أدب

قراءةٌ في ديوان (مناجاة عند عرافة البوح)

للشاعر إبراهيم عبدالكريم محمد

مقدمة

تتناول هذه الورقة الديوان الثاني للشاعر إبراهيم عبدالكريم، بغية الوقوف على مكنوناته، عبر مقاربة جمالية تتّخذ الأساليب النقدية الحديثة المتعددة جسراً لها، وذلك استجابة لتعدد مستويات النصّ الشعريّ الحديث باعتباره فضاءً متراكمًا من المستويات اللغوية والثقافية والاجتماعية وتمثيلاً للوعي بكل تشعباته فهو بذلك قد يحتاج -في أبسط تشكّلاته- إلى إعمال أكثر من أسلوب نقديّ كي يُجْلِي بعضاً من محاسنه.

إنَّ قلق التَّجاوز الذي أنهك المبدعين وأخَذَ بأنفاسهم مذ كانوا ثم تعاظم في أنفسهم في هذا العصر تحديداً حتى أبدعوا فأغربوا في دروب الجمال قد أصاب صاحب الديوان كما يبدو، فظل باحثاً عن نفسه في هذا المولود على عكس ما كان في الباكورة الأولى، لـذا جاء هذا العمل شفيفاً خفيفاً دقيقاً في اقتناصاته وتخييلاته وترميزاته،حيث حوى ثمانيةَ عشرَ نصاً جلّها على النّسق العمودي سوى أربع قـــصائد على التفعيلــــة، وكـــان ميلاد هذه القــــصائد ما بين 2020 – 2024م، غـــير نصٍّ واحدٍ أضيف تـــجاوزاً إلى هذه الفترة، وسنحـــاول النّفاذ إلى مكامنــــه عبر ثلاثة منافذ:

النافذة الأولى: سيميائية العتبات

تعتبر عتبات النّص هي التوطئةُ الشارحة أو هي النّص الـموازي على حدّ تعبير (جيرار جينيت)، إذ بها يستطيع القارئ الولوجَ إلى عوالم النّص وفكّ شفرته، ونعني بالعتبات (الغلاف – الصورة – العنوان – الإهداء – الاستهلال)  وغيرها مما يحيط بالنّص ويخدمه في تقريب الفكرة.

أولاً: الغلاف والصورة

يعتبر الغـلاف ثيمةً بصريّةً فـريدةً تخاطب القارئ كـما يخاطب النّــص القارئ أيضاً، وغـــالباً ما يكـــون موشحاً بألـــوان وزركــشات متناسقة مع العــنوان والـمحتوى، إلا أننى لا أريد الوقـــوف كثيراً على الألوان ودلالــتها ومعناها ومدى تتعاضدها مع الـمحتوى.

إن أكثرَ شيء مُلْفِت في غلاف هذا الدّيوان هو صورة الطائر المعروف (الببغاء) الّذي اختاره المصمم بعين فاحصة تنمّ عن ذوق لطيفٍ، إذ التقط هذه  العلاقةُ التشفيريّةُ الدقيقة لفكرة العرافة في العنوان العام للديوان، فهو العرافة التي أوتيت حِدّة الـملاحظة ومُكّنت من سرّ الأشياء حيث لا بوح إلا بوحها، وما لفكرة الطائر الفصيح هذه من إيحاء شاعري.

ثانياً: العنوان

يتكوّن العنوان من مبتدأ وخبر شبه جملة دالّ على شفراتٍ وعلامات أوليّة توجه بوصلة القراءة إلى آفاق هذا الديوان والغوص في أعماقه، فـ(الـمناجاة) مفردة دالة على الحبّ والإذعان والبوح والخفاء في النَّجوى، حيث لا يناجى إلا الـمحبوب، وأما الـمفردتان (عرافة البوح) فمفردة (البوح) التي وردت أكثر من خمس مرّات بدلالات سياقيّة متغايرة، أضْفَتْ إلى (العرافة) معنى آخر، ولشبه الجملة هذه دلالات انزياحية عديدة؛ منها فاتنته السّمراء التي أهداها الديــــــوان، ومنها القصيدة الـمـــــعروفة بمنْعَتها وحَرَنِهَا، حيث يتناجى الشّـــعراء عندها باحثين عــــن أنفســـهم كيْ يمـتاحوا مــن معينها الفيّاض، وتُبرئ جراحَهم بتعاويذها السّاحرة وتنقاد لهم طائعةً رقابُ المفردات والمعاني.

ويكمن سرّ العنوان في (العِنْدية الظّرفية) الرابطة ذات النغمة الرّاقصة (مناجاة عند عرافة البوح) فإنها لو حذفت وجيئ بأية مفـــــردة أخرى لـما ســدّت مسدّها، لـما لها من دلالة تناسبية جيّدة في ربط شِقَّي الـمفردتين.

واللافت أن اسم الديــوان هو عنـــوان لإحدى القصائــد الواردة في متن الديوان، حيث اختاره الشاعر عنواناً لـمجموعتـه، في إشــارة دلاليّـة لطيفة بأن ثـمـة ارتباطاً وثيقاً بين العنـوان الــمختار والقصائد الأخــــرى، وهي سنّة جرى عليها كـثيرٌ من الشّعراء في العصر الحديث وهم يطلقون على دواوينهم أحد عناوين القصائد الواردة في متن المجموعة.

  ثالثاً: الإهداء

إن الإهداء يعكس للقارئ مدى علاقة الشاعر بمن حوله من الأشياء، فقد أهدى عمله إلى تلك الفاتنة التي سلبتْ لبه وسكن لها (إلى السّمراء)، هكذا أهدى لها هذا العمل الشعري الجميل الخالد، فصفة (السمراء) من شبه الجملة هذه رغم بساطتها تتعدد دلالاتها: من الوطن تلك البقعة من الأرض التي تلقَّبُ بالأم الثانية، إلى الـمرأة الحسناء ثم القهوة، وربما تجاوزاً تطلق على القصيدة أيضاً لخـــروجها من تلك المنطقة المعتمة في الذاكرة بين المنطقتين الواعية واللاواعية.

ومهما يكنْ من أمر فإن الإهداء ملفِتٌ في وجازته واكْــــتنازه بظلال المعاني والإشارات الثقافية والتاريخية والوجدانية، مما يُسهم في إثارة خيال المتلقي وتأكيد أن لغة الشّعر تحتاج إلى إعمال الفكر والتدبر لاقْتِناص دلالتها.

رابعاً: الاستهلال

أنا ربّ التضاد نقشت وجهي
جهاراً في جدار المستحيل

استهل الشاعر بهذا البيت الـمقتبس من ديوانه الدالّ على صراع التجاوز وعدم الاستسلام للواقع وللغة، حيث صيَّر ذاته رباً للتضادّ، والربّ مفردة دالة على ملكية الأشياء مما يشير إلى المنزلة العليّة التي بلغها في سبر أغوار الحياة وفجاج القصيدة، وارتقى حتى بلغ درجة النّقش على جدار الـمستحيل، ثم ما الذي تََََمَّ نقشه؟ إنه الوجه ذلك الشيء المحسوس على المعنوي(الـمستحيل)، إشارة إلى أن المستحيلات عنده من الـممكنات، وأنها تحت دفاتره ينقش فيها وجهه، ولك أن تتأمّل استخدام مفردة النّقش بدل الرّسم لتتجانس مع الاستحالة لأن النّقش فعل يَشِي بالعناء والجهد لأنه دائماً يكون على الحجارة وعلى الأسطح الصّلبة (النّقش/الـمستحيل).

قراءةٌ في ديوان مناجاة عند عرافة البوح 2 قراءةٌ في ديوان (مناجاة عند عرافة البوح)

النافذة الثانية: سيميائية عناوين النصوص

إنّ المتأمل في ثنايا نصوص الدّيوان يقف بادئ ذي بدْءٍ على العناوين المنثورة في الفهرس، وتراكيبها اللافتة المكتنزة، التي تحمل  دلالات انزياحية جامعة بينها وبين تلابيب النصوص (الفيلسوف – ذاكرة النبوة – عرافة البوح – امرأة من نور – العالم الأسمى – يسوع – العهد الجديد – بابل )  فلكلّ من هذه المفردات دلالة فردية وأخرى تركيبية تفضي إلى المعنى المراد، وقابلة للعدول نحو دلالات انزياحية أكثر  كثافة على حسب اتساع عقل القارئ ومرونته، ويشير كل منها لفكرة التسامي والخلود، فالفيلسوف هو ذلك الكائن السامي الباحث عن جذوة المعرفة عبر نوافذَ من الأسئلة التي لا نهاية لها كي يخرج ذات الإنسان من طينته إلى مقام الملكوت والـمعرفة، فيلتقي بعرافة البوح في محاولة لرسم الخلود، ذلك الأمر الذي لا يكون إلا عبر الفنّ، على حدّ قول محمود درويش (هزمتك يا موت الفنون جميعها …)، وما عنوان (امرأة من نور) ببعيد عن سيمياء التّسامي حيث المعهود أنها من عوالم الطّين إلا أن الشّاعر ارتقى بمحبوبته المتخيلة أو الحقيقية الـمبهمة من عوالمه المعروفة إلى منطقة أخرى هي عالم النّور؛ ذلك العالم الشفيف الذي يستطيع منسوبوه التشكّل بالأشياء بكلّ مرونة وهدوء، وأمّا (العالم الأسمى) فهو القبلة والـمنتهى وإليه الـمبتغى، وأما (يسوع والعهد الجديد) يدلان على سيمياء العلو والخلود معاً لتعلقهما بالدين وهذا أمرٌ ماثل أمام المتأمل، وتحيل كلمة (بابل) إلى تلك المدينة السّامية الـمعلقة بين السماء والأرض تلك المدينة التي صار اسمها مخلداً بجمالها وثقافتها الضاربة وسحَرَتها وتشريعاتها الوضعية من حمورابي وغيره، فإنها توحي بالخلود الذي يسعى إليه جميع الشعراء.

النافذة الثالثة: سيميائية التسَامي والخلود في الديوان

يتراءى للقارئ الفاحص أن الديوان تغلب عليه فكرتان اثنتان هما: (التسامي والخلود)، ونقصد بالتسامي الاستعلاء والاستغراق في الـمتعالي، وأما الخلود فهو عكس الفناء، ونرى بأن الشّاعر يعبر عن هاتين الفكرتين عبر الذّات أحياناً وآناً عبر المجتمع وقضاياه وآناً عبر الحبّ وغير ذلك من مضارب التعبير، وسنحاول أن نتتبع تجليات هاتين الفكرتين في ثنايا النصوص عبر تقنيتي الإحالة والصّورة الشّعرية لنكتشف مدى تماسك النصّ شكلياً ودلاليّاً بدءًا من القصيدة الأولى وانتهاءًا بالقصيدة الأخيرة دون إسراف في التنقيب والتفصيل، والملاحظ أن القصائد بعضها ينفرد بفكرة التسامى أو الخلود، وتتشابك الفكرتان في بعض القصائد مع خفوت إحداهما.

ومن نافلة القول أنَّ الصورة الشعرية والإحالة أداتان من أدوات تماسك النّص الشّعري، وعلى وجه الخصوص النّص الشّعري الحديث الذي يتميّز بتطوّر أشكال التعبير بالصّورة التي صارت الوجه الغالب للرّسالة الفنية والإعلامية في هذا العصر، كما أن الإحالة صارت من أدوات النص الكبير من الجهة الثقافية، وهــــذا ما سنلاحظه في المقطع التالي فالشّاعر يحيل إلى سيمياء الخلود بصورة شــــعريّة ضاربة في الرّقّـة فيقول:

شَيّدتُ مِن وَجَعِ السِّنِينِ منازِلِي
وَفَتلْتُ مِـن نَكَبَاتهنّ حَبَائلي

وَجَلَسْتُ كَيْ أَصْطاد طَيفاً عَابِراً
عِندَ العَشِيَّةِ فِي ضِفَافِ سَوَاحِلِي

فَرَأَيْتُ حِينَ رَأَيْت أَنِّي لا أَرى
 خَلْفَ المرَايَا بَعد ذَاكَ الحَائِلِ

لِـي أَنْ أُخَيِّـط أَبْجَـــدِيَّاتِي رُؤى
 مِنْ فَلْسَفِيَّاتِ الأنا فِي دَاخِلِي

وَأُحَمِّــــلُ الأَلْفَاظَ ظِلِّي مِثْلَمَا
 تُعْطَى الرّسَائِلُ لِلحَمَامِ الزَّاجِلِ

فَتَطِيرُ مِن سَبَإِ الْخَيَالِ تَوَلُّهاً
 حَتَّى تُجِيبَ عَلَى سُؤَالِ السَّائِلِ

وَأُدَغْــــدِغ الْكَلِماتِ مِن وَجَناتِها
 لِتَصِيحَ بِالوحيِ الْعَجِيبِ العاجِلِ

إن المتأمّل في هذه  القطعة يرى بأنّ حركة الفواعل متأرجحة بين ضمير المتكلم والفعل المضارع الدّال على الغائب والمتكلّم في تسلسل متناسقٍ دالّ على أنّ الفعل الـمسيْطر على دلالة النّص هو فعل الحركة والـمُكابدة (شيّدت/ فتلت/ جلست/ رأيت،أخيط/ أحَمِّل/ تُعْطَى/ تطير/ تجيب/ أدغدغ/ أصيح) بدءاً بالبناء والتّشييد وانتهاءً بالطيران نحو مملكة سبأ تلك المملكة الخالدة متّخذاً ذاته منفذاً لبناء فكرته الـمتسامية، حيث شيّدها بوجع السنين وجعل نكباته سبباً ووقوداً، فهو الذي يُرى ولا يرى في مشاكلة غريبة حيث لا يرى بنات أفكاره بعد انبجاسها من الذّاكرة ولا يُرى قبل نزولها على الورقة كالطَّيف تماماً حتى يخيط أبجدياته ومعارفه رؤى للناس سهلة القطف والوقوف عليها، وقد استخدم مفردة الخياطة ليشير إلى مدى صعوبة حياكة النّص بدل الصّوغ وغيرها، كي يحمَّل ألفاظه ظلّه في استعارةٍ لطيفةٍ حيث الظلّ هو المعنى لتشاركهما في الخفة والشفافية، كلّ ذلك في تنامي بديعٍ نحو سيمياء الخلود (سبأ)، عبر وطن المجاز إلى الحقيقة متطلعاً نحو الخلود قائلاً:

خيّمت في وطن المجاز مسافراً
نحو الحقيقة كالمريد الواصل

ثبّتّ عرشي في الرياح كأنني
عطشى تخوم في السراب الزائل

في تناصّ عجيب مع أبيه الأكبر المتنبي:

على قلق كــأنّ الريح تحتي
أوجــــــــــــــــهها يــــميناً أو شمالا

ويشير إلى ذلك أيضاً في قصيدة أخرى:

كالغيم
أسبح في فضاء اللاوجود
لأيّ شيء غير روحي حاملاً سرّ الخلود
لكي أوازي ذاتي الأخرى
التي صارت ضباباً
يختفي في دولة الملكوت
من خلف الحجاب.

ولأنّ الذّات هي الذّاكرة التي يتشكّل فيها الآخر/الأنا فقد اتّخذها الشّاعر جسراً لتوصيل فكرته ورؤاه، عبر استعارات وصورٍ وأساليب تدعو القارئ إلى نوع من التأمّل فقد ظلّ باحثاً عن ذاته الفانية عبر سيمياء الخلود، في مفارقةٍ تصويريّةٍ بديعة (الذّات هي القصيدة/ الفناء هو الخلود/ أفواه الـمآذن هي الصّدى/ الانعكاس هو التماثل) مستخدماً مصطلحات فلسفية فيقول:

لم أدر ذاتي حين يجذبني الفنا
 متخلّياً عن كل شغل شاغل

وتصيح أفواهُ الــمآذن كلِّها
 إن رنّ صوتي في الصدى المتداخل

شتت قمح الروح خلفي كُلّما
 مرّ الزمان ستلمحون سنابلي

وستعكس الــمرآة وجــهي دائماً
 في كلّ قُـطْر كي أتم تماثلي

وتتجلّى في المقطعين السّابقين عناصر لسيمياء المكان والزمان، فأمّا المكان (منازل/ ضفاف/ سبأ/ وطن المجاز/ العرش/ الرياح/ السراب/ السحاب/ مآذن/ قطر) وأما الزمان (العبور/ العشية/ تطير/ السفر/ الزمان)، والمقام لا يتّسع للغوص فيها واستقصاء معانيها.

ومدّي إليّ فناجين غيبي  
 سأقــرأ للذات، أنـــت استريحي

أنا آية من كتاب المعاني
 بحجم السماوات جاءت شروحي

فنصفي نبي ونصفي ملاك  
 يغني كــــــنايٍ حزين صدوح

نبوءات حرفي غموض تدلى
يـفسّــــر للكون معني الوضوح

يتشكل هذا المقطع من استعارات وتشبيهات مكوّنة من الألفاظ الدينية (الغيب/ آية/ كتاب المعاني/ نبي/ ملاك) تشير إلى سيمياء الخلود والعلوّ، حيث جعل للغيب فناجيناً تُقرأ ولا تُرتشف في عدولٍ صارخٍ عن المتآلف، ثم يعيد تعريف ذاته بقوله (أنا آية ..) وأن هذه الآية غامضة لذا جاءت شروحها بحجم السماوات في إشارة إلى اتّساع أفق التّأويل والانزياح، ويستمرّ في تعريف ذاته الشّاعرة المكوّنة من شقّين (نبوي وملائكي) إشارة إلى أن مقام الشّعراء أرفع من عوام النّاس وأدنى من الأنبياء والملائكة، وأن الشّاعر كائنٌ مليءٌ بالاستشراف يمْتَاح من جِرَار الغيب أحياناً عبر تنبُّؤاته البديعة، فهذه النُّبوءات وإن كانت غامضة إلا أنها تفكِّكُ أسرار الكون، ويؤكِّد سيمياء النّبوة/الملائكة ويكرّرهما في  أكثر من قصيدة لدرجة أنه لا تخلو قصيدة منهما ليظهر مدى نِــشْدَان الشّاعر اللاّوعي للخلود والتّسامي.

ويقول في قصائد أخرى مشيراً لهذه الثّيمة (نصفي نبيٌّ ونصفي ملاك):

فينسى هُيولى الذّات يحسب نفسه
 ملاكاً مجازياً يبارح صَفَّه

***
مــــــلائكة ســــــــاروا تظــــلّلُ ركبهم
سحـابة حسنٍ ظلها لا يشذَّبُ

إجلال الأدب قراءةٌ في ديوان (مناجاة عند عرافة البوح)

فكرة التماثل بين الشاعر والصوفي

تتنامى الفكرة لدى الشّاعر فيجرّب أساليب متغايرة في البحث عن ذاته وعن الذّوات الأخرى، فيعبّر في هذه القصيدة -التي بلغ الشّاعر فيها شأوا بعيداً في النّسج والأسلوب- عن الأقمار الآخرين أي الشّعراء، مستخدماً ضمير (هم) بدل التّقوقع في الذّات وضمائرها (لي / أنا) فيقول:

أطلّوا كما الأقمار ليلاً وهذبوا
مشاعرهم فانداح في الأفق كوكب
مشوا في بساط الحق قالوا لطينهم  
بـــــــــلا وجل في اليمّ إنا سنذهب
لهم قبس الــــــتقوى ينيـــر سبيلــــــهم
ومن كلّ أنواع التسابيح مركب
فقبل اضطراب الموج تابوتهم ثوى  
بهم في صحاري الغيب والغيب يرعب

يتناص الشاعر مع ذاته كثيراً فيكرر فكرة العلوّ والاستعلاء المستفّشة من الكلمة (أطلوا) فالإطلال لا تكون إلا من منطقة عالية لذا شبههم بالأقمار، وأن مشاعرهم المهذّبة في قالب القصيدة هي الكوكب السّاري في الأفق، والحقّ أن الشاعر جزء من الذّوات الأخرى المخاطبة (فهو/هم).

والـملاحظ أنه عبر شبكة الـمجازات وتفاعلها تدرَّجَ بذاته وبهم من مقام (الأحرف النبوية الـمدلاة) إلى مقام (السّير على بساط الحق)، حيث لم يكتف بذلك بل جعلهم اللاّهثين وراء الحق،التّاركين ذواتهم الطّينية وراءهم، وأن قبس التّقوى ينير سبيلهم وأن التسابيح مركبهم نحو مقام الملكوت عبر صحاري الغيب المرعبة في مزْج بين الذات الصوفية والذات الشاعرة، فكلاهما ربيب الغيب والنبوة والماتح منهما،حتى ثوَوْا في (مقام النور) وسجلوا حضورهم قبل إغلاق باب النبــوءات، ذلك المقام المتعلق بالأنبياء:

ثَوَوْا في مقام النّور قالوا لهدهد
 المسافات إنّا سوف نعلو ونركب

أتوا قبل إغلاق النّبوءات بــــابها
فخــصّ لهم فيــــــها مقامٌ ومنصب

وفي نص آخر يقول:

نعم أنت حقاً نبي توراى  
ليغفر بالشّدو بعض الذنوب

ويقول:

لنا ما للنّبوّة من مقامٍ
مجازيّ  يضاهي كلّ فخر

ويورد أيضاً:

… يقتاتني همّ النبوة
عندما يأتي لي
الناموس بالوحي العجيب
يرجني كالماء في كوب الشرابْ.

ويقول:

وأنا وحيدٌ في مقام النور
أنسج معطفي بالضوء
أتلو آية من سورة الشعراء في وله
فتجتمع الملائكُ
كي تردد آيتي للباحثين عن السبيل.

وقد أشار إلى فكرة التّماثل في قصائد عديدة بتمظهرات متغايرة، منها قصيدته (آخر أغنية لآلهة الأولـمب):

تجلّى كصوفـيّ يفتش نصفــه
يلاحق في أفق المقامات كشفه

يهش شياه الغيب بحثا عن الرضا
ليُدْخل في دعوى القبول ملفه

له من غيوم الحدس شالٌ مقدّس  
إذا حرّكته الريح عاود لفّه

رقيقٌ إذا ما انساب في عزف همه
تقلد نايات السماوات عزفه

ومنها قصيدته (هارب من صومعة التقليد):

تجرّد من ثياب الحسّ كالحلاج
مرتدياً حقيقته يعلق شاله الحدسيّ
يخرج من مدار الوقت إن دار الزمان به،
فيتبع درب ضالته، يتابعها بلا جهة ولا أنحاء.
تقدم ذلك الدرويش منتشياً
تجلى من مقام العشق في وله يخاطبه
وما ذا بعد يا ولدي؟؟

ثم يتماهى بالشّاعر في الذّات الصّوفية فيجعل من غسق اللّيل مِحْبَرَته ونجواه لكي يخطّ بنات أفكاره بكلّ محبة وشغف كالصّوفي الـمناجي ربّه تماماً متخذاً ظلام الليل ستراً بعيدا عن الأضواء فيقول:

فعاد يقطر اللّحظات
يصنع من عصير الليل محبرة
يحطّ بها حروف الوَجْد
في صحف الهوى فرحاً
إذا ناجاه عاشقه
تبخر قلبه الباكي
وذاب العقل في الإغماء.

حتى وصل بهما (الشاعر/الصوفي) إلى مقام الكشف،الذي تنجلي فيها الأمور وتنكشف مراميها، ويلوح الغائب، فيقول:

فما أوجسوا في النّفس خوفاً لأنّهم
رأوا في مرايا الحدْس ما لا يكذّب

ويواصل في صعوده وبحثه عن سيمياء التَّعالي والخُلود حيث يصل أيضاً عبر ثيمة الحبّ في قصيدته (أغنية إلى امرأة من نور) إلى قمّة القمّة فيقول:

وأعلو إلى حيــــث لا شيء يعـــلو
مجازاً أكسر قيـــد السّجون
وصبي لي الحبّ كـأساً دهاقاً
بها أعتلي فوق عـرش الـجـنون

ويقول في نص آخر:

فريدٌ على عرش الخلود ممددٌ
يلوّن بالعزف الطروب مساءه

قراءة في تاريخ المقالة الأدبيّة وآفاقها قراءةٌ في ديوان (مناجاة عند عرافة البوح)

تنــــاصّ

ففي زحام الحشد الدّلالي يورد الشّاعر تناصّات كثيرة مع القرآن الكريم منها:

  •  إشارته إلى أن الشّعراء الذين أطلق عليهم تجاوزاً (الأنبياء) تُرجِّعُ الجبال أسماءهم، وهي إحالة إلى الآية (ياجبـال أوبي معه والطّـــير).
  • وأن جنّيهم الذي يــــوحي إليهم يُحسب من أولي العزم تجاوزاً وعدولاً إشــارة إلى الآية أيضاً (فاصبر كما صبر أولوا العــزم) إذ يقول:

ولم يكشفوا للصرّح باباً تكرماً
بأســـمائهم كلّ الجبال تـــــــؤوِّب
إذا كان وحي الشّعر جنٌّ تسوقه
فجنيهم قلْ من أولي العزم تحسب

ونرى في قصيدة (العودة الثانية ليسوع) أنه يشير إلى قصة مريم الواردة في سورٍ عدة مستشفّاً منها صورة شعرية رائعة فيقول:

فمريم أمي هي الأرض
سمراء عذراء/ حوراء تبكى دماً
دعوها تعطر محرابها بالصلاة
تهزّ جذوع نخيل السماء
فيسقط تمراً بغير امتراء لسكان أرضي
أولئك هم صفوة الطيبين.

ويتناص أيضاً مع امرئ القيس عبر اقتباس من معلقته فيقول في قصيدته (أسقف من كاتدرائية الحداثة):

ولم يبك (من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللّوى) حتى ينال جزاءه.

وأخيراً يمكننا إجمال القول حول تجربة الشّاعر إبراهيم في هذا الدّيوان في أنّه محلّق وعالٍ شاهق في أسلوبه إذا ركب الشعر العمودي، إلا أنه أقلّ وهجاً إذا ركب التَّفعيلة وكان كغيره من الشعراء، وأنّه كثير التّناص مع ذاته وذلك ربما لأنّ الفكرة لديه أكثر أصالة من أن تأتي عابرة وأنّ المعاني عنده وليدة تأمل سابق فهي في تجلي متجدد، وتتكثّفُ الاستدعاءات عنده حتى لا تكاد تخلو منها قصيدة، وهو في الجملة يميل إلى الأسلوب الرُّؤْيَوي، مع درجةِ إيقاع خافتة وذلك لعنايته المكثفة بالمعنى  أكثر من الألفاظ، وقد وفق الشّاعر في توظيف الصّور كثيراً إلا في مواقع يسيرة جداً وذلك أمر كسائر أدوات التّعبير سيحكمه أكثر وسيتخفّف من مشاكله مع تنامي التّجربة الكتابيّة -إن شاء الله-، ومما يجدر الإشارة إليه أن النّزعة إلى التّصوف الفكري هنا أعمق  منها في الدّيوان السّابق، وأنّ نصوص هذا الديوان جلّها مبنيةٌ على المنطق التخييلي.

-أيها القارئ- إن هذا العقد النّفيس هو الدّرج الثاني للشّاعر وستعقبه درجات أخرى كلما سنحت له الذاكرة وامتاح من تجارب الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى