
يقول زكي مبارك: “الأدب أصعب مرتقى، وأعز منالا من أن يمتلك ناصيته من يقرؤونه في أوقات الفراغ”.
إن الإقبال على الأدب مع انعدام إجلاله ومحاولة الترقي فيه دون توقيره لا يكون معه نبوغ أدبي ولا مقدرة عالية على حسن البيان، فليت شعري أي إجادة أدبية سيحوزها المستهين بالأدب المستخف بأهله المحتقر صناعته، إن الحذق في الصناعة الأدبية شأنه شأن الحذق بأي صناعة لا يرزقه من يوليه قليل وقته وشحيح مرانه، فمتى لم يطل العهد به وقلت المصاحبة له ولا ذهبت الأزمان العزيزة في تطلّبه تأبى وتمنع جيده وحسنه على من سلف نعتهم وكان خرط القتاد أيسر عليهم من نيل السمو البياني!
وفي هذا السياق أوافيك بكلمة للمازني من رد له على ماكس نورداو لرأي سيء رآه لمستقبل الفنون والشعر وعده لهما سلوى وملهاة، قال فيها: “ومنها اعتباره الأدب والفنون سلوى وملهاة وما هي في شيء من هذا ولا هي تتخذ لهوا إلا في عصور الاضمحلال التي تعتري الأمم، وإنما هي في الصميم من الجد بأدق معاني الكلمة، وإن لأعجز عن تصور الأدب والفنون، كيف تكون لهوًا زائلا وسلوى يقطع بها الوقت، ويقتل الفراغ”
كلمة المازني تدل على مرمى كلامي ومقصوده بنسج أبلغ وبتعبير أوفى، فأكتفي بالإشارة إليها دون اجتهاد في تبيينها، ومعناها جلي وحسنها ظاهر، وأترك لك حق تأمل مضمونها الجليل الجميل.
إن الاستخفاف بالأدب بدعة ينبغي لنا محاربتها وتبيان خطرها ومصاولة أنصارها، والأيام تتصرم شاهدة على عزة الأدب وجلاله، وتفوق أنصاره المخلصين له، فمن رامه متهاونا مزدريا لم تنفق بضاعته في سوقه، ولا حفل بإنتاجه متقنو صنعته.
ومن عجبٍ أن تذيع فينا الاستهانة بالأدب وعهدنا قريب بكوكبة من الأدباء كانوا مضرب المثل في إتقان الأدب وإجلاله، وليس يخفى عليك من أقصد بالكوكبة فاذهب ففتش في سيرهم فستجد إكبار البيان وإعظامه، والجهود المتصلة في تحصيله، والأوقات المنفقة على اكتسابه، والأموال الذاهبة في سبيله، أمورًا مشتركة بينهم تعلل نبوغهم الأدبي وتفسر نفاسة إنتاجهم الكتابي، واستحقاقه للخلود، كما نعرف بها علة رداءة بضاعتنا الأدبية وسوء حظنا في سوقه.
