر، وتارةً أخرى ينشد الناي أنينًا يُذيب قسوة القلوب، أو يعوي الذئب عِواءً يهزّها رُعبًا. وبلغ التأليف الموسيقيّ ذروة إبداعه في لحن شارة المسلسل في مقدّمته ونهايته.

مسلسل الإمام الغزالي . ملحمة الشك واليقين 9 مسلسل الإمام الغزالي .. ملحمة الشك واليقين

وعلى الرغم من أنّ النص حافل بحشود من الكلمات والوصايا والإشارات إلى مركزية العقل في بلوغ المعرفة، فإن المقولة الكبرى والرسالة العظمى التي تتسرب إلى نفس المُشاهد فتستقرّ بها، تنطق وتُوجّه وتُغري بسلوك الطرق الروحانية والصوفية والفلسفية والعرفانية، وتُنصّبُ القلب “العاقل” وحده ملِكًا متوّجًا على عرش الحياة الرضيّة المفضية إلى سعادة الدنيا والآخرة..

مسلسل الإمام الغزالي . ملحمة الشك واليقين 8 مسلسل الإمام الغزالي .. ملحمة الشك واليقين

يمكن تصنيف العمل فكريًّا على أنه صراع بين العقل والقلب، بين عالَمٍ تضخّمت فيه المعلومات وغاب عنه اليقين.. أو بين “الحقيقة” و “الظلام”.. لأنّ “الحقيقة تختار سالكها”.

كل شيء في هذا العمل البديع كان قد وُظِّف ليحكي قصته كاملة.. الموسيقى.. الأعين الحائرة.. الصمت والصوت.. العقل والقلب.. المريد والشيخ.. الزاوية والمدرسة.. الأرض والسماء.. الطير والخيل.. النار والنور.. الودّ والحقد.. الورد والشوك.. الحرب والسلم.. الذِّكر والنسيان..

لكنّ تجربةَ مشاهدته وحدها، بكلّ ما نتّفق فيه معها أو نختلف، تبقى  فرديّة وجدانية خاصّة لا يعدلها سماع رأي ولا توفّي حقيقتَها صياغة الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى