أشتات

الغَبَاءُ الاصطِناعيُّ

لا أعرفُ كلمةً أصابَها من الضَّيْمِ ما أصابَ كلمةَ الذَّكاءِ عندما اقترنتْ بها تلكَ الصِّفةُ المقيتةُ (الاصطناعيّ)، فقد عاشَ الذَّكاءُ دُهورًا مُرادفًا للنُّبوغِ والنَّباهةِ والكِياسَةِ والنَّجابةِ، وما فَتئَ يَحملُ راياتِ تَمامِ العقلِ، وكَمالِ الفِطنةِ، وتَوقُّدِ القَريحةِ، وصحَّةِ البَصيرةِ، فلا جَرمَ أنْ يكونَ الذَّكاءُ أعظمَ ما يَفتخرُ به أُولو الألبابِ، وأكملَ ما يُمدحُ به ذَوو المناصبِ والألقابِ، وأثمنَ ما يُقدَّمَ مهرًا للشَّرفِ الرَّفيعِ، والمجدِ المنيعِ، وللهِ درَّ أبي الطَّيِّبِ (ت354هـ) إذ يقولُ:

لَا يُدْرِكُ المَجْدَ إِلَّا ‌سَيِّدٌ ‌فَطِنٌ
لِـمَا يَشُقُّ عَلَى السَّادَاتِ فَعَّالُ

لَا وَارِثٌ جَهِلَتْ يُمْنَاهُ مَا وَهَبَتْ
وَلَا كَسُوبٌ بِغَيْرِ السَّيْفِ سَآَّلُ

ولعلَّ أعظمَ فتنةٍ ظهرتْ في السَّنواتِ الأخيرةِ، بل أعظمَ خطرٍ يُهدِّدُ البشريَّةَ بأسْرِها خطرُ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ، الذي تحوَّلَتْ فيه الآلةُ إلى نموذجٍ يُفكِّر، ويتصرَّفُ بطريقةٍ تُشبِهُ البشرَ، بل يتمكَّنُ من أداءِ مهامَّ يعجزُ عنها البشرُ، فأوَّلُ أمسِ تمكَّنَتْ شَركةُ (OpenAI) من حلِّ إحدى المعضلاتِ الرِّياضيَّةِ السَّبعِ، التي بقيتْ تحدِّيًا للعقولِ البشريَّةِ قرابةَ مئةَ عامٍ، والتي رَصَدَ معهدُ كلاي للرِّياضيات (CMI) مكافأةً قدرُها مليون دولارٍ لمن يحلُّ واحدةً منها، ثمَّ بشَّرَتْنا أو أنذَرَتْنا الأخبارُ بقدومِ أنواعٍ أكثرَ تطوُّرًا من الذَّكاءِ الاصطناعيِّ المحدودِ السَّائدِ الآن (ANI)، ففي المستقبلِ القريبِ سيحلُّ محلَّهُ الذَّكاءُ الاصطناعيُّ العامُّ (AGI)، ثمَّ الذَّكاءُ الاصطناعيُّ الفائقُ (ASI)، وكلُّها تطوُّراتٌ مُخيفةٌ جعلتْ كثيرًا من السَّاسةِ والمفكِّرينَ يَنصحونَ بوقفِ تطويرِ هذهِ النَّماذجِ، وحَملتْ بعضَ العلماءِ المشتغلينَ في هذا المجالِ على تقديمِ استقالاتِهم من الشَّركاتِ التي يعملونَ بها، حيثُ أدركوا أنَّ المُضِيَّ في هذا الطريقِ خطرٌ يُهدِّدَ البشريَّةَ، التي قد تنتهي في غضونِ عشرِ سَنواتٍ، وأنَّ ثمَّةَ مَخاطرَ يَصعبُ على العقلِ تخيُّلُها، إذ صار المجرمونَ يَستشيرونَهُ في ارتكابِ جرائمَ مُروِّعةٍ، ويستعملونَهُ في اختراقِ الحساباتِ البنكيَّةِ، وفي التَّلاعبِ بالبُورصاتِ، وفي تنفيذِ هَجماتٍ إلكترونيَّةٍ تُعطِّلُ أنظمةَ التَّحكُّمِ في الطَّاقةِ والمياهِ والإنترنت، ومن الممكنِ أنْ يُستخدمَ في تطويرِ فيروساتٍ خطيرةٍ، أو أسلحةٍ بيولوجيَّةٍ يُمكنُها القضاءُ على البشريَّةِ في لحظاتٍ، ناهيك عن الأسلحةِ ذاتيَّةِ التَّشغيلِ مثل الطَّائراتِ المسيَّرةِ التي هي الأداةُ الأهمُّ في الحروبِ الحاليةِ، والتي من الممكنِ أنْ تخرجَ عن السَّيطرةِ، وأنْ تتمرَّدَ على مُشغِّليها، لأنَّ من خصائصِ هذهِ الأنظمةِ الفائقةِ أنَّها تُطوِّرُ نفسَها، وتتَّخذُ القرارَ دونَ الرُّجوعِ إلى أحدٍ.

وفي المجالِ الفكريِّ يُمكنُ أنْ يُؤدِّيَ الإمعانُ في استخدامِ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ إلى تفكيكِ المرجعيَّاتِ الدِّينيَّةِ والفكريَّةِ، وإلى انهيار الثِّقةِ في الحقيقةِ والمعرفةِ، وإلى التَّلاعُبِ بالعقولِ والرَّأيِ العامّ، وإلى شَلِّ قُدرةِ الطالبِ على التَّفكيرٍ أصلًا؛ لأنَّه اليومَ لم يعدْ يتعلَّمُ، بلْ يسألُ ذلك الذَّكاءَ الاصطناعيَّ أنَّ يكتبَ له البحثَ، وأنْ يُلخِّصَ له الموضوعَ، وأنْ يُحلِّلَ البياناتِ، وأنْ يُجيبَ عن الأسئلةِ، ناهيكَ عنْ خطرِ احتكارِ المعرفةِ من قِبَلِ الشَّركاتِ الكُبرى المهيمِنَةِ عليه.

وفي المجالِ الاقتصاديِّ يُؤدِّي الاعتمادُ على الذَّكاءِ الاصطناعيِّ إلى تفاقُمِ الأزماتِ الاقتصاديَّةِ بسببِ فُقدانِ الوظائفِ، حتَّى إنَّ بعضَ المصانعِ في الصِّينِ اليومَ صارتْ تُدارُ بالكاملِ بالرُّوبوتاتِ، التي تعملُ على مدارِ السَّاعةِ دونَ توقُّفٍ، ودونَ الحاجةِ إلى الإضاءةِ، حتى أطلقَ عليها لقبُ المصانعِ المظلمةِ (Dark Factories) … إلى غيرِها من الكوارثِ التي يَدعُ التَّفكيرُ فيها الحليمَ حَيرانَ، والتي تَجعلُنا نُردِّدُ قول الشَّاعرِ بعدَ دُخولِ الصِّليبيِّينَ بيتَ المقدسِ:

أُمُورٌ لَوْ تَأَمَّلَهُنَّ طِفْلٌ
‌لَطَفَّلَ ‌فِي ‌عَوَارِضِهِ الـمَشِيبُ

وأتركُ هذا الهمَّ العامَّ إلى نموذجٍ واقعيٍّ مُؤلمٍ، فقد عُهِدَ إليَّ من قِبَلِ جامعةٍ شهيرةٍ في دولةٍ غيرِ ناطقةٍ بالعربيَّةِ بتقييمِ رسالةٍ للدُّكتوراه تُقدِّمُ دراسةً أسلوبيَّةً لإحدى القُصصِ القرآنيَّةِ، وما إنْ شرعتُ في قراءةِ الرِّسالةِ حتَّى لفتَ نظري قِلَّةُ الأخطاءِ اللُّغويَّةِ فيها، على غيرِ العادةِ في رسائلِ النَّاطقينَ بغير العربيَّةِ، مع العنايةِ بوضعِ الحواشي، وتنويعِ المراجعِ في كلِّ حاشيةٍ، وتنظيمِ الأبوابِ والفُصولِ والمباحثِ، ممَّا جعلني أكتبُ بعضَ كلماتِ الثَّناءِ في بدايةِ التَّقريرِ، وبعدما قرأتُ قرابةَ مِئةِ صفحةٍ من الرِّسالةِ تيقَّنْتُ أنَّ الباحثَ قد استعانَ بالذَّكاءِ الاصطناعيِّ في كتابتها، وأنَّ هذا الأسلوبَ ليسَ من العملِ البشريِّ في شيء!

الغَبَاءُ الاصطِناعيُّ 3 الغَبَاءُ الاصطِناعيُّ

وكانتْ بدايةُ وقوفي على وُلوجِ الباحثِ من ذلك البابِ اللَّعينِ هو تلكَ الاقتباساتُ التي نسبَها إلى كتاب: دراسات لأسلوب القرآن الكريم، للعلَّامةِ الجليلِ الشَّيخِ محمَّد عبد الخالق عُضيمة (1910-1984م) رحمه الله، وهو موسوعةٌ فذَّةٌ قال عنها تِرْبُهُ العلَّامةُ محمود شاكر (1909-1997م) رحمه الله في تقديمِ القِسمِ الأوَّلِ منها: «فماذا يقولُ القائلُ في عملٍ قام به فردٌ واحدٌ، لو قامتْ عليه جماعةٌ لكان لها مفخرة باقية؟ … وهذا العملُ الجليلُ الذي تولَّاه أستاذُنا الشَّيخُ محمد عبد الخالق عضيمة، والذي أفنى فيه خمسةً وعشرينَ عامًا طِوالًا، والذي يعرضُ عليك منه هذا القسم الأول إنَّما هو جزءٌ من عملٍ ضخمٍ لم يسبقه إليه أحدٌ، ولا أظنُّ أنَّ أحدًا من أهل زماننا كان قادرًا عليه بمفرده، فإنَّ الشيخ قد أوتي جلدًا وصبرًا ومعرفةً، وأمانةً في الاطِّلاع، ودقَّةً في التحرِّي لم أجدها متوافرةً لكثيرٍ ممَّنْ عرفتُ».

وقد ظنَّتْ مُحرِّكات الذَّكاءِ الاصطناعيِّ، أو بالأحرى (الغباءِ الاصطناعيِّ) أنَّ الكتابَ يدرسُ القرآنَ الكريمَ دراسةً أُسلوبيَّةً، وفقَ الإجراءاتِ الأسلوبيَّةِ المعروفةِ في الدِّراساتِ البَلاغيَّةِ المعاصرةِ، ولكنَّ الكتابَ يَدرسُ القرآنَ الكريمَ من وجهةٍ نحويَّةٍ صرفيَّةٍ خالصةٍ، وكلُّ مَن اطَّلعَ عليه يعرفُ أنَّ العلامةَ الجليلَ قد قسَّمهُ ثلاثةَ أقسامٍ: القسمُ الأوَّلُ خاصٌّ بحروف المعاني ويَقعُ في ثلاثةِ أجزاءٍ، والقسمُ الثاني خاصٌّ بعلمِ الصَّرفِ، ويَقعُ في أربعةِ أجزاءٍ، والقِسمُ الثالثُ خاصٌّ بعلم النحو، ويَقعُ في أربعةِ أجزاءٍ، لتكتمل تلك الموسوعة الفريدةُ في أحدَ عشرَ مُجلَّدًا، كانتْ مُسوِّغًا لحصول الشَّيخ على جائزة الملك فيصل العالميَّة في الدِّراسات الإسلاميَّة عام 1983م.

وحسب الأطروحة المقدَّمة فقد رجع الباحثُ إلى الكتابِ، واقتبس منه 45 مرَّة، ووثَّقها في الحواشي برقم الجزء والصفحة، ولكنَّ الرِّيبةَ بدأتْ تتسلَّل إلى قلبي لعدَّةِ أمورٍ:

(أ) أنَّ الكتابَ لا علاقةَ له بالأسلوبيَّةِ بمعناها البلاغيّ المعاصر، وإنَّما هو دارسةٌ نحويَّةٌ صرفيَّةٌ، فغاية ما يمكنُ أنَّ يرجع إليه الباحثُ مرَّة أو مرَّتين؛ لأنَّه في مجالٍ مختلفٍ تمامًا.

(ب) أنَّ جميع هذه الاقتباسات مُخرَّجةٌ من الجزء الأول فقط، فكيفَ غابت الأجزاءُ العشرةُ الباقيةُ، مع أنَّ أحداثَ القِصَّةِ المدروسةِ مَبثوثةٌ في القرآنِ الكريمِ من الجزءِ الأوَّلِ إلى الثلاثين.

(ج) أنَّ تلك الاقتباسات تتضمَّنُ جُملةً من التَّعبيراتِ المعاصرةِ اللِّزِجةِ، التي يستحيلُ عقلًا أن تكون قد جرتْ على لسانِ الشَّيخِ الجليلِ، مثل: التماسك الدلاليّ، الوحدة الإيقاعيَّة، انتظام المقاطع، انغلاق المسار الدَّلالي، تصاعد الحدث، التدرُّج الدَّلاليّ، والتي لو نُشِرَ الشَّيخُ من قبره، وسمعها لأنكرها، وولَّى من قائليها فرارًا، ومُلِئَ من رَطانتهم رُعبًا.

(د) أنَّ ثمَّة نظامًا آليًّا ينتظمُ جمع تلك المواضع، حيث يبدأ الاقتباس بمثل: ويرى، أو: وقد أشار، أو: وقد لاحظ، أو: ويؤكِّدُ محمد عبد الخالق عضيمة كذا وكذا، ثمَّ يَضعُ جُملةً في نحو سطر أو سطرين بين علامتَيْ تنصيصٍ أو دونهما، ثمَّ يُحيلُ على صفحاتٍ عديدةٍ في المصدر لا تقلُّ عن خمس صفحات، مثل قوله: انظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم، ص210-216.

(ه) قمتُ بتتبُّع تلك النُّقولِ على مَدارِ الرَّسالةِ، ومُراجعتها في المصدرِ المتاح لديَّ ورقيًّا، وبصيغة PDF، ونصيًّا في المكتبةِ الشَّاملة، فلم أجد شيئًا منها على الإطلاق، بل إنَّ أكثرَ العباراتِ الموضوعةِ بين علامتَيْ تنصيصٍ لم يستخدمها المؤلِّفُ في كتابه البتَّةَ، ممَّا يقطع بأنَّ تلك الفقرات مولَّدة بالذَّكاء الاصطناعيّ، وأنَّ جميعَ تلك الحواشي مُختلَقَةٌ، ولا أفضِّل أنْ نَستخدمَ معها المصطلحَ المعاصرَ المائعَ: الإحالة الخادعة، بل أرى أنْ نستخدمَ مصطلح علماء الحديث الذين لا يعرفونَ التَّمييعَ أو المواربةَ: التَّدليس.

ثمَّ جاءت الطامَّةُ الثانيةُ عندما قرأتُ عدَّةَ إحالات في الحواشي بهذا النصِّ: انظر: الإيقاع القرآنيّ لمصلوح ص301-307، وأنا لا أعرفُ كتابًا بهذا العنوانِ للعلَّامة سعد مصلوح، وأعلمُ أنَّ كثيرًا من أهلِ العلمِ الملتزمينَ يتورَّعونَ عن استخدامِ مُصطلحِ الإيقاعِ مع القرآنِ الكريم، كما تورَّع أسلافُهم عن استخدام مصطلح السَّجع، واستبدلوا به مصطلحَ الفواصل القرآنيَّة، فتواصلتُ مع العلَّامة سعد مصلوح، بارك الله في عمره؛ لأسأله عن حقيقة الكتاب، فإنْ كانَ مَوجودًا طلبتُه منه، أو اشتريْتُه من الدار التي نشرته، فتفضَّلَ بالردِّ عليَّ بهذه الرسالة: «تحيةً وسلامًا. ليس لي كتابٌ ولا بحثٌ ولا مَقالٌ في هذا الموضوع، ولا بهذا العنوان. ولعلَّك تعلمُ أنِّي أتحوَّطُ كثيرًا فيما يتعلَّقُ بالقرآن، ويصعب عليَّ أنْ أكتبَ شيئًا تحت مثل هذا العنوان».

وقد رجع الباحث إلى ذلك الكتابِ المزعومِ، الذي لا وجود له، والذي لم يذكره ضمن قائمة المصادر 18 مرَّةً، وجميعُها تَنتظِمُها الطريقةُ الآليَّةُ نفسُها، المشار إليها في الفقرة (د) من الحديث عن الكتاب السابق، وكان من العبثِ أنْ أُراجِعَها؛ لأنَّ الكتابَ لا وُجودُ له.

ثمَّ جاءتْ ثَالثةُ الأثافي برجوعِ الباحثِ إلى كتاب: لمسات بيانيَّة في نصوص من التنزيل، للدكتور فاضل صالح السامرائي، والذي رجع إليه 45 مرَّةً، وجميعُها تَسيرُ على الطريقةِ الآليَّةِ ذاتها، المشارِ إليها آنفًا، فنهضتُ لمراجعةِ تلك الاقتباساتِ في الكتابِ المتاحِ لَديَّ بصيغة PDF، ونَصيًّا في المكتبة الشاملة، فلم أجدْ شيئًا من تلك النصوص على الإطلاق، بل يكاد يخلو الكتاب كلُّه من جميعِ العباراتِ التي وضعها بين علامتَيْ تنصيصٍ!

وإضافة إلى هذه الأمثلة الثلاثة، وقفتُ على تدليسِهِ مَصدرًا بعنوان: بلاغة القرآن، لشيخنا محمد أبو موسى، حفظه الله، وليس للرجلِ كتابٌ بهذا العنوانِ، وإن كانتْ له كتبٌ كثيرةٌ في البلاغة القرآنيَّة، وعلى تدليسِهِ نصوصًا نسبها إلى دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجانيّ (ت471هـ)، الذي ضمَّ إلى عنوانه عبارةَ: (في علم المعاني)! وتلك النصوصُ لا وجودَ لها في الكتابِ، وعلى إحالته في تخريج هذه العبارةِ: «يُسهم في تحديدِ زاوية النظر إلى الحدث، ودرجةِ حضوره في ذهن المتلقي»، إلى كتاب: سرّ صناعة الإعراب لابن جنِّي (ت392هـ)، وتلكَ نادرةٌ تُضحِكُ الثَّكْلَى، وتُسقِطُ الحُبْلَى، وعلى تدليسه كتابًا بعوان: علم الأسلوب، لحسن ناظم، وقد رجع إليه 20 مرة بالطريقة ذاتها، والمؤلِّفُ له كتابٌ بعنوانِ: البنى الأسلوبيَّة: قراءة في أنشودة المطر لبدر شاكر السَّيَّاب، والكتابُ لا وجود له في قائمة المصادر، ولا وجودَ لهذه النُّصوصِ المزعومةِ فيه.

وفي نهايةِ التَّقريرِ جاءتْ فقرةُ الحُكمِ على الرِّسالةِ، التي كتبتُ فيها دون تردُّدٍ هذا القرارَ: البحثُ يقينًا مُولَّدٌ بالذَّكاء الاصطناعيِّ، والباحثُ فاقدٌ للأمانة العلميَّة، وأُوصي برسوبه، وفصِله نهائيَّا من الدِّراسات العليا بالجامعة، وتداوُلِ اسمه بين الجامعات المناظرة؛ لحرمانه أبدًا من التَّسجيل فيها.

وختامًا، فليستْ هذه هي المرَّةَ الأولى التي تَلقَى فيها رسالةٌ هذا المصيرَ الـمُخزي، فقد سُقْتُ قبلها أكثرَ من عشرِ رسائلَ إلى ذلكَ القاعِ المُظلِمِ الذي يَليقُ بالدَّجَّالينَ المزيَّفينَ، ولكنَّها المرَّةُ الأولى التي أواجهُ فيها التزييفَ بالذَّكاءِ الاصطناعيِّ بهذهِ الصُّورةِ الفَجَّةِ، التي تُوحي للقارئِ بدقَّةِ المنهجِ، وسلامةِ الأسلوبِ، ورَوعةِ النَّتائجِ، والتي قد تخدعُ بعضَ المُشْرِفينَ أو المحكَّمينَ، بَلْهَ القُرَّاءَ غير المتخصِّصينَ، وهو ما يَقتضي يَقظةً دائمةً، ومُراجعةً دقيقةً لكلِّ اقتباسٍ، وتشبًّثًا بتلك الحكمةِ التي لا مناصَ من إعمالِها اليومَ: (‌سُوءُ ‌الظَّنِّ ‌عِصْمَةٌ). وأنا أعلمُ أنَّ هذا الجُهدَ قد يذهبُ دُونَ مُقابلٍ؛ لأنَّ بعضَ الجامعاتِ تَجعلُ المكافأةَ مَرهونةً بنجاحِ الطَّالبِ، وقَرارُ الفَصْلِ يَجعلُهُ في حُكمِ المعدومِ، ولكنِّي لا أُبالي بتلكَ الدَّراهمِ المعدودةِ، مُؤمنًا بأنَّ حُكمَ القاضي بإعدامِ المجرِمِ لا يَقِلُّ ثَوابًا عن حُكْمِهِ بِبراءةِ المظلومِ، وقد جمعَ اللهُ جلَّتْ حِكمَتُهُ بينَ إحقاقِ الحقِّ وإبطالِ الباطلِ في قرنٍ واحدٍ، فلا جرمَ أنْ نختمَ بقولِ أبي الطَّيِّبِ (ت354هـ) مع تعديلٍ يسيرٍ مُناسبٍ للمقامِ:

يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ (جُيُوبُنَا) 
وَتَسْلَمَ ‌أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ

د. مصطفى السواحلي

د. مصطفى السواحلي أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية، سلطنة بروناي دار السلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى