أشتات

التوسُّل بين الممنوع والمشروع

 تقديم:

يحرص الناس على حفظ مقام الأمراء والملوك، ومراعاة ضوابط وآداب التحدث والتعامل معهم، مصحوبا ذلك بالاحترام، والتبجيل، والتهيّب الذي يبلغ بالبعض حد الوجل والذعر، وهي علاقة دنيوية مع بشر مثله.

بينما العلاقة مع الله تعالى التي تُبنى عليها العقيدة، ويُشيّد عليها صرح الإيمان، يتساهل البعض في شأنها، وهي والله أحق بالحرص والمراعاة؛ لأن التساهل فيها خطرٌ على إيمان الفرد وعقيدته.

فالإيمان بذرة تسقيها مُزن الوحي، فتؤتي أكلها إيماناً راسخاً وعبادةً صحيحة، فإن سُقيت بغير ماء الوحي ذبُلت وجفّت.

وجفاف الإيمان والعقيدة أو الانحراف فيهما ليس هفوةً عابرة، بل زلزلةٌ مدمرة، يفُسد بسببها ميزان القلب، وتَضلّ العقول، ويختلط مقام الخالق بمقام المخلوق، ويلبسُ الباطلُ ثوبَ الحق.

ومن يتأمل الغاية التي أرسل لها الأنبياء منذ آدم عليه السلام وحتى محمد عليه الصلاة والسلام، يجدها غاية واحدة لم يتخلّف عنها نبي ولا رسول، ألا وهي تعبيد الخلق لله وحده دون سواه، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} {النحل/36}، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} {الأنبياء/25}، وتتحقق عبادة الله بتوحيده وتعظيمه وإجلاله سبحانه وتعالى.

وصرفُ شيء مما هو لله لخلقه، انتقاصٌ من حق الله ومقامه، ونكوصٌ عن الغاية، وإعلانٌ للخسارة الحتمية، قال سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر/65].

وفي ظلال أصل التوحيد، تبرز مسألة (التوسل) كواحدة من القضايا التي تداخلت فيها المفاهيم، واْلتبس فيها الفقهي بالعقدي.

فهل التوسل مسألة فقهية أم اعتقادية إيمانية؟

ذهب البعض إلى اعتبار التوسُّل من مسائل الفقه، باعتباره وسيلة من وسائل الدعاء الدائرة بين المشروع وغير المشروع، فهو مرتبط بالوسيلة لا بذات المعبود، وقد درج الكثير من العلماء على تناوله في أبواب الدعاء والاستسقاء ونحوه، ولا يرد في أبواب العقيدة إلا عند الرد على المخالفين.

بينما الصواب أنه مرتبط بالعقيدة وفي صلبها، فهو وإن جرت عليه الأحكام الفقهية من جواز وتحريم وكراهة وندب ووجوب، فشأنه في ذلك شأن كل مسائل الدين وأبوابه، وكل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك.

والدعاء – ومنه التوسل- عبادة من العبادات، بل هو (مخ العبادة) كما ورد عن النبي ﷺ، فهو إقرار قلبي وتطبيق عملي لتوحيد الله تعالى، بإظهار الافتقار إليه، والاعتراف بأن الفضل كله بيده سبحانه، ولا يتوسّل المرء بشيء إلا وهو يعتقد أن له تأثيراً فيما يريد، وهذا مرتبط بإيمان الفرد واعتقاده.

فإن اعتقد المتوسِلُ بأن الأسباب تؤثر في إرادة الله تعالى أو تسبقها وتتجاوزها، فقد وقع في مزلق خطير في إيمانه؛ لأن مقتضى الإيمان الحق الجزم بأن الله هو المالك المتصرف وحده في كل ما يجري في الكون، وأنه لا يتم أمر إلا بإذنه وتقديره، وأن الوسائل ما هي إلا أسباب أذن بها.

والتوسُّل بغير الله إن قام على اعتقاد نفع المتوسَّل به بذاته، فهذا شرك بالله تعالى، وإن كان قائما على اعتقاد أن الله تعالى لا يستجيب إلا بواسطتهم، فشبيه بقول من سبق: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر:3]، وإن لم يكن متعلقاً بشيء من ذلك، فما الداعي لإدخال واسطة بين العبد وربه، وقد أمر سبحانه بالتقرّب إليه مباشرة دون حواجز.

ولذا فالتوسُّل يرتبط بأنواع التوحيد الثلاثة، بالربوبية اعتقادا، وبالألوهية عبادةً وانقياداً، وبالأسماء والصفات اعترافاً وسؤالاً.

مآلات حصر التوسل بالفقه:

حين نختزل التوسل في دائرة الفقه المحض، ونخرجه من دائرة الإيمان والاعتقاد، يلتبس المشروع بالممنوع، فينحرف البعض بما قام عليه دليل الكتاب والسنة إلى صورٍ لا دليل عليها، تُفضي إلى تعلّق القلوب بغير الله تعالى، وسؤال من لا يجوز سؤاله، والاستغاثة بالمخلوقين والجمادات، وتلك ثلمة تمسّ أصل التوحيد من حيث يشعر صاحبها أو لا يشعر.

وهذا أمر يستوجب على المسلم الصادق اليقظة والاحتراس من أن يَنْتقِص من جناب الله تعالى بصرف ما لله حصرًا إلى بعض خلقه، أو أن يدّعى إلزام الله على نفسه بقبول وساطة الخلق، بعكس ما أرسل به رسله وأنبياءه-وحاشاه جل وعلا-.

ولأجل ذلك؛ فإن الحديث عن التوسُّل ليس تأصيلاً لمسألة فقهية فرعية، بل بيانٌ لمحكمٍ عقدي، ومنهجٍ تعبّديٍّ دقيق، يقود إلى تحقيق معنى العبودية -في بابه- على الوجه الذي يرضيه سبحانه وتعالى، بعيدًا عن الوقوع في التفريط والتساهل، أو التشبه بطوائف وملل أشركت مع الله غيره.

