فكر

مسوّغات المناداة بالعلمانية بين الحقيقة والوهم (ج2)

الحربان العالميتان: منجزات غربية علمانية كونية كبرى

لانزال نناقش مسوّغات العلمانية في المجتمعات الإسلامية ووقفنا في الجزء الأول عند السبب الأول  وهو (الخلط الدائم  بين التاريخين الإسلامي والأوروبي)، وهو الذي جرّ إلى الوقوع في براثن الاستيراد للنموذج العلماني (الغربي)، بل ظل الذريعة الكبرى  للمشروع العلماني  في العالم- بما فيه العالم  العربي والإسلامي-؛ بدعوى  تحقيق السلم الاجتماعي،  والتخلّص من صراع أتباع الأديان، والطوائف والإثنيات بعناوينها المختلفة، فهل يا تُرى تمكّنت العلمانية حقًّا من تحقيق ذلك، في المجتمعات الأوروبية وغير الإسلامية جميعا، رغم مالها من مسوّغات  منطقية، في رفض الدّين الذي حكمها، فجرّ عليها التخلّف والحروب والصراعات، ومنها حرب الثلاثين سنة بين الكاثوليك والبروتستانت، في أوروبا (1618-1648م)؛ أم أن ذلك لم يحل دون استمرار الحروب والصراعات، ولو بعناوين مختلفة جديدة،  أي أن إحلال العلمانية  في تلك المجتمعات، لم يقِها  من استمرار الحروب والصراعات، ولو بعناوين غير دينية، بل إن الحروب  التي جرت في إطار العلمانية أشد ضراوة في وسائلها ونتائجها، بما لا وجه للمقارنة فيه من أيّة زاوية، مع كل الحروب الدينية وغير الدينية السابقة، خاصة بعد تطور الأسلحة  الحديثة وإمكانات التدمير، على نحو غير مسبوق . وإذا تجاوزنا – مؤقناً- في هذا المقام حرب الإبادة الجماعية الفظيعة التي تشرف عليها وتشارك فيها حالياً  الولايات المتحدة ( رائدة العلمانية المعاصرة)، ومعظم دول أوروبا الغربية في غزّة بفلسطين؛ فإن ما شهده العالم (العلماني) الأوروبي بالأساس، ثمَّ الروسي والياباني وسواهما في القرن العشرين الميلادي  بالخصوص، من حربين عالميتين كُبريين طاحنتين؛ لا ناقة للعرب والمسلمين فيهما ولا جمل، من قريب أو بعيد، ليس لذلك من تفسير؛ إلا أنه إحدى المنجزات العلمانية الكبرى  للغرب العلماني، ودوله الحديثة!

لقد بلغت إجمالي  ضحايا الحربين العالميتين ما لا يقل عن 80 مليونًا من البشر، حيث  ذهب ضحية الأولى في 1914م – 1918م  ما يفوق 20 مليونًا، منهم  13 مليونًا من المدنيين، كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للصراع، وتم تشريد ملايين الأشخاص وتهجيرهم من منازلهم في أوروبا وآسيا الصغرى بسبب الصراع، ووصلت الخسائر بالممتلكات والصناعات إلى مستويات كارثية، خاصة في فرنسا وبلجيكا، حيث وصل القتال لذروته(1)، وجزء فقط من ضحايا الحرب العالمية  الثانية (1939-1945م) حوالي 17 مليونا من العسكريين، وأضعاف هذا العدد من المدنيين. وكان من أبرز نتائج تلك الحرب وخسائرها إسقاط قنبلتين ذريتين على اليابان، الأولى كانت على مدينة هيروشيما، وبعد ذلك بدقيقة واحدة قتل 66 ألف شخص وجرح 69 ألفا بسبب التفجير المتكون من 10 آلاف طن. أما الثانية فكانت وسط مدينة ناغازاكي، ألقيت بعد 3 أيام من إلقاء الأولى، لينخفض عدد السكان في لحظة واحدة من 422 ألفا إلى 383 ألفًا، لأن 39 ألفا قتلوا،  و25 ألفًا جرحوا(2).

وتحدثت تقارير إخبارية صدرت بمناسبة مرور 74 سنة على تلك الذكرى المشؤمة عن أن قنبلة هيروشيما قضت على 90% من سكان المدينة، وأودت بحياة 80 ألفاً من المدنيين على الفور، ليليهم عشرات الألوف بعد ذلك، بسبب الإشعاع الناتج عن الانفجار النووي، ويصبح – من ثمّ- 1  من كل 4 من أبناء الجيل الأول  يعاني من عيوب خَلْقِية(3).

اغتصاب مليوني للألمانيات من قبل جيش الحلفاء :

قام مؤرخون بالكتابة عن الآثار التدميرية الهائلة للحربين وبالأخص الحرب العالمية الثانية،  ومن ذلك الانتهاكات الجنسية الفظيعة التي ارتكبتها جيوش الحلفاء الغربيين والجيش الأحمر أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت هذه القوات تقاتل وهي في طريقها إلى الرايخ الثالث (أي الإمبراطورية الألمانية الثالثة بقيادة هتلر)، وخلال فترة احتلال ألمانيا . وتؤكّد كثير من المصادر التاريخية أن مُعظم الاعتداءات في الأراضي المحتلة نفّذت من قبل السوفييت، وتراوحت تقديرات أعداد النساء الألمانيات اللآئي تعرضن للاغتصاب على أيدي الجنود السوفييت إلى نحو 2 مليون، وفقاً للمؤرخ وليام هتشكوك.  وتؤكّد المصادر أنه في كثيرٍ من الحالات كانت النساء ضحايا للاغتصاب المتكرر، منهن من تعرضن للاغتصاب من 60 إلى 70 مرة. ويعتقد أن 100 ألف امرأة تعرضن للاغتصاب في برلين وحدها، وذلك استنادًا لارتفاع معدلات الإجهاض في الأشهر التالية، وتقارير المستشفيات في تلك المرحلة(4).

كشفت نتائج الحرب العالمية الثانية في مجال (الاعتداءات الجنسية) عن حقيقة المسلك الذي سلكه الجنود الأمريكيون مع النساء الألمانيات بعد تحريرهن من النازية عقب الحرب. وفي هذا أصدرت الباحثة الألمانية مريام جيبهاردت كتابها (الجرائم المسكوت عنها: اغتصاب الألمانيات في الحرب العالمية الثانية)

(Crimes Unspoken: The Rape of German Women At The End of The Second World War)  الصادر في2   مارس/آذار  2015م،   فكشفت فيه أن الجنود الأمريكيين اغتصبوا وحدهم نحواً من 190 الفاً من النساء الألمانيات بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها . ووفقاً  لمجلة «دير شبيغل»  الألمانية البارزة واسعة الانتشار ، الصادرة في  4مارس/آذار2015م، وهي التي عرضت الكتاب أن المؤرخة الألمانية ميريام جيبهاردت سلطت الضوء  فى كتابها على هذه التصرفات،  وسردت قصة حدثت فى مارس 1945 قائلة أن جنودًا أمريكيين وصلوا إلى دوسك واقتحموا منزلاً وحاولوا إجبار امرأتين على الصعود إلى الطابق الأعلى لكن كاثرين دبيلو وابنتها شارلوت تمكنتا من الفرار غير أن الجنود لم يستسلموا بهذه السهولة فقد بدأوا تفتيش كافة المنازل فى المنطقة وأخيرًا وجدوهما فى دورة مياه منزل مجاور قبل منتصف الليل بقليل وقام بعد ذلك ستة جنود باغتصابهما دون رحمة.

وذكرت المجلة أن مئات الألوف وربما الملايين من نساء ألمانيا خضعن لنفس المصير فى ذلك الوقت ورغم أن مثل حوادث الاغتصاب الإجرامية هذه كان يلقى اللوم فيها على القوات السوفيتية فى شرق ألمانيا؛ إلا أن هذه الحالة مختلفة، فالمغتصبون هنا جنود من الولايات المتحدة الأمريكية ووقعت الجريمة فى سبرندلينجن وهى قرية بالقرب من نهر الراين فى الغرب..

وأوضحت المجلة أن  الكتاب يلقى بنظرة أقرب ماتكون إلى اغتصاب الألمانيات من قبل كل المنتصرين بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية.

تستند مؤلفة الكتاب في وثائقها  على تقارير احتفظ بها قساوسة فى ولاية بافاريا فى صيف 1945 وكتب للقس  مايكل ميركسمولر وهو قس فى قرية رامساو بالقرب من برتشتسجادين  فى يوليو 1945 -على سبيل المثال- وفي هذه الشهادة أن  “ثمانى فتيات اغتصبن أمام آبائهن”.

وكتب الأب أندريس فينجاند فى يوليو 1945 أيضًا “أشد الأحداث حزنًا أثناء تقدم القوات الأمريكية كان ثلاث عمليات اغتصاب بحق امرأة متزوجة وأخرى غير متزوجة وفتاة بكر عمرها 16 عامًا ونصف العام.. ارتكب الجريمة جنود أمريكيون سكارى.

ووفقاً للمجلة كذلك فإن هذا السلوك المشين  قاد ” مؤلفة الكتاب إلى مقارنة سلوك الجيش الأمريكى بالتجاوزات العنيفة التى ارتكبها الجيش الأحمر فى ألمانيا الشرقية والتى شملت أعمالاً عدوانية وعمليات اغتصاب وحوادث نهب جراء الغزو السوفيتى، وقالت المؤرخة إن الانتهاكات لم تكن مختلفة فى غرب المانيا عن شرقها”(5).

لك أن تتخيل – قارئي العزيز بعد كل هذا- ماذا لو حدثت جرائم من ذلك القبيل -وإن بأقل نسبة- في المجتمعات الإسلامية، على أيدي مسلمين، ماذا كان سيقول عنها الغرب والعلمانيون المفتونون بنموذجه؟! ولماذا يبتلعون ألسنتهم اليوم تجاهها؟!   وها هي ذي غزّة اليوم تحترق وتدمّر  بكل ما فيها من بشر وحيوان وحجر على أيديهم وحلفائهم!

الهوامش:

  1. راجع: موقع إينكولبيديا (شوهد في 25/2/2019).https://encyclopedia.ushmm.org/content/ar/article/world-war-i
  2. راجع: موقع الجزيرة نت، https://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/f1efc66e-7c7e-460f-9680-dcce63ab5a39إعداد قسم البحوث والدراسات (شوهد في 25/2/2019م).
  3. موقع  اليوم السابع https://www.youm7.com/4364521 في الذكرى 74 لإلقاء أول قنبلة ذريّة في العالم …ماذا فعلت الكارثة باليابان؟،6/8/2019 م (شوهد في 27/2/2020م).
  4. راجع: موقع  آر  ويكيبيديا https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9_%D8%A3%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1_%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84_%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7،  الانتهاكات الجنسية أثناء احتلال ألمانيا، (شوهد في 27/2/2020م).
  5. راجع: موقع اليوم السابع  https://www.youm7.com/2091997،دير شبيجل: الأمريكيون اغتصبوا الألوف من الألمانيات بعد الحرب العالمية الثانية،4/3/2015م (شوهد في 25/2/2019م).

أ.د أحمد الدغشي

أ.د أحمد محمد الدغشي أستاذ الفكر التربوي الإسلامي بجامعتي صنعاء - اليمن وإغدر (الحكومية) التركية لديه ٢٤ كتابًا منشورًا، وكتب أخرى تنتظر النشر. -حاصل على جائزة رئيس الجمهورية التشجيعية للبحث العلمي في ٢٠٠٩م. -شارك في عدة فعاليات وأنشطة فكرية وتربوية في العالم العربي وفي أوروبا وأمريكا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى