
تعد الوساطة أحد أهم عوامل الفشل الإداري خصوصاً في اليمن، وهي ظاهرة من ظواهر المؤسسات الإدارية الحكومية، يزداد خطرها وانتشارها في المجتمعات التضامنية والتعاونية كالمجتمعات القبلية. وفي سياق السير نحو تنظيف الجهاز الإداري من تشوه التركيبة الوظيفية وأثرها في افشال مساعي ضبط وإصلاح المؤسسات العامة، فإن الوساطة يجب أن تُقرأ قراءة اجتماعية أولاً قبل أن ينظر اليها على أنها ظواهر فردية أو اختلالات ناشئة عن ضعف الرقابة والمحاسبة. وهذا المقال يحاول أن يقدم قراءة اجتماعية تطبيقية على المجتمع اليمني في تفكيك مفهوم الوساطة وطبيعتها تمهيداً لوضع حلول للحد من آثارها.
الوساطة لغةً أصلها من التوسط بين أمرين أتخذا طرفين متباعدين.
وفي العرف القبلي، الوساطة تطلق على مجموعة المشائخ أو الوجهاء الذين يتدخلون بين طرفين على خصام مستغلين مكانتهم بالتأثير على الأطراف لحملهم على التنازل بما يسمح بحل الخلاف. وتنبع عن شعور لدى أبناء المجتمع بضرورة التعاون والتكاتف فيما بينهم لمواجهة كافة المخاطر التي تهدد المجتمع أو الجماعة القبلية وما يتفرع منها.
وتعتبر الوساطة في مفهومها القبلي عملاً مشروعاً ومرغّباً فيه، فمن الخلق الرفيع استعمال السلطة والمكانة للإصلاح بين الناس وتقديم العون والنفع، ولهذا تحظى بتقدير واستحسان اجتماعي في أوساط المجتمع اليمني.
أما في العرف الإداري للدولة فيمكن تعريفها بأنها قيام أحد الموظفين من ذوي المكانة والسلطة باستغلال نفوذه وصلاحياته لمنح امتياز لأحد الأشخاص على الآخرين لوجود قرابة أو علاقة بينهما، وذلك بالتجاوز والمخالفة للنظم واللوائح الإدارية.
والوساطة بهذا المعنى من أشد انواع الفساد الإداري فتكاً وتخريباً لمؤسسات الدولة.
فما الذي جرى لتتحول الوساطة من ذلك السلوك العرفي القبلي الرفيع الى سلوك ممقوت وبالغ السوء في الأداء الإداري للدولة؟
لو سلطنا بعض النظرات التحليلية، نلاحظ بتأمّل اسباب اختلاف الصورة النمطية للوساطة في الجهاز الإداري للدولة عن تلك الصورة للوساطة في التنظيمات القبلية، فنلاحظ أن الوساطة ذات الأصل العرفي القبلي تمتلك زخماً كبيراً من الاحترام والتقدير لدرجة أن توجه تصرفات وأفعال افراد المجتمع لتكون أكثر انجذاباً لمساعدة بعضهم واستعمال السلطات والإمكانيات لتذليل الصعاب فيما بينهم، ويعتبر هذا من الشيم الحميدة لدى افراد المجتمع ذوي القرابة والعصبة القبلية. والتنكر لهذه القرابات والانتماءات القبلية وعدم منحها امتيازاً، يعتبر تنكراً للعرف والسلف والقيم الاجتماعية القبلية العليا. فبلا تماسك وتعاون أفراد المجتمع الواحد في فرع قبلي أو قبيلة معينة في مواجهة التحديات الخارجية يواجه المجتمع خطرا وجودياً على البقاء، ولهذا تنشأ اللُّحم والتكتلات والقرابات التي تحفظ المجتمع في مواجهة المخاطر الخارجية. وهذه من خصائص التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات القبلية التي تعيش في مناطق جغرافية وعرة تمتاز بصعوبة الحياة وعدم وجود سلطة ونفوذ للدولة لتوفير الأمن والحماية والرعاية.
وكل ذلك انغرس في الثقافة الاجتماعية وفي الشخصية القبلية اليمنية على مدى قرون وصار جزءًا من مكوناتها الثقافية الذاتية، قبل نشوء الدولة المركزية والتنظيمات الإدارية الحديثة.
وحين تم استيراد الدولة الحديثة، ذات النهج الإداري القائم على الكفاءة والتعاقدية، واحلاله في المجتمع اليمني الذي لم يعهد لهذا مثيلاً في تجربته التاريخية، انتقل افراد المجتمع للعمل في الدولة، آخذين معهم ثقافتهم الاجتماعية وروابطهم القبلية والأهم من كل ذلك قيم الولاء والتعاون القبلية. وبدلاً من استيراد النظام الإداري الحديث مع الأخلاق الإدارية الحديثة تم استيراد النظام كجهاز اداري هيكلي تنظيمي مجرد واحلال الكادر اليمني في أركان هذا الجهاز بأخلاقهم وقيمهم القبلية. ومن أعماق هذا الانسان القبلي ظهرت الوساطة في الجهاز الإداري للدولة كانعكاس لقيم الولاء والتعاون القبلية. فعملت الوساطة كالفأر الذي يخرم سد الجهاز الإداري ومؤسسات الدولة ويتسبب في انهيارها وفشلها المستمر إلّا في حالات استثنائية. والسبب في ذلك أن الأجهزة الإدارية الحديثة مصممة لتتناسب مع قيم التعاقد والتنافس الرأسمالية التي انبعثت في العصور الحديثة في أوروبا وأمريكا، والتي تقف بالتضاد مع قيم التعاون والتكاتف القبلية.

وهنا نفهم أن مشكلة الوساطة عميقة ومتجذرة في الذات اليمنية القبلية، وأن المسألة تتعلق بأن قيم التعاون والتكافل القبلية في صراع مع قيم الحياد الوظيفي البيروقراطية، ولا يكفي لنزع القيم القبلية المتجذرة في الذات اليمنية مجرد دخول المدرسة والحصول على شهادة جامعية من جامعة حديثة، إذ يبقى الانتماء القبلي أقوى أثراً وأكثر هيمنة من قيم الحياد والتعاقدية المستوردة والغريبة عن البيئة الاجتماعية اليمنية.
وحل هذه المشكلة – كما أحسب – يكون عبر إحلال القيم الإسلامية محل القيم التعاقدية الإدارية. فالقيم الإسلامية هي الوحيدة التي تستطيع أن تنافس وتتجاوز القيم القبلية وتمتلك القدرة على نسخ وتخفيف أثرها على الأداء الوظيفي. وذلك أن القيم الإسلامية تستند الى أساس أعمق وأقوى وهي الرابطة الدينية التي تمثل مرجعية جامعة تمتلك مصادر قوى وتأثير وانتشار في المجتمعات، كما أنها مألوفة للمجتمع اليمني وسهل تعلمها وتبنيها وتربية الموظفين عليها، فقد شهدت قواعد السبعين الجامعة للأعراف والقبلية في نهايتها إقرار بالقول (وشرع الله فوق الكل). بينما المؤسسات البيروقراطية والتنظيمات القانونية لا وجود لها في الذاكرة القبلية وليس لها أي مرجعية مؤثرة تستمد منها قوتها وفاعليتها سوى أنها تمثل قيم الغرب المتقدم، وتلك القيم الحضارية الغربية لمن لم يسافر ويعش في ظلها لن يستوعب قواعدها ولا ممارستها.
وتأتي وجاهة القيم الإسلامية في معالجة ظاهرة الوساطة من حيث أن القيم الإسلامية تتمركز ليس على الولاء القبلي والتكافل الاجتماعي وإنما على التسليم الديني لله، وتنضبط بضوابط شرعية تفصيلية تجعل من مخالفتها مخالفة للشرع وعرضة لعمل محرم أو منكر. كما يرفع الإسلام من قيمة العدل مع القريب أو البعيد، وأن الناس سواسية وأنه لا فرق بين الناس إلّا بالتقوى، ويجد المسلم التقي أن في تفضيل صاحبه أو صاحب قبيلته على الآخرين مخالفة لقيمة العدل ولمسؤوليته في عمله.
وبالرغم من وجاهة مقترح إحلال القيم الإسلامية، إلّا أن هناك مشكلتين تواجهان هذا الحل البديل:
المشكلة الأولى: أن الجهاز الإداري للدولة مصمم وفقاً للقيم الرأسمالية التعاقدية، بينما القيم الإسلامية تختلف في أصولها عن القيم الرأسمالية والتنظيمات الإدارية المبنية عليها، رغم عدم الاختلاف الكبير في بنيتها والتنظيم الهيكلي ومعايير الكفاءة والأداء. وهذا الاختلاف يظهر أثره في قصور فاعلية القيم الدينية الإسلامية عن مواكبة التوقعات في أدائها الإداري لعدم وجود رابطة دينية مباشرة بين الوظيفة العامة للدولة بمسمياتها وترتيبها وبين القيم والمصادر الإسلامية الموروثة التي تمثل مصدر رافد لفاعلية القيم الإسلامية وتأثيرها. فربما شعر الموظف بأنه مسؤول عن وظيفته ومراقب دينياً لكنه في لحظة ما لا يشعر أنه يؤدي وظيفة كخدمة عامة يحصل من ورائها على الأجر والثواب أو الإثم والحساب قبل الأجر المالي، وإنما يشعر كأنه عضو في جهاز إداري في دولة مادية يقوم بواجبه الوظيفي ويعيش على ما يصرف له من مرتب شهري. ذلك أن بنية الدولة الحديثة ذاتها لا تتصل بمرجعية دينية يشعر الموظف بانه ينتمي اليها برابطة دينية وإنما برابطة تعاقدية مادية بحتة. مما قد يسمح بظهور بعض أعراض الأمراض الإدارية كالوساطة والرشوة والفساد ومخالفة النظم واللوائح والقرارات، وإن كان بشكل أخف بكثير من الأخلاق القبلية، وتوضيح وشرح ذلك يطول.
والمشكلة الثانية: أن مصدر تعبئة القيم الإسلامية والتربية عليها أخذ تجربة غير جيدة خلال السنوات الماضية في الواقع السياسي اليمني، وجاءت على شكل تحشيد وتجنيد الأفراد لخدمة تنظيمات سياسية لها أجندتها الخاصة التي قد لا تتماهي وتخدم المصالح الاجتماعية الكلية أو لا ينظر اليها المجتمع على أنها تتبنى القيم الإسلامية لأغراض دينية أو عدالة وتنمية اجتماعية وإنما لأهداف سياسية خاصة، فقد لا يتقبل المجتمع دعوات مشابهة قبل تصحيح النظرة السلبية.
فرغم الأمل الذي تشكله القيم الإسلامية كحل لمعالجة امراض الجهاز الإداري إلّا أن الوصول إليها وتحقيقها مسألة لاتزال محل نظر، وبحاجة الى تنظير أعمق وربطها بنظام حكم يختلف عن النظام الإداري للدولة الحديثة.
وخلاصة القول، إن الوساطة قيمة اجتماعية عليا في النظام القبلي، وقيمة اجتماعية مفسدة في النظام الإداري للدولة، وأن أصل المشكلة عميق ومتجذر في الذات القبلية اليمنية وليست مجرد انحراف سيء وتصرف شاذ لدى بعض الموظفين، وأن هناك أمل لمعالجتها عبر إحلال القيم الإسلامية محل القيم القبلية كبديل للقيم الرأسمالية التي يستحيل تربية المجتمع اليمني عليها في الظروف الحالية، وذلك الحل لايزال يحتاج نظر وفكر وتجربة.
