
طيف يبرز من هناك في السابع من أكتوبر يوم العبور االمقدّس، ويوم الطوفان الذي جرف البليد ورفع المجيد، أقبل يتقدم بثقة، يمتشق سلاحه بعزة واقتدار، لايعرف الفتور والإدبار ولا هو كان من أصحاب الأعذار… لم يجُاوز بعد العشرين ربيعا من نسمات عمره، إلا أن تلك النسمة المشعّة أبت إلا أن تكون الوريد الذي تتدفق منه الحياة… فآثرت الحرب عن غيرها من النسمات، واستحوذت عليها بالجود والعطاء والسّهاد والجهاد..وسابقت الزمن في غير رجعة..
كان كالليث عاديا يثخن في العدو برشّاشه القفّار، يدحص أوكارهم بحماس وبسالة طرّ نظيرها في الساح، ويداهم ثكناتهم بمكر ودهاء قل مثيله إلا في الأنفاق..
فإذا دخل عليهم الباب تغنج في مشيته بخيلاء واستعلاء، ويكأني به يرعبهم بصولة مشيته تذرع الأرض قوة ومهابة، وحقّ له أن يفعل !أعزّة على الكافرين كانوا، لا والله لا أغالي..فلقد كان صاحب الحق المبين وحامل الرسالة التي نأى عن حملها مسلم ادّعى الإيمان إذ كان ظلوما جهولا ..
ولعمري لقد كان إذا ثقفت عيناه الحادتين المتقدتين أعداءه، اندفع مهاجما يكرّ عليهم منافحا جسورا بحسامه الكرّار، يخدد فئام وجهوههم فضرب الرقاب.. حتى إذا ترجّاه القوم أن يخفف عنهم شيئا من العذاب، وهم مستنسرين كالبغاث، وقد رأوا منه بأس الصوارم نظر إليهم شزرا بطرف عينه، واستنكفت عيناه أن تنظر إليهم مشرئبة!
ثم هدر فيهم بقصف الرعود، وأملى عليهم شروطه وقد ساروا خلفه مذعنين فلا تسمع لهم إلا همسا…بعزة وإباء وكرامة تزين زناد رصاصه في سنور.
هذه لقطة وميضة من يوم الملحمة الكبرى وخلفها آلاف اللقطات التي لم تصور ولم تعرف، ولكن للرجولة ميدان فيه يميز الخبيث من الطيب، وفي كل الأحوال في أحلك الظروف وأصدقها وقعا، سيظهر الفرق جليا مستصعبا الإنكار…
عن أزمة الرجولة المبعوثة بعثا جديدا في غزة العزة..
عن القلوب الحية التي مالوثتها أزمنة التجهيل ووسائل التغابي، عن الأدب المتألق في ساحات الاعتراك، عن القول الفصل الفحم الصّادق ويكأنهم يحبرون القول تحبيرا..، عن حصافة الرأي وطهارة القلب وبلاغة القول الماثل بنور من الله، عن أولئك أحكي…
في أسمج صورة برقت بها غزة وصنعت بها رجالها الأفذاذ، المتنقلين بين خصيلة وسجيّة، المتعالين بشيمة وفضيلة، وكلها معاني نضبت من معين الرجولة الجليل وفيح الفحولة النبيل، تجد فيها اليافعين قادة والشباب سادة، قد اعتلوا منابر الجهد وأيادي الجود وراموا الاقدام، وبادروا الجهاد في الصفوف الأمامية بضراوة واستبسال، وماوهنوا لما أصابهم في سبيل الله وماضعفوا وما استكانوا.
ولن أتحدث هنا في هذا المقام الجليل، عن واقع شباب أمتنا لأعفّ المقال ولا أنسب مقارنة غير مجدية فالوضع يغني عن السؤال…إلا من تغمدته رحمة الإله فعكف يكافح الوضع المرير..
في تتبع لآيات الذكر الحكيم يورد الله سبحانه وتعالى وصف الرجولة في أكثر من موضع، ولايراد منها المعنى المتعنت الذي ألصقناه به وصرفته عقولنا القاصرة إليه، فالرجولة لا تعني بالضرورة الذّكر حصرا، وإلا لأكثرنا الرجالا…!
الرجولة ليست بمن طَرَّ شَارِبُهُ، وَاسْوَدَّ عَارِضُهُ، وَلَيْسَتْ فِي الْتِفَافِ السَّوَاعِدِ، وَلا في فروع الْقَامَةِ ولا هي بالشارب الكثيف أو اللحية الكثة ولا هو بالنبرة المتعالية المتسلطة.

هناك حيث يمسّد المثلث الأحمر في العبوات الناسفة قرب البحر..يعانق أخضرهم السماء في مشهد جليل مهيب، والنجوم تستمد من قلوبهم وهج النور، ومن بريق عيونهم سلائل الإيمان، والبدر يصافح وجوههم فينعكس نورهم الربّاني المشوب، بتراتيل أعذب الآي والسطور على صفحة القمر. على جبينهم سيماء السجود تبرق خاشعة، فيكتمل البدر بوجودهم، يالله كيف يحتفي بهم الكون في حبور؟؟
سألت قائدي يوما وهو القابع الأسير في سجون الاحتلال، في أقبية العزل الانفرادي الجهنمي السّخام، بعد أن أذاق العدو الويلات المريرة وخلّف فيه الندوب والجراحات العميقة وكواه بشتى أساليب المكر والدهاء، حتى كان ليعرف بأمير الظل !
كان شبحا لسطوة ذكره ترتعد الفرائص، وترتج لوقعه القلوب رعبا، له تاريخ عريض فذّ في البطولة والفداء والإباء ترجف له الأسماع، وتهتز لأوتار صوته النفوس رهبا، ولن أجازف في رواية الأثر الذي تتركه جولاته وصولاته على قلب العدو، أخشى أن تجعلك تنظر من طرف خفي…!
بينما أنا في حضرة طيوب كتابه ونفحات كلماته منبهرة بصنع الله فيه..، هتفت وقد ألقي السؤال في روعي ،كما ألقى الهدهد الرسالة على عرش ملكة سبأ، وهي منها في حيرة من أمرها: ياسيدي سؤال يثقلني يرجو خلاصا قبل ابداد، ياسيدي أسألك بالله عليك أن تخبرني ماهي الرجولة؟ فإنني أحسب رجالات أمتي في جهل صفيق بها..
أجابني في معترك حديثه ونثر درره، التي تقطر نخوة وإباء وأنفة، وتدرّ بسالة ومروءة وعزة، قلّ مايجود بمثلها الزمان ويبعثها التاريخ من صفحاته المغبرة، قائلا: “آه سقى الله أياما كنّا فيها الأسود والأسياد…” ثم لتوّي عنت ببالي خاطرة، فقاطعته بعد أن تذكرت فكرة عابرة أحرص عليها كحرصي في الطّلب… فنطّت منّي صرخة هينّة بوجل خشية أن يفوتني المغنم:” مهلا ياأستاذي قد نسيت القرطاس والقلم لأقيّد ما مكّن وجوّد.”
فتغشانا لهنيهة صمت الدهر الثقيل ثم شعرت به وهو يقول-حينما عبرت حروفه المجيدة وكأنها تتراقص في مخيلتي، وكأنها بعثت من جديد، تتجدّد في كل مرة يتوقف معها نبض الوعي ليجسّ درجة التأثير، وما أحدثته الكلمة من وقع وردود أوصدود: “ياصاح أحتاج قلبك قبل عقلك، هبني سمعك وبصيرتك واعبر معي تراتيل الأكوان لتسلك معي دروب من جاهدوا وصابروا، أحتاج أنفاسك الصادقة قبل اتّقاد عقلك ولكنني بعدها وبعد نضج الحكمة والبصيرة في قلبك، وربطها بإحكام بعقدة صدرك، سأحتاج وبشدّة إلى بارقة ذكائك ولمعة دهائك ..فاسلك معي بنفس الطريق الوعر علّنا نبلغ سببا..”
عندها وفي تلك اللحظة الغامرة الشديدة الوقع على قلبي، والتي لها أزيز كالمرجل فى أذني، مسّتني لفحة من الخجل المنكسر، من العجز المنهمر المنكبل وصرت كالأعجاز الخاوية، ماتدري لها من باقية…فاحترت بين القلم والقلب…
ثم أردف بأناة: “ولكنني سأوافيك ماتحتاجه من سؤال وجواب وفكرة ومقداد، ستجدها راكنة بين دفتيّ كتبي وكلماتي احتفظ بها، لكن رجاء لاتجعلها تركن في معزل، أكثر من زمن قراءتك لها كلها من الدّفة إلى الدّفة..اجعل الكلمات حيّة في تفاعل مستمر، تتقلب في زوايا عقلك وجنبات روحك وأشجان قلبك..سأترك لك المداد ليتناقله جيل عن جيل لأن الذاكرة عتاد المجاهدين…”
أطرقت مجفلا مطرقا، أدقّ في رأسي كلماته، وأشعر فيها بثقل عبراته بحرقة المدامع ووجع المآقي.. ياالله مايحمل هذا القلب من الهموم؟
تعبرني سحابة من الخجل، وطيف مضبّب بسيل الذكريات، أمازج فيه بين النّضب والقصب، بعد حديث يقيم النفس إن مالت أو ترنحت أو روح ادعت عجزا …
قلت: ياسيدي: “هل أحدثك خبر القاعدين المتخاذلين ماذا فعلوا في أنفسهم وبنا ؟” قال لي بحزم: “لا يا ابنتي إنني أخشى كراهة أن يقع في قلبي شيء منه…” سألته بريب بريء:” أتطهّر سمعك من أقاويلهم حتّى؟” ردّ علي منكرا أن يصدر مني سؤال كهذا:” إنني أعفّ سمعي وبصري عنهم لئلا يقعوا في قلبي منزلا أخشاه، لئلا يمسّ قلبي سوء صنيعهم ولا يطبع عليه برجسهم، ولا ينزلق منزلقا هويلا برجزهم، إنني لا أملك زمام قلبي إنه بيد الله أخشى عليه أن يركن شيئا قليلا…!”
هناك سقط ما في يدي، كيف تسمي نفسك بالميت وتدعوها بالفناء، فوالله لو وصلك خبرنا المبكي وقعودنا المرجف لدعوت علينا بالموت!
لست ميتاً أبدا ياقائدنا، بل أنت الحي ونحن الأموات، إن القلب الذي ينبض بالإيمان بالإنابة إلى الله، باليقين الذي لاتحوم بحماه ذرة شك، ولا تسطو عليه مثقال زعزعة تلجلج، لهو الحيّ-وإن سطي عليه وقطعت عليه خلوته بمكر صدّ لها وجهه أنفا- إذ كيف يتذبذب التسليم للكامل سبحانه في قلب كالذي يحملك؟؟
إن القلب الذي يحمل آلام وهموم أمته يتقلب مهتاجا من أجلها، يتحمل الوجع والظلم والعدوان والقذف والسخام والأهوال وكل ماخطر في ذاكرة شيطان، من خبث وكيد ودناءة، ومن أجلها لايطرف له جفن ولا يذوق لذيذ كرى ولايطيب له مقام، كيف لا وهو فوق جهاد الكلمة الصادعة بالحقّ والدعوة المتّقدة الصادقة ،لازال ليشعر بالعجز بالتقصير تجاه إخوانه؟! فكيف بنا نحن وقد اتكأ بعضنا إلى زخرف الدنيا يتباهى بها صعدا….
فلعمري إنك والله لأمير النور والجهاد، أمير ينسف بظلّه كل قناع زاعم سكن ضوء واقعنا الواهم…فتبدّدت الحقيقة بجلاء، إننا لمغرمون بل نحن لمحرومون…
كنت أرهف السمع إلى نبضات كلماتك، وددت والله أن لا ينتهي كتابك، كل حرف تتصدره به فخامة أذعنت لبأسك ويكأني أرى عزة الإسلام ماثلة أمامي، وجسارة القسّام تذرع في خيالي لله درك ياقائدنا المغوار.
سطع نجمك وبرق في سماء إسلامنا وقدسنا، ودكّت هيبتك مقالع الأعداء، وأخجلت بطولاتك وغيرتك على الإسلام المرجفين المتخاذلين، الجبناء الذين يتلّون نهارهم بليلهم فلاتدري لهم حقا من باطل أبدا…. وبالأسحار يستغفرون لفسّاقهم يرجون من أقذارهم وفتات فضلاتهم، تجارة لن تبور وبئس الورد المورود، وفي العشيّ والابكار يسبحون بحمدها ويبتاعون عرضا من الدنيا بقليل، وما ربح البيع ويا أسفا يا من كنت أبا الدينار وعبد الدولار..
والسرّ المنون أن أهل غزة بشهادة أهلها هم صناعة مساجد، بالدّور الذي يجب أن يحمله المسجد لا سجودا دون خشوع، ولا وجودا دون حضور!..
فياصاح قد انطلقت قوافل الركع السجد المجاهدين بعيدا، تضرب سراعا نحو باب الرضى الرباني العظيم فاتخذ لك مقعداً ولا تكن من المتخلّفين..
الرجولة هي ثبات ورسوخ وتشبّت وعضد بالحقيقة، يكفيك فخرا واعتبارا وعظة واقتداءا، أن تنظر لنموذج قرآني هو موقف السحرة في مواجهة فرعون، أكبر طاغية وأعتى مجرم عصى الله وتحدّاه في زمانه، بكل وقاحة وصفاقة، فلما قال للسحرة: فَلأَُقطّعَنّ أَيدِيكُم وَأرْجـُلكُم مِن خِلاَفٍ ولَأُصَلّبنّكُم فِي جُذُوعِ النّخْلِ ولَتَعلَمُنّ أيّنا أَشَدّ عَذَابًا وأَبْقَى﴿ كتحدّ أي لتعلمن أيّها السحرة أيّنا أشد عذابا أنا أم الله؟ بطغيان وعتوّ وعلوّ في الأرض بغير الحق، وبتفصيل أكثر أي لأقطّعن أعضاءكم واحدا واحدا بخلاف أبدأ باليد اليمنى ثم الرجل اليسرى تليها اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وهي طريقة في التعذيب حتّى يتوزع الألم في الجسم كله…
فقالوا له بثبات وإيمان وشجاعة تهتز أوتارها الجبال هيبة وتندك لوقعها الصخور خشية :﴿قَالُوا لَنْ نُوثِركَ عَلَى مَاجَاءَنَا مِنَ البَيّنَاتٌ والّذِي فَطَرَنَا فاقْضِ مَا أَنتَ قاَضٍ إنّمَا تَقضِي هَذِه الحَيَاة الدّنْياَ﴿. نسأله تعالى هداية تجعلنا أتقى الأتقياء وأقوى الرجال وأشجع الشجعان، ونسأله هداية تهون علينا كل المصائب كما هوّنت على سحرة فرعون في مصيبة كهذه، يالله كيف كان بيعهم…؟؟؟