فما مفهوم التوسُّل وحقيقته؟ وما أنواعه؟ وما هو المشروع وما هو الممنوع منه؟

الصفحات الآتية تسلّط الضوء – بإيجاز- على ذلك، بيانًا لحكم الشرع، وتحذيرًا من مواطن الخطر ومزالق الانحراف في هذا الباب العقدي المهم.

 مفهوم التوسُّل:

التوسُّل في اللغة، هو: التقرّب.

والوسيلة، هي: ما يتقرّب به إلى الغير[1]، يقال: توسّل العبد إلى ربه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل[2]، قال الراغب الأصفهاني: “وحقيقةُ الوَسِيلَةِ إلى الله تعالى: مراعاة ‌سبيله ‌بالعلم ‌والعبادة، وتحرّي مكارم الشّريعة، وهي كالقربة”[3].

وقد ورد لفظ الوسيلة في القرآن في موضعين:

الموضع الأول: في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ }[المائدة: 35].

وتفسير الوسيلة في الآية: أنها الطاعة، قال الواحدي: “تقرَّبوا إليه بطاعته”[4]، وقيل: القربة، قال الطبري في تفسيرها: “واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه”[5]. والطاعة والقربة: مترادفتان في معناهما.

الموضع الثاني: في قوله سبحانه: { أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا } [الإسراء: 57]، وهي بنفس المعنى الوارد في الآية السابقة، قال صاحب تفسير بحر العلوم: “يطلبون إلى ربهم القربة والفضيلة والكرامة بالأعمال الصالحة”[6].

 وبمعنى القربة والطاعة، فسّر الوسيلةَ كلُ علماء التفسير.

فالتوسُّل في القرآن، هو التقرّب إلى الله تعالى بالطاعات والقربات، طمعًا في رحمة الله وخوفًا من عذابه.

وأما الوسيلة في السنة النبوية، فقد وردت في قول النبي ﷺ: “مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا ‌الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ “[7].

وتفسيرها كما ورد عن النبي ﷺ في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمرو أنها: “مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ”[8]، فهي منزلة في الجنة، لا يتعلق معناها بمفهوم التوسل الوارد في اللغة والقرآن الكريم.

وعليه، فتعريف التوسل بالمفهوم الشرعي، أنه: التقرّب إلى الله تعالى بقول أو عمل، بقصد تحقيق طلبٍ أو دفع ضررٍ.

ولا يكون التوسل إلا إلى الله تعالى وحده، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وبيده الآخرة والأولى، فهو المتوَسّلُ إليه في كل حال وشأن.

ويتداخل عند البعض مفهوم التوسل مع الاستغاثة، وبينهما بون شاسع، فالتوسل التقرّب -كما مر-.

أما الاستغاثة، فمشتقة من الإغاثة، وهي: النصر عند الشدة وتفريج الكربة.

واصطلاحاً: طلب الغوث والعون لرفع الشدة أو تفريج كربة وقعت بالفعل، أو لدفع ضرر قبل وقوعه.

وهي أخص من الدعاء؛ لأن الدعاء يكون في الشدة والرخاء، بينما الاستغاثة لا تكون إلا في أوقات الكرب والضيق.[9]

والاستغاثة والدعاء لا يكونان إلا لله وحده، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} [غافر:60].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف:5].

 وقال عزّ من قائل:{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}[المؤمنون: 117].

الإنسان من الغفلة إلى اليقظة التوسُّل بين الممنوع والمشروع

أنواع التوسُّل:

للتوسل بالمفهوم الشرعي أنواع عديدة، منها ما يكون توسّلا بالله تعالى، ومنها ما يكون بالأعمال والقربات الصالحة، ومنها ما يكون بالمخلوقات والأماكن، وتفصيلها على النحو الآتي:

النوع الأول: التوسُّل بأسماء الله تعالى وصفاته:

وهو التقرب إلى الله تعالى باسمٍ من أسمائه الحسنى، أو صفةٍ من صفاته العلى، عند دعائه وطلب العون منه على قضاء الحوائج.

وهذا النوع من التوسُّل مشروع للمسلم، إظهارًا لمعنى العبودية المنبثقة عن: (إياك نعبد وإياك نستعين)، قال الله تعالى:{وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ } [الأعراف: 180]، فالأمر في الآية للوجوب، حيث أوجب سبحانه وتعالى على العباد التوسُّل إليه بأسمائه، ونهاهم عن الميل عنها إلى غيرها، فيقدّم العبد بين يدي دعائه لله تعالى اسما من أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العلا، قال البغوي رحمه الله في تفسيره: ” يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا التَّوْقِيفُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، فَيُقَالُ: يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ، يَا رَحِيمُ، يَا عَزِيزُ، يَا كَرِيمُ وَنَحْوَ ذَلِكَ” [10].

وكان نبينا ﷺ كثيرا ما يبدأ دعاءه بقوله: (اللهمّ)، ومعناه: يا الله، والميم فيها عوض عن ياء النداء، وهي لا تستعمل إلا في الطلب، ومنه قوله ﷺ: “اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْق، ‌أَحْيِني ‌مَا ‌عَلِمْتَ ‌الحَيَاةَ ‌خْيْرًا ‌لي، وَتَوَفَّني إذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْرًا لي، ..”[11].

كما ورد عنه ﷺ جملةٌ من صيغ التوسل بأسماء الله وصفاته، ومنها:

  • اللهم إني أسألك باسمك الأعظم…
  • اللهم إني أسألك بأنك أنت الله…
  • اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك….

وغيرها من صيغ التوسل بأسمائه وصفاته.

والمستحب أن يقدم العبد ما يناسب مطلوبه، فيقدّم اسم الغفور حال طلب المغفرة، والرحمن حال طلب الرحمة، والقوي عند طلب النصر والانتقام، والرزاق عند طلب الرزق، ونحو ذلك[12].

النوع الثاني: التوسُّل بالأعمال والقربات الصالحة:

وذلك بأن يتقرّب العبد عند طلب الحاجة من ربه سبحانه وتعالى بما يحبه الله ويرضاه من العبادات والقربات، سواء كانت هذه العبادات اعتقادًا أو قولًا أو فعلًا، وهو المعنى المراد بالتوسل في القرآن الكريم – كما سلف- ومن صور هذا النوع:

  1. التوسُّل بالإيمان بالله تعالى وتوحيده، وهو أعظم الأعمال القلبية وأجلّها، التي من أجلها خُلقت السماوات والأرض، قال الله تعالى -مثبتا هذا النوع من التوسُّل-: { رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ} [المؤمنون: 109]، وقال سبحانه: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين}[آل عمران/53]، فدلت الآيتان – وغيرها- على مشروعية توسل العبد إلى ربه بتوحيده سبحانه وتعالى، وهو خير ما يقدمه العبد بين يدي ربه.

وجاء في الحديث أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يدعو وهو يقول: “‌اللهم ‌إني ‌أسألك ‌بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد”، فقال ﷺ: “والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى”[13].

ويدخل في هذا النوع التوسل بإظهار افتقاره وحاجته إلى الله وحده، ببيان حاله وظرفه، كما قال الله تعالى عن نبيه أيوب عليه السلام: {وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ } [الأنبياء: 83]، أو كما ذكر القرآن عن حال يونس عليه السلام: {فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأنبياء: 87]، وما يرد على منوالها.

  • أن يسأل العبد ربه بأزكـى أعماله عنده وأرجاها لديه، سواء كان ذلك العمل طاعة لله كالصلاة والصيام والصدقة وقراءة القرآن ونحوه، أو امتناعاً عن محرم خشية من الله تعالى،كاجتناب الحرام من ظلم وأكل لحقوق الغير، ونحو ذلك، كما في الحديث المتفق عليه في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار، وانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بأرجى أعمالهم؛ ليفرّج الله عنهم ما حلّ بهم من كرب ومحنة، ففرّج الله عنهم[14].

وورد أيضا في حديث الخروج إلى المسجد للصلاة، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: “من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً، وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تُعيذَني من النار وأن تغفرَ لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك” [15].

وهذه الأنواع من التوسُّل إلى الله تعالى جائزة بإجماع، ومستحبة في بعض الظروف والأحوال، فهي تظهر معاني التعبّد لله والتذلل والانكسار بين يديه، كما تدل على الثقة به سبحانه وتعالى دون أحد من خلقه.

*****

النوع الثالث: التوسُّل بالمخلوقات والأماكن:

وهذا النوع حدث فيه خلاف، وتعثرت فيه عقول، فأخطأ من أخطأ، وتجاوز من تجاوز، وفرّط من فرط، ويندرج تحت هذا النوع عدة أقسام، نوجزها على النحو الآتي:

القسم الأول: التوسُّل بالنبي محمد ﷺ:

حيث يرى البعض في مكانة الرسول ﷺ سبباً يدفع للتقرب به إلى الله تعالى، فيتوسّلون به عند الدعاء وطلب الحاجات، والتوسُّل بالنبي ﷺ له صور عدة، بعضها مشروع، وبعضها فيه خلاف، وبعضها ممنوع، وهذه الصور على النحو الآتي:

الصورة الأولى: التوسُّل به في حياته ﷺ:

وذلك بأن يُطلب منه ﷺ الدعاء أو الاستغفار، وقد ثبت بالتواتر أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام أن يدعو لهم، فقد طلب أبو هريرة t من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يهدي أمه للإسلام، فدعا رسول الله ﷺ قائلا: “‌اللهم ‌اهد ‌أم ‌أبي ‌هريرة”[16]، وروى أنس بن مالك t: أن رجلا دخل المسجد ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب، فاستقــبل رسول الله، قائماً، وقال: يا رســول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله ‌أن ‌يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ، يديه وقال: “اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا”، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء سحابة، ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت..”[17].

ويجري مجرى طلب الدعاء طلب الاستغفار، وبه جاء الأمر من الله تعالى لرسول الله في قوله سبحانه: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة/103]، قال مقاتل: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)، يعني: واستغفر لهم[18]، وقال الطبري: “(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)، يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم، واستغفر لهم منها”[19].

وقد حثّ القرآن الكريم من وقع في الذنب من العاصين والمنافقين أن يطلبوا من رسول الله ﷺ الاستغفار لهم، فقال سبحانه:{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا } [النساء: 64].

 وهذا النوع من التوسُّل- بطلب الدعاء أو الاستغفار من الرسول ﷺ في حياته، لا خلاف في مشروعيته، بل واستحبابه، فقد ورد به النص القرآني.

ذلك أن الدعاء والاستغفار داخلان في مقدوره ﷺ ما دام على قيد الحياة، كما أن دعاءه ﷺ عمل صالح صادر عن خير الناس وأقربهم إلى الله تعالى، فهو توسّل بالعمل الصالح من الرسول عليه الصلاة والسلام، لا بالذات والجاه.

التوسُّل بين الممنوع والمشروع 2 التوسُّل بين الممنوع والمشروع

الصورة الثانية: التوسُّل به ﷺ بعد مماته:

وتتنوع طرق وألفاظ التوسُّل بالنبي ﷺ بعد وفاته، ومنها الآتي:

أولاً: أن يتوسل المسلم إلى الله بحبه للنبي ﷺ، كأن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بحبي لنبيك ﷺ، ثم يسمي حاجته، وهذا التوسُّل يدخل في باب التوسُّل بعمل صالح وليس بذات الرسول الكريم، فحب النبي ﷺ من معاني الإيمان ومقتضياته، فقد قال ﷺ: “ ثلاثٌ من كُنَّ فيه، وجَد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحَبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يَكرهَ أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يَكرهُ أن يُقذَف في النار”[20]، فالتوسُّل بحبه ﷺ جائز، سواء أكان في حياته أم بعد مماته.

ثانيا: الاستغاثة به ﷺ عند الحاجة أو الضرر، وهو ما يصدر من الجهلة وأتباع الخرافات، كأن يقول قائلهم: (يا رسول الله أو يا نبي الله – على سبيل الاستغاثة- وقت الشدة أو الخطر، أو في معرض الاستعانة على تحقق كشفاء مريض ونحوه)، وهذا نوع من الشرك الأكبر بالله تعالى، مجمعٌ على تحريمه؛ لأن النبي ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًا، فكيف يملكه لغيره سواء في حياته أو بعد وفاته، قال الله -حاكياً عنه رسوله ﷺ -: {قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ } [الأعراف: 188]، وفي دعاء الرسول مباشرة إشراك بالله تعالى، فلا يُستغاث ولا يُدعى إلا من بيده ملكوت السماوات والأرض جل في علاه.

ثالثا: التوسُّل بذاته ﷺ أو بجاهه أو ببركته أو بحقه، ونحوه، كأن يقول القائل: اللهم إني أسألك بنبيك، أو بحق نبيك، أو أتوسل إليك بجاه نبيك، أو ببركته، وهذه الصورة اختلف العلماء فيها، فذهب قوم إلى جواز ذلك، وذهب آخرون إلى عدم جوازه، وكل فريق استدل بأدلة، وخلاصتها على النحو الآتي:

الفريق الأول: القائل بالجواز:

استدلوا على جوازه بقوله تعالى:{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا } [النساء: 64]. قال ابن كثير وقد ذكر جماعة منهم : الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه (الشامل) الحكاية المشهورة عن العُتبي، قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء/64] وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول :

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ***فيه العفاف وفيه الجود والكرم.

ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له.”[21]، فجعلوا عبارة: (يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له) دليلا على جواز الاستشفاع والتوسل بالنبي ﷺ، ومثلها -أيضا- من القصص أو العبارات المنسوبة لبعض المبتدعة من المتصوفة وغيرهم.

ويورد أصحاب هذا القول قصة عن مالك بن أنس أن أبا جَعْفَر المنصور سأله- بعد أن دار بينهما نقاش -: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ وَلم تَصْرفْ وَجْهَكَ عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عليه السَّلَامُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بَلِ اسْتَقْبِلْهُ واسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعهُ اللَّهُ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظلموا أنفسهم} الآيَةَ”[22].

ويستدلون من السنة النبوية بحديث أنس t : “أن عمر بن الخطاب t عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا ‌نتوسل ‌إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ‌نتوسل ‌إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون”.[23]

وفي رواية الطبراني، عن أنس بن مالك t أن عمر بن الخطاب t خرج يستسقي وخرج بالعباس t معه فقال: “اللهم إنا ‌كنا ‌نستسقي بنبينا ﷺ، وهذا عم نبيك ﷺ فاسقنا، قال: فسقوا “[24].

وبحديث الأعمى الذي رواه عثمان بن حنيف، أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادعُ اللهَ أن يُعافِيَني. قال: إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئتَ أخَّرتُ ذاك، فهو خيرٌ، فقال: ادعُه. فأمره أن يتوضَّأ فيحسنُ وُضوءَه، فيصلِّي ركعتَينِ، ويدعو بهذا الدعاءِ: اللهمَّ إني أسألُك، وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمدٍ نبيِّ الرحمةِ، يا محمدُ إني توجَّهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه فتُقضَى لي، اللهمَّ شَفِّعْه فيَّ”[25].

يقول ابن الحاج من المالكية في كتابه (المدخل): “فالتوسُّل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا؛ لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، إذ أنها أعظم من الجميع”[26]، ثم يعلل لجواز التوسُّل بالنبي ﷺ بعد موته بقوله: “إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته، إذ لا فرق بين موته وحياته؛ أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جلي لا خفاء فيه”[27].

ثم يشنّع على من لم يقل بالتوسُّل، فيقول: “ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ألم يسمع قول الله عز وجل: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً} [النساء: 64]؟، فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا رحيما؛ لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد، وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه، فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد للدين معاند لله ولرسوله ﷺ نعوذ بالله من الحرمان”[28].

فهذه جملة بأهم ما استدل به المجيزون.

الفريق الثاني: القائل بعدم الجواز

حيث يرون عدم جواز التوسُّل بالنبي ﷺ بعد مماته، سواء بذاته أم بجاهه ونحوه؛ لأن التوسُّل عقيدة وعبادة الأصل فيهما التوقف، ولم يرد أمر من الله تعالى ولا من رسوله ﷺ بالتوسل به بعد وفاته، ولم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتوسلون به بعد مماته، سواء بذاته أو بجاهه.

ويُجاب على استدلالات من أجاز التوسُّل بالنبي ﷺ بعد مماته بالآتي:

أما الاستدلال بقوله تعالى:{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا } [النساء: 64]، فهو خطاب خاص بالمذنبين والمنافقين زمن النبي ﷺ، قال ابن عبد الهادي: هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله ﷺ، فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، ثم لم يجيء إلى رسول الله ليستغفر له، فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصُّل من الذنب، وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ، أي في حياته، يدل عليه قوله: {فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} والذين يأتونه بعد وفاته من أين لهم إذا استغفروا الله، أن يستغفر لهم الرسول وقد صار في قبره[29].

فإن قال قائل: فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فجوابه: نعم، العموم يشمل من جاء إلى النبي ﷺ في حياته، أما بعد مماته، فالمجيء ينافي المدلول اللغوي والعرفي، فضلا عن المحذور الشرعي في اعتقاد ما لم يصح فيه دليل، ويكون ذريعةً إلى بعض مظاهر الشرك بالله ووسيلةً تفضي إليه.

وأما ما ذكره ابن كثير -وغيره- من حكاية الإعرابي المذكورة، فاحتجاج غير صحيح، وقول مردود، وتخبّط كبير في اعتبار مصدر التلقّي، حين يٌستدل لحكم شرعي برؤيا فرد من المسلمين، فالأفراد مهما بلغ صلاحهم– بغض النظر عن صحة وقوع القصة من عدمه- مما لا تثبت به الأحكام، بل إن الاستدلال بمثل هذه القصص تطاولٌ على مقام الشارع الحكيم سبحانه، وقول في الدين بغير ما أنزل الله تعالى[30].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” وهذه الحكاية لا يثبتُ بها حكم شرعيّ، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان سُنة لكان السابقون إليه أسْبَق وبه أعلم”[31].

وقال الإمام الحافظ أبو محمد بن عبد الهادي رحمه الله: “‌ ليست هذه ‌الحكاية ‌المنكورة ‌عن ‌الأعرابي ‌مما ‌يقوم ‌به ‌حجة وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضاً، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق”[32].

 وقال الألباني: “وهي حكاية مستنكرة، بل باطلة، لمخالفتها الكتاب والسنة، ‌ولذلك ‌يلهج ‌بها ‌المبتدعة”[33].

وأما الاستدلال بقصة مالك مع أبي جعفر المنصور عند الحجرة، فالقصة باطلة سندًا ومتنًا، وهي – إن صحت- ليست مصدرًا من مصادر التشريع في الإسلام، ولا تصح أساساً لبناء حكم شرعي، فالعبرة بالنص الصحيح المحكم من كتاب وسنة، لا بروايات صادرة عن آراء آحاد المسلمين، وإن كانوا من أئمة المذاهب، فكيف بقصة مختلقة لا تثبت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى كما ذكر ذلك العلماء!؟ [34].

وأما حديث عمر، “اللهمّ إنّا كنا ‌نتوسّل ‌إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ‌نتوسّل ‌إليك بعم نبينا فاسقنا”.[35]، أو كما في الرواية الأخرى: “اللهم إنا ‌كنا ‌نستسقي بنبينا ﷺ، وهذا عم نبيك ﷺ فاسقنا”[36].

آل البيت في القرآن الكريم والسنة النبوية التوسُّل بين الممنوع والمشروع

فليس بدليل على جواز التوسُّل بالنبي ﷺ بعد موته، بل دليل على عدم الجواز؛ لأنه لو كان التوسُّل بالنبي ﷺ أو بجاهه ومكانته – في حياته أو بعد موته- معروفاً جوازه عند الصحابة، لما احتاجوا إلى تقديم العباس ليدعو لهم، وكان الأحرى بعمَرَ t ومن معه أن يتوسَّلوا بالنبي أو بجاههِ مباشرة، لكن ذلك لم يقع، فدل على عدم الجواز، مع حضور صحابة النبي للحادثة، ولم يقُلْ أحدُهم: علينا أن نذهَبَ إلى قبرِ النبي ﷺ ونسألَه التوسُّطَ لنا عند الله أن يسقيَنا.

وقد ثبت تاريخيا أن الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ حلت بهم أنواع من المصائب والمحن، فلم يذهبوا إلى قبره أو يتوسّلوا باسمه.

ثم إن التوسُّل بالعباس كان بتقديمه للدُّعاء والتذلل بين يدي الله تبارك وتعالى، فقد ورد أن العباس دعا، فقال: ” اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث”[37].

وقد تكرر مشهد تقديم من يرون فيه الصلاح للاستسقاء- لسؤال الله تعالى المطر- من قِبل معاوية t حين قدّم يزيد بن الأسود، فقد خرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم”[38].

وأما حديث الأعمى: فهو متعلقٌ بدُعائه ﷺ لمريض في حياته، فالرجلُ جاء إلى النبيِّ يطلب منه أن يدعوَ له، ولو كان مرادُه التوسُّل بجاهِه ﷺ لقعدَ في بيتِه، وقال: اللهمَّ إني أتوسَّلُ إليك وأسألُك بجاهِ محمَّدٍ، ثم إنَّ مِن جملةِ الدعاء الذي علَّمَه الرسولُ ﷺ: (اللهمَّ شَفِّعْه فيَّ) وفي روايات أخرى: (اللهم شفِّعْ فيَّ نبيِّي، وشفِّعني في نفسي) أي: اقبَلْ شفاعةَ النبي ﷺ فيَّ، والمراد دعاء الرسولُ ﷺ له بالشفاء.

والروايات تبين أن النبيَّ ﷺ وعد الرجُلَ بالدُّعاءِ بعد أن نصَحَه وبيَّنَ له ما هو الأفضل، بقولِه ﷺ: (بل أدَعُك)، فقال الضرير: ادْعُ اللهَ لي- مرَّتينِ أو ثلاثًا، وفي رواية: ” إن شئتَ دعوتُ، وإن شئتَ صبَرْتَ؛ فهو خيرٌ لك”، ولكِنْ أصَرَّ الأعمى على الدعاء، وهذا يقتضي أنَّ الرَّسولَ ﷺ دعا له؛ لأنَّ الرجلَ شاء الدعاءَ وأصَرَّ عليه، فثبت المرادُ.

وفي الحديث وجَّهَ النبيُّ ﷺ الأعمى إلى التوسُّل المشروع، وهو التوسُّلُ بالعمل الصالح؛ ليجمعَ له الخيرَ مِن أطرافه، فأمَرَه أن يتوضَّأَ ويصَلِّيَ ركعتين، ثم يدعوَ لنفسه، ويسأل الله أن يقبل دعاء النبي له، وهذه الأعمالُ طاعة لله سبحانَه وتعالى، يقدِّمُها بين يدَي دعاءِ النبي ﷺ، وهي تدخُلُ في قوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35].

ولا يخفى على كل مَن له إلمام بهدي النبي ﷺ وسيرته، أنه كان يوجه من يأتي إليه إلى فعل ما يقتضيه حال الآتي أو السائل، كما في حديث من قال له أوصني، فقال له: لا تغضب، فربما علم من حال الأعمى أنه بحاجة إلى تقرير معاني العبادة والثقة بالله في نفسه، حين طلب منه الوضوء والصلاة، ثم التوجه إلى الله بالدعاء، أو بين يدي دعاء النبي ﷺ كما في روايات أخرى.

فالحديثُ مبنيٌّ على التوسُّلِ بدُعاء النبيِّ للأعمى، ثم دعاء الأعمى لله أن يقبلَ دُعاءَ النبي له، وليس فيه توسُّلٌ بذات النبيِّ ولا بجاهِه، فليس في هذا الحديثِ حُجَّةٌ لمـن يرى التوسُّلَ سواء أكان بالذَّات أو بالجاه[39].

وأما ما ساقه ابن الحاج المالكي من عبارات – كنموذج من نماذج القائلين بمشروعية التوسل بالنبي بعد موته- يزعم بها الاستدلال على صحة ما ذهب إليه من جواز التوسُّل بالنبي ﷺ بعد موته، بقوله “إذ لا فرق بين موته وحياته أعني في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جليا لا خفاء فيه”[40]، فقولٌ واهن وحجاج باطل بعيد عن المنهج القويم، فهذه القدرة لا تدخل في إمكان النبي عليه السلام وهو حي، فكيف بها بعد موته ﷺ!؟ فمن يملك مشاهدة الخلق ومعرفة أحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، ويكون ذلك عنده جليا لا خفاء فيه، إنما هو الله وحده لا يشاركه في ذلك أحد، لكنه الغلو في نصرة القول، وإن باستجلاب عبارات تخالف المنهج الحق ومنطوق الكتاب والسنة.

ومما يدل على بطلان القول بجواز التوسُّل بالنبي ﷺ بعد موته، ما يأتي:

  1. إن منهجية النبي ﷺ في تربية أصحابه قامت على التوحيد الخالص لله تعالى في كل صغيرة وكبيرة، فلم يدعهم للتوسّل به في يوم من الأيام، بل وجههم نحو دعاء الله تعالى في كل حين وشدة، فعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ ﷺ، وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: “إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ ‌جَدْبَ ‌دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ”[41].
  2. ثبت من هديه ﷺ قولًا وتوجيهاً وعملاً ما يبلغ درجة القطع والتواتر، أنه لم يجعل لنفسه مكانة زائدة عمّا وضعها الله له، تحقيقا لما بُعث به من رسالة -وهي تعبيد الناس لربهم وإفراده جل وعلا بمعاني النفع والضر والأمر والتصرف-، فكان ﷺ أعبد الخلق وأخشاهم لربه، قال عليه الصلاة والسلام: “وَاللهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ ‌أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي”[42]، وقد وصفه الله بمقام العبودية في أهم المقامات:
  3. مقام الوحي: في قوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10].
  4. مقام الإسراء والمعراج: في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1].
  5. مقام التحدي: في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23].

كما أمره ربه أن يخاطب الناس بقوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110].

وكان يقول لأصحابه: ” ‌لَا ‌تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ”[43]، سداً لذريعة رفع منزلته فوق مقام النبوة؛ لأن المطلوب شرعا من المسلم الإيمان بنبوته ورسالته، وليس التوسُّل به، لذا كان ﷺ يعلم حدود ما آتاه الله وما كلفه به، فما كان ليتجاوز ذلك، أو يقبل بتجاوزه من المؤمنين.

  • قطع النبي ﷺ الطريق على كل ذريعة تؤدي إلى ما فيه لمحة من إشراك بالله تعالى، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: ‌مَا ‌شَاءَ ‌اللهُ، ‌وَشِئْتَ، فَقَالَ لَه ﷺ: “أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ “[44].

ولسائلٍ أن يسأل:

أليس الله قد جعل للنبي ﷺ المقام المحمود بالشفاعة للخلق أجمعين؟

والجواب:

 بلى، لكن ذلك التكريم الإلهي متعلق بعالَم الجزاء والآخرة، لا بعالَم التكليف الدنيوي.

*****

بنو آدم التوسُّل بين الممنوع والمشروع

القسم الثاني: التوسُّل بالأنبياء والصالحين:

والتوسل بهم إما أن يكون بطلب الدعاء منهم وهم أحياء، فهذا مما يدخل في دائرة الجواز؛ لأنه توسلٌ بعمل صالح -وهو الدعاء-، يقول النبي ﷺ: ” دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ ‌بِظَهْرِ ‌الْغَيْبِ ‌مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ”[45]، وورد عن عمر t أنه قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: “لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ”.[46] وفي حديث آخر لعمر: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: “إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ، فَمُرْهُ ‌أَنْ ‌يَدْعُوَ ‌لَكَ؛ فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ”[47].

فالدعاء من الأخ لأخيه جائز ومستحب بظهر الغيب، قال ابن تيمية ~: طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن.. كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه والأفعال التي يقدر عليها[48].

فإذا كان ذلك في حق الفرد المسلم لأخيه؛ فمن باب أولى دعاء الأنبياء والصالحين ما داموا على قيد الحياة، فدعاؤهم عمل صالح يتقرب به المرء إلى الله تعالى، داخل في معنى الوسيلة الواردة في الكتاب العزيز.

 وأما بعد وفاتهم، فهو على ضربين:

الأول: الدعاء والاستغاثة، مثل قول بعض الجهلة: يا فلان أغثني أو مدد يا فلان، كالاستغاثة بعلي أو الحسين أو الجيلاني، فهذا شرك بالله تعالى، فالذي يملك النفع والضر ويجيب دعاء المضطر الله وحده جل في علاه، قال تعالى: { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [النمل/62]، وقال سبحانه في بيان من يدعو غيره: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف/5]، وقال جل أيضا: {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا} [الرعد:16]، وقال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [الرعد/14].

الثاني: السؤال بحقهم وجاههم، كقول القائل: اللهم إني أسألك بحق موسى وعيسى، أو بحق عليّ وفاطمة والحسن والحسين، أو أسألك بجاه الحسين والجيلاني وغيرهم، فهذا حرام لا يجوز بحال – كما سلف بيانه في حق سيد الخلق محمد ﷺ-؛ لإن الدعاء عبادة، ولا تكون إلا كما أمر بها الله، وقد بيّن ذلك فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر/60]، فلا يحتاج إلى واسطة من خلقه.

كما أنه لا جاه لمخلوق على الله تعالى، فالكل عبيده، ومحتاجون إليه.

القسم الثالث: التوسل بالأماكن والأزمنة:

كالتوسُّل بالكعبة، وزمزم، والحطيم، ونحوها، كأن يقول القائل: (اللهم بحق كتابك أو بالقرآن أغثنا، أو بحق بيتك الحرام أو بزمزم والحطيم نجنا، ونحو ذلك)، وهذا توسلٌ باطلٌ ومحرّم، لم يرد به نص، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الصحابة الكرام، ولا وجه للقول به، بل هو نوع من توثين هذه الأماكن في الذهن والوجدان -والعياذ بالله-.

ومن الأماكن التي يتوسل بها الناس القبور، وذلك بالحضور عندها للدعاء والتمسّح والتبرّك بها، فإن اعتقد المرء بأن صاحب القبر ينفع أو يضر؛ فقد أشرك بالله تعالى، فالنفع والضر بيد الله وحده، وإن ظن أن التوسّل به يعين على تحقيق المراد من جلب نفع أو دفع ضُرّ؛ فقد وقع في خطرٍ كبير وذنبٍ عظيم، يشبه بفعله صنيع أهل الجاهلية، الذين قالوا عن أوثانهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}[الزمر:3].

وأما الصلاة عندها بنيّة أنها تقرب العبد من ربه ففيه معنى التقديس، وقد نهى النبي الكريم ﷺ عن تقديس القبور واعتبرها من الوثنية، فقال: ” أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا ‌فَلَا ‌تَتَّخِذُوا ‌الْقُبُورَ ‌مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ”[49].

وقال أيضا ﷺ: “اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ‌قَبْرِي ‌وَثَنًا يُصَلَّى لَهُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ”[50].

فذرائع الصلاة جوار قبور الصالحين مداخل شيطانية، ووساوس نفسٍ أمارة بالسوء، تبتغي صرف قلب المؤمن -ولو بنزرٍ يسير- عن التوجه لله وحده وصرفه لغيره، يصدق فيها قوله تعالى: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} [الأعراف:17]، فيحرص الشيطان وجنده وأدواته على انتزاع أي قدر من عقيدة المؤمن ودينه.

وأما التوسل بالأوقات كالجمعة ورمضان والأشهر الحرم، كقول القائل اللهم إني أسألك ببركة رمضان أو بفضل العشر، أو الجمعة ونحو ذلك، فباطل؛ لأنه تقرّب بما لا دليل عليه.

وفرق بين اغتنام الأوقات الفاضلة -الواردة بها نصوصٌ من الكتاب والسنة- في طاعة الله ودعائه، كليلة القدر وآخر ساعة الجمعة ويوم عرفات، وبين التوسل بها.

*****

ونختم بالإضاءات الآتية لتنير البصائر، وتحمي عقيدة المسلم من سوس التعلق بغير الله تعالى، ومن لوثات أهل الزيغ والضلال، فنقول:  

  1. لقد نصت محكمات الإسلام على أن النفع والضر حصراً بيد الله وحده، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه لا يجري في الكون شيء إلا بإذنه وعلمه، والتوسُّل بالخلق -أحياءً وأمواتاً- إلزام ضمني لله تعالى بعكس هذه المحكمات.
  2. جعل الله سبحانه وتعالى الباب مفتوحاً بينه وبين خلقه على الدوام، بلا حجّاب ولا وسطاء، (ادعوني أستجب لكم)، فلا يحتاج إلى وسيط أو شفيع.
  3. إن الله سبحانه وتعالى ما جعل لأحد شفاعة إلا بإذنه، قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[البقرة: 255]، والشفاعة المأذون بها ذكرتها النصوص، وهي شفاعة الرسول ﷺ للخلق يوم القيامة، وشفاعة من شاء من الملائكة.
  4. إن منهج الإسلام قائم على سد الذرائع وترك ما لا بأس به خشية الوقوع فيما به بأس، فقد قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}[الأنعام: 108]، فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله، مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه، انتصاراً لآلهتهم الباطلة، جهلاً منهم وعدوانا.

وفتح باب التوسل بالمخلوقين، يجر –بل قد جر– مع مرور الأيام إلى الشرك، من خلال دعاء الأموات والاستغاثة بهم، وهو ما يرى ويشاهد من أهل البدع والضلال الذين يدعون ويستغيثون بالحسين وبالجيلاني وبأهل القبور وغيرهم.

  • أن أعداء دين الله لا ينفكّون عن محاولة إضلال المسلم عن عقيدته وإيمانه بأي وسيلة وتحت أي لافتة، ومنها التوسُّل، الذي جعله البعض وسيلةً  لحرف الأمة عن المنهج الصافي في توحيد الله وعبادته، وتحويلهم نحو الشرك بالقبور والأفراد، وإلا لماذا يتركون المقطوع بوجوبه ومشروعيته والذهاب إلى ما فيه خلاف؟

أليس دعاء الله المباشر هو الطريق الوحيد المقطوع بصحته لمخاطبته؟، وأن التوسُّل مسألة ظنية لا يصح بها دليل، وفي استخدامها شوائب الإشراك مع الله قصدا أو جهلا، وذريعة إليه؟ وقد قال سبحانه: {هُوَ الْحَيّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ‌فَادعوهُ مُخلصين لَهُ الدّين}[غافر:65]، قال السمعاني: “وَالدُّعَاء على الْإِخْلَاص أَلا يدعوا مَعَه سواهُ”[51].

فلماذا الإصرار على محاولة انتزاع تعظيم الله وإجلاله من نفس المسلم؟

ألا يدل ذلك على كيدٍ ومكرٍ شيطاني!؟

  • وفي سبيل حرف المسلم وتضليله لا يتورعون عن تجاوز الحق، والافتراء في القول، فقد قال أحدهم: وقد اتفقت المذاهب الأربعة على جواز التوسل بالأموات. وذلك باطل وكذب، فأبوا حنيفة كان يكره أن يقول الداعي: ‌أَسْأَلُكَ ‌بِحَقِّ ‌فُلَانٍ، أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ، وَبِحَقِّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ”[52]

يقول ابن تيمية: وليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوّز التوسل بمعنى الإقسام به أو السؤال به -أي النبي- فليس معه في ذلك نقل عن مالك[53].

وصفوة القول وخاتمته،

إنَّ صيانة حِمى التوحيد، وتجريد الإخلاص لله في باب الدعاء والتوسل، من عروة الإسلام الوثقى ومقصده الأسمى؛ حراسةً لعقيدة المسلم من غوائل الزيغ، وشوائب التعلق بالمخلوقين والأماكن والأزمان.

وإنَّ كلَّ مسلكٍ في التوسل يفتقر إلى محكم الكتاب، وصحيح الأثر عن صاحب الرسالة ﷺ، مردود على صاحبه ومآله البطلان؛ إذ لا شريعة تُرتضى في القُرُبات إلا ما أشرقت شمسها من مشكاة الوحيين؛ سدًّا لذرائع البدع والشرك، وتمحيصًا للعبادة لرب العالمين وحده.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – ‌لسان العرب، ابن منظور، (فصل الواو) (11/ 725)، وتاج العروس، للفيروز آبادي، مادة: (وَ سَ ل).

[2] – الموسوعة الفقهية الكويتية، (10/ 69).

[3] – المفردات في غريب القرآن، ص (871).

[4] – الوجيز للواحدي، (ص318).

[5] – تفسير الطبري، (10/ 290 ط التربية والتراث)، وينظر: تفسير عبد الرزاق، (2/ 17)، تفسير الثعلبي (ط دار التفسير)، (11/ 305).

[6] – تفسير السمرقندي = بحر العلوم، (2/ 317).

[7] – صحيح البخاري، رقم: (614).

[8] – صحيح مسلم، رقم: (11).

[9] – ينظر: تاج العروس، باب: (غوَثَ)، والمعجم الوسيط باب: (العين)، و شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة محمد حسن عبد الغفار – معنى الاستغاثة والعلاقة بينها وبين الدعاء وحكمها – ص14، عن الشاملة.

[10] – معالم التنزيل، (٣/ ٣٠٧).

[11] – صحيح سنن النسائي، رقم: (1237).

[12] – ينظر: تفسير القرطبي 7/311.

[13] – أخرجه أبو داود، رقم: (1493) والترمذي، رقم: (3475) واللفظ له، والنسائي في (السنن الكبرى)، رقم: (7666)، وابن ماجه، رقم: (3857).

[14] – الحديث بطوله في صحيح البخاري، رقم: (5974).

[15] – أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم: (29202)، وابن ماجة، رقم: (778)، وأحمد في مسنده، رقم: (11156).

[16] – ينظر: صحيح مسلم، رقم: (2491).

[17] – صحيح البخاري، رقم:(967)، وابن خزيمة، رقم: (1788).

[18] – تفسير مقاتل بن سليمان، (2/ 194).

[19] – تفسير الطبري، (14/ 454).

[20] – صحيح البخاري، رقم: (16).

[21] – تفسير ابن كثير، (2/348).

[22] – الشفا بتعريف حقوق المصطفى – أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي (2/41)، مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء، أحمد بن محمد بن محمد الشمني، والبدرُ التمام شرح بلوغ المرام الحسين بن محمد بن سعيد اللاعيّ، المعروف بالمَغرِبي، (5/441).

[23] – صحيح البخاري، رقم: (1010).

[24] – الدعاء، الطبراني، رقم: (965).

[25] – سنن ابن ماجة، رقم: (1385)، وسنن الترمذي، رقم: (3578)، ومسند أحمد، رقم: (17240)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي.

[26] – المدخل لابن الحاج، (1/ 259).

[27] – المدخل لابن الحاج، (1/ 259).

[28] – المدخل لابن الحاج، (1/ 260).

[29] – ينظر: الصارم المـُنْكِي في الرد على السبكي، (ص317).

[30] – ويعجب المرءُ كيف لعالم مثل ابن كثير -رحمه الله- أن يقع في ذلك؟!! والجواب: يكمن في القصور البشري الذي يلازم كل بني آدم مهما كان علمه، ويبقى الكمال لله وحده.

[31] – المنهج القويم في اختصار اقتضاء الصراط المستقيم، (ص185).

[32] – الصارم المـُنْكِي في الرد على السبكي، (ص253).

[33] – سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، (6/ 1035).

[34] – هذه القصة أخرجها القاضي عياض في (الشفاء) بإسناده عن الإمام مالك. وهي ليست بصحيحة عنه، بل إسنادها إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله، فابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه، بل روايته عنه منقطعة غير متصلة. وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، يراجع: كتاب كشف شبهات الصوفية – ص95، بيان كذب قصة أبي جعفر المنصور مع الإمام مالك عند الحجرة النبوية – المكتبة الشاملة.

[35] – صحيح البخاري، رقم: (1010).

[36] – الدعاء، الطبراني، رقم: (965).

[37] – ينظر: المسالك في شرح موطأ مالك، (3/ 316)، وفتح الباري لابن حجر (2/ 497).

[38] – أخرجه اللالكائي في (كرامات الأولياء) (151) بلفظه، وابن سعد في الطبقات الكبرى، (7/444)، وأورده الذهبي في (تاريخ الإسلام) (٢/ ١٧٨)، قال الألباني في (التوسل) (٤١) إسناده صحيح.

[39] – ينظر: التحرير في حديث توسل الضرير، إبراهيم الدميجي، ص (5-7) نشر شبكة الألوكة.

[40] – المدخل لابن الحاج، (1/ 259).

[41] – سنن أبي داوود، رقم: (1173).

[42] – صحيح مسلم، رقم: (79).

[43] – صحيح البخاري، رقم: (3445).

[44] – مسند الإمام أحمد، رقم: (1839).

[45] – صحيح مسلم، رقم: (88).

[46] – رواه أبو داوود في سننه، رقم: (1498).

[47] – سنن ابن ماجه، (1/ 463) ت عبد الباقي.

[48] – ينظر: مجموع الفتاوى، (1/329).

[49] – صحيح مسلم، رقم: (23).

[50] – مصنف ابن أبي شيبة، رقم: (7544).

[51] – تفسير السمعاني، (5/ 30).

[52] – شرح الطحاوية – ط دار السلام، (ص237).

[53] – قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١١٤-١١٧، عن كتاب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة، محمد عبدالرحمن الخميس، ص273.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى