أدب

في مديح الخيط الرفيع قراءة في “بخيط من حبر” لخالد بُرَيْه

العنوان هو أول النص وآخره.

“بخيط من حبر”، ثلاث كلمات تحمل فلسفة كاملة في الكتابة. الباء للاستعانة، والخيط للدقة والرهافة، والحبر للأثر. وفي اجتماعها إقرار ضمني بأن الكتابة عمل يدوي دقيق، أقرب إلى الخياطة منه إلى الخطابة. الكاتب هنا حِرَفيٌّ يجلس على كرسيه بهدوء، ويشرع في نسج ما لا يُرى إلا حين يكتمل. وهذا وحده موقف، في عصر يتسابق فيه الكتّاب على الصوت العالي والحضور المدوّي.

لا يصح قراءة هذا الكتاب بوصفه مجموعة مقالات متفرقة جمعها صاحبه بين دفتين، لأنه وصف شكلي لا يفي الكتاب حقه. والأصح أن يُقرأ بوصفه تأملات في تجربة الكتابة من منظور من عاشها ولم يدرسها فحسب. فالفرق بين من يكتب عن الكتابة من برج أكاديمي، ومن يكتب عنها من داخل الجرح، فرق جوهري. وهو ينتمي إلى الصنف الثاني، لا يعرّف الكتابة بل يعيشها أمامك، ويكشف لك ندوبها وبهجتها في آن واحد. يكتب في موضع: “رأيتُ أن أُدوّن كل تلك الآلام التي وقفتُ عليها، أن أحوّل الوجع الذي ضربني بسياطه إلى تاريخ مُضمخ بالأسى”، وعبارة “مُضمّخ بالأسى” وحدها تكشف أن الوجع لا يتحول إلى كتابة إلا بثمن إضافي من الروح. ولا يكتفي بهذا، بل يشك في تجربته الذاتية ذاتها: “كنتُ أشعر بخوف شديد… ثمّة معارك تحتدم في داخلي”، وتلك العبارة في معرض التعبير عن شعوره“ أني لست أهلا لذلك أو هكذا بدا لي” هي أمانة الكاتب الحقيقي الذي لا يدّعي يقينًا لا يملكه.

ومن هنا تأتي قوة الكتاب الحقيقية: ليس في المعلومة التي يمنحك إياها، بل في الحال التي يُوقعك فيها. تقرأ فتشعر أنك أمام ما يسميه هو نفسه (الإنسان الكوني)لا يفرّق في قراءته بين شرق وغرب، ولا بين قديم وحديث، يجمع في إطلالة واحدة بين أعمدة النثر العربي وآباء المقالة الغربية، وبين كبار الرواية العالمية ومفكري الإسلام. لكنه لا يستعرض ما قرأ، بل يسكنه. وهذا فارق جوهري بين من يحمل ثقافته كزينة، ومن يحملها كطريقة في النظر إلى العالم. والقارئ لا يجد في الكتاب فهرساً لأسماء، بل يجد خريطة ذهنية يسكنها صاحبها فعلاً.

وبالرغم من غزارة الطرح وتنوعه فالكتاب لا يسعى إلى إجابات مكتملة، ولم يُكتب بنفَس من يملك اليقين، بل من يسكن السؤال ويجد فيه راحته. يقول صراحةً: “لا أزعم أن هذه التجربة تستحق الإشادة أو الكتابة عنها، وإنّما هي شبهُ تجربة ذاتية”، وهذا ليس تواضعاً مُصطنعاً، بل هو القلق الوجودي الحقيقي أمام فعل الكتابة. ثم يُعمّق هذا الموقف: “أيُّ عمل أدبيٍّ ترتضيه اليوم لن ترتضيه غداً، وكلما تقدّمت ترتفع لديك الذائقة الأدبية”، والكاتب لا يصل إلى يقين بل يتراجع كلما اقترب. وهذا نادر في الكتابة العربية المعاصرة التي تميل إلى التصريح والحسم والفتوى الأدبية.

فهو يختار الإيماء على التصريح، ويثق بذكاء قارئه في ملء الفراغات. يكتب عن شرارة الكتابة: “إنّ جملةً عابرة أسمعها في طريقي، أو كلمة مُهمَلة أتت ضمن سياق جُملة قصيرة، تثيرني وتحفزني لجعلها بداية نصٍّ مخبوء كانَ في حالةِ اختمار”، والكتابة تُولد عنده من التفصيلة الصغيرة، وما يصنعه في كتابه هو بالضبط ما يصفه. “لا يُقبل عليك بشيء من أسراره إلا إذا أقبلتَ عليه بروحك”.

غير أن هذا الوعي بقيمة الصمت لم يسلم دومًا من منازعة الكثافة،  فنحن أمام كاتب شغوف وبهلواني لغة ساحر تتراقص الكلمات بين يديه وتنصاع. وإذا بنا وجهاً لوجه أمام ظاهرة إرهاق الضوء ذلك أن الجملة المتوهجة تفقد فرادتها إذا كانت كل الجمل مشحونة بالصور والحرارة البلاغية ذاتها. وهذا التزاحم يتصاعد في الكتاب من أوله حتى يبلغ ذروته…​​​​​​​​​​​​​​​​( همهمه جسديه وروحيه) (رِعدة ذات إيقاع خاص )(دويُّ الكتابة)( الوخز المقدس)  وعلى هذا النسق في طول الكتاب وعرضه ففي وصف سلاّمة مثلاً يكثف أكثر (كان صوتها بداية المطر، ومُفتتح العمر، وأول القصيدة، وختام الحكاية طوَّحت به في مسارب الحيرة، وحملته إلى قوارب الرحيل إلى آخره)، حشود من الصور في فقرة  ثم يبلغ التوهج مداه (لقد أحبها كما لو أنه لم يحبها من قبل آلاف المرات، منذ هبط آدم من الجنة، مسلحاً بحنانها ضد وحشية العالم”، جملة واحدة تجمع الشخصي والكوني والديني في آنٍ واحد.

ولاشك أنه في مواضع أخرى نجا من هذا المطب بخفة لافتة، حين استخدم جملاً هادئة قليلة الزينة فرضها السرد و مثّلت للقارئ منطقة تنفس داخل النص وأعادت له توازنه. 

الكتابة عن الكتابة جنس أدبي محفوف بالمخاطر. أبرزها: النرجسية المُقنَّعة باسم التأمل، والتكرار المُلبَّس بثوب العمق، والانشغال بالكتابة بوصفها مهارةً وأداءً لا بوصفها كشفاً ورؤية. وما يُنقذ هذا الكتاب من تلك المصيدة هو أن صاحبه لا يكتب عن الكتابة لأنه يعشق نفسه كاتبًا،  بل لأنه يكتب بدافع جُواني صِرف أو هي هواءه الذي يتنفسه يقول: “وما دفعتُ بالكتاب بطلب من أحد وإنّما بدا لي أنّه قطعة من نفسي يستحق البقاء”.

في كل صفحة من صفحاته يتأكد أنه لا يراهن على القارئ الذي يبحث عن معلومة، ولا على الناقد الذي يبحث عن مدخل. بل يراهن على ذلك القارئ النادر الذي يأتي إلى الكتاب وهو يحمل سؤالاً عالقاً عن الكتابة والمعنى والوجود، فيجد في صفحاته ليس إجابة، بل رفيقاً في السؤال.

ومما يجعل هذا الكتاب جديراً بالقراءة أنه لا يكتفي بالتأمل بل يُعلّمك الصنعة. يفتح أمامك ورشة الكتابة من الداخل: كيف تُولد الجملة من تفصيلة صغيرة لا من فكرة كبرى، وكيف يكون النسيان — لا التذكر — أداةً من أدوات الإبداع المدهشة التي تحوّل الحروف الجامدة إلى نسق حي. هذه المفاهيم لا تجدها مُعلَّبة في كتب تقنيات الكتابة، بل تجدها هنا مُعاشة في النص نفسه — مما يخلق في القارئ فضولاً حقيقياً لا يُطفئه إلا أن يُغلق الكتاب ويفتح ورقة بيضاء.

“بخيط من حبر” كتاب لمن يؤمن بأن الرفيع لا يموت، وإن ظل خيطاً رفيعاً في عالم يُفضّل الحبال الغليظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى