
يثير الصديق الدكتور أحمد محمد الدغشي في كتابه «المجددون في اليمن.. مجتهدون في المذهب أم متحولون عنه؟» سؤالًا يتجاوز تسمية عدد من العلماء إلى معيار كتابة تاريخ الأفكار نفسه: أَنَنْسب العالم إلى البيئة التي تعلّم فيها، أم إلى الأصول التي اختارها وأقام عليها مشروعه؟ وقد أحسن حين جعل مدار النظر على الأصول الفكرية، ومصادر التلقي ومنهج الاستدلال، ونظرية الإمامة؛ فهذه هي المواضع التي يُختبر فيها الانتماء، لا مجرد أسماء الشيوخ والمتون وبلدان النشأة.[1]
وأرى أن اتجاه الكتاب صائب في رفض إبقاء هذه المدرسة التجديدية، في الجملة، داخل الزيدية لمجرد اتصال أصحابها ببيئتها العلمية. وليست هذه القراءة اعتراضًا على ذلك الاتجاه، بل بناء عليه: نؤكد أولًا أن الصلة بالتراث ليست هي الانتماء إلى منظومته العقدية، ثم نسأل عن الطريق الذي تشكّل به الاستقلال: أكان تحولًا عن التزام مذهبي سابق، أم كان تَكَوُّنًا علميًا لم يثبت أنه استقر ابتداءً على الأصول الزيدية المميزة؟ والاختلاف في جواب السؤال الثاني لا يعيد هؤلاء بالضرورة إلى المذهب في جواب السؤال الأول.
وتزداد أهمية هذا التمييز لأن الدغشي لا يقصد بالاستقلال الانتقال إلى تقليد مذهب سني بعينه، ولا محو كل صلة بالتراث الأول؛ وإنما يتحدث عن التحرر من الالتزام بمنظومته في الجملة. ومن هنا ينبغي أن يُقرأ كتابه: باعتباره بحثًا في المرجعية العقدية والعلمية، لا مطالبةً بشهادة براءة من كل رأي وافق فيه أحد هؤلاء عالمًا زيديًا.[2]
أولًا: الزيدية في هذا البحث هوية عقدية، لا مجرد مذهب فقهي
حين نقول إن الزيدية ليست مجرد مذهب فقهي، فلا ننفي أن لها مدونة فقهية ومدارس في الفروع؛ وإنما نحدد المعيار الذي تتميز به هويتها. فدرس «الأزهار» أو شرح متن زيدي أو موافقة اختيار فقهي لا يجيب عن السؤال الأهم: ما موقف صاحبه من أصول الاعتقاد التي عرّف بها المذهب نفسه، ومن الإمامة ومصدر مشروعيتها وحدودها؟
وهنا تتجلى قيمة رجوع الدغشي إلى تعريف المذهب من داخله. فهو يورد تعريفًا يجمع مسائل الاعتقاد والوعد والوعيد، وحصر الإمامة في الفرقة الفاطمية، والنص على الأئمة الثلاثة، والدعوة فيمن عداهم، ويجعل هذه المعتقدات مناط اللقب «دون المسائل الاجتهادية». ثم ينقل: «فمن كان جامعًا لهذه الأصول فهو زيدي، ومن خرج عن هذه الأصول فليس بزيدي». فالتفريق بين الهوية العقدية والاختيارات الاجتهادية ليس إجراءً نفرضه على المذهب من خارجه؛ بل هو حاضر في التعريف الذي احتج به الكتاب نفسه.[3]
وهذا يتصل بما انتهيت إليه في دراستي للفكر الزيدي المبكر: أن نظرية الإمامة ليست فصلًا إداريًا ملحقًا بالفقه، بل تدخل في بناء الاعتقاد وفي تصور العلاقة بين الإمام والأمة. كما أن البحث في النسبة إلى زيد بن علي (ت ١٢٢هـ) لا يستقيم على مثال نسبة مذهب فقهي إلى فقيه مؤسس؛ فقد ميّزت بين دلالة هذه النسبة السياسية المذهبية وبين مقدار حضور آرائه في التأسيس الفقهي والعقدي اللاحق.[4]
إذن، لا نبحث عن عالم لم يتأثر بشيء من محيطه، بل عن حقيقة الموقف الذي تبناه. وليس كل ما في كتب الزيدية أصلًا تتحقق به زيدية القائل، كما أن الخلاف مع بعض فقهائها لا يكفي وحده لنفي الانتماء. العبرة بالأصول المميزة، لا بعدّ مواضع الموافقة والمخالفة عدًّا حسابيًا. وقد تكون مخالفة واحدة في أصل محدِّد للهوية أبلغ دلالة من موافقات كثيرة في الفروع.
وعلى هذا، فإن إعادة المجددين إلى الزيدية عن طريق آرائهم الفقهية، بعد ثبوت مفارقتهم أصولًا عقدية مميزة، نقلٌ للنزاع من موضعه الحاسم إلى موضع لا يحسمه. وهذه من أقوى النتائج التي يتيحها المنهج الذي اختاره الدغشي.
ثانيًا: الموافقة في مسألة لا تعني الانتماء إلى منظومة
من أكثر ما يلتبس في هذا الباب الاستدلال بقول بعض المجددين بحجية إجماع أهل البيت، أو بتقديرهم للعترة، على بقائهم زيدية. والصواب أن يُعطى كل شاهد حجمه: فتقدير أهل البيت ليس تبنيًا تلقائيًا لنظرية الإمامة الزيدية، والقول بحجية إجماعهم مسألة أصولية ذات وزن، لكنه ليس وحده تعريف الزيدية، ولا يستلزم سائر أصولها العقدية.
وفي «الروض الباسم» يقرر ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ) أن حجية إجماع أهل البيت موضع خلاف بينهم، ثم يصرح بأن منهم من لا يقول بذلك، ويعني الزيدية منهم. فإذا كانت المسألة نفسها محل اختلاف داخل الزيدية بحسب هذا التقرير، لم يصح تحويلها إلى علامة منفردة يُعرف بها كل زيدي ويخرج بها كل غير زيدي.[5]
وفي «العواصم والقواصم» تصريح لابن الوزير (ت ٨٤٠هـ) بالتمسك بإجماع العترة إذا صح. وهذا نص لا نحتاج إلى إنكاره أو وصفه بالمجاملة لنثبت استقلال مشروعه؛ بل نقبله في دلالته، ثم نبحث عن علاقته بسائر اعتقاده. وكذلك فإن تقرير الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) لأدلة إجماع الآل ومناقشته لها، ونقله عن المقبلي (ت ١١٠٨هـ) تقوية تلك الأدلة، مواد جديرة بالدراسة، لكنها لا تتحول بمجرد وجودها إلى برهان على تبني المنظومة الزيدية كلها.[6]
بل لا ينبغي أن نسمي هذه الموافقات «بقايا» ابتداءً؛ لأن هذا الوصف يفترض تاريخًا سابقًا للتبني والترك قد لا يكون قد ثبت. قد تكون المسألة اختيارًا انتهى إليه صاحبها بالنظر، أو أثرًا من تكوينه، أو محل مراجعة لاحقة. والذي يعنينا هنا أن موافقته في هذه المسألة لا تختصر هويته العقدية، ولا تُسقط دلالة مخالفته في مسائل أشد اتصالًا بحدود المذهب.
وبهذا يسقط افتراض غير لازم، مؤداه أن إخراج العالم من الزيدية يتطلب إنكار كل صلة فكرية بينه وبينها. فاستقلال العالم لا يقتضي انعدام التأثر، وعدم انتمائه إلى مذهب لا يقتضي أن يخالفه في كل شيء. إنما يعني أن تلك الصلات لا تكفي لإدراجه في منظومته العقدية أو المنهجية.

ثالثًا: حيث تظهر المفارقة في الأصول نفسها
أقوى ما يعزز نتيجة الدغشي أن ننقل النظر من العلامات المحتملة إلى مواضع الاختلاف العقدي الواضح. ولا يلزم لهذا أن نجمع كل مسائل الاعتقاد في مقال واحد؛ بل نعرض شواهد تكشف طبيعة المسافة بين المشروع التجديدي والبنية المذهبية التي يراد إدراجه فيها.
فعند ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ)، لا تنحصر قيمة الانفتاح على علوم الحديث في تصحيح رواية تتعلق بهيئة من هيئات الصلاة. إنه يناقش في «إيثار الحق على الخلق» قول من نفى الشفاعة عن المذنبين من الموحدين وأوجب خلودهم في النار، وينقد ما أُقيم عليه من دعاوى عقلية ونقلية. ثم يصرح، في بيان منزلة علم الحديث، بأن فائدته العظمى ليست معرفة أحاديث الأحكام في فروع الحلال والحرام وحدها؛ وإنما يتصل أثره بمعرفة الاعتقاد وأحوال السلف. فالمنازعة هنا تمس المرجعية التي يتكون منها الاعتقاد، لا مجرد قائمة المصادر التي يستشهد بها الفقيه.[7]
وهذه القراءة توضح أيضًا أن استقلاله ليس خصومةً مع النظر العقلي؛ فهو يعرض إمكان الجمع بين التمكن في العلوم العقلية والسمعية. إنما يرفض أن تُجعل دعاوى مدرسة بعينها هي العقل نفسه، ثم يُرَدّ بها ما يراه ثابتًا من الوحي. وتلك إضافة إلى حجة الكتاب: المسألة ليست انتقالًا من التفكير إلى التسليم، بل إعادة نظر في سلطة التأويل المذهبي وحدود إلزامه.[8]
وعند الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) شاهد بالغ الوضوح في الباب نفسه. فهو يقول في شرح حديث الشفاعة: «ولفظه شامل لمن مات مصرًّا على الكبائر مستوجبًا للنار»، ثم يقرر سعة أدلة الشفاعة لهذه الأنواع. وفي مقابل ذلك، فإن تخليد أهل الكبائر في النار من المقولات التي تتبعتها في التراث الزيدي المبكر، وأثبتُّ اتفاق الشخصيات المدروسة عليها في نطاق الدراسة. فليست المسافة هنا خلافًا في فرع فقهي؛ وإنما اختلاف في مضمون من مضامين الوعد والوعيد، الذي يمثل أحد الأصول عند الزيدية -تبعا للمعتزلة في ذلك.[9]
ومن ثم لا يجوز أن يطغى البحث في إجماع العترة على هذا الشاهد العقدي. فقبول حجة في باب من أبواب الأصول لا يمحو خلافًا في مضمون اعتقادي مميز. وليس المطلوب افتعال تراجع للصنعاني (ت ١١٨٢هـ) عن كل عبارة وافقت الزيدية، بل قراءة عباراته جميعًا وفق المعيار الذي وضعناه للانتماء.
أما الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، فمناقشته لشروط الإمامة تقدم نموذجًا مباشرًا. فعند شرط «علوي فاطمي» يقرر أن فضل هذا النسب لا ينفي صحة الإمامة في سائر بطون قريش؛ وعند عبارة «وطريقها الدعوة» يجعل المعتبر عقد البيعة، ويعرض طرقًا لا تتوقف على دعوة المرشح إلى نفسه. فهو لا يرجح هنا قولًا في باب الطهارة أو المعاملات، بل يعيد النظر في أصل من أصول تعريف المذهب.[10]
وبقاء شرط القرشية عنده لا يعيده إلى الحصر في البطنين. فالمعيار هو موقفه من الأصل الزيدي المحدد، لا مدى مطابقته لرأي آخر.[11]
وتتكامل هذه الشواهد مع احتجاج ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ) على إلزام المجتهد بمرجعية حديثية مخصوصة، وسؤاله عن كفايتها في معرفة العلل وطرق الرواية ومراتب الرواة. فحين يتصل استقلال أدوات الاستدلال باستقلال نتائج الاعتقاد، تصبح دعوى الدغشي أمتن من مجرد وصف أصحابها بأنهم توسعوا في الاطلاع على كتب الآخرين.[12]
رابعًا: تفاوت الصلة لا يقتضي وحدة التصنيف
لا يتطلب تقوية النتيجة الجامعة تسوية الأعلام في كل مسألة. فالمقبلي (ت ١١٠٨هـ)، مثلًا، يصفه الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ) بأنه انتقد مذاهب كلامية وفقهية متعددة، وأنه «قد قيّد نفسه بالدليل لا بالقال والقيل». وهذه شهادة على اتجاه مشروعه كما قرأه مترجمه، لا نصٌّ يحدد وحده تاريخ كل معتقداته. لكنها تبين لماذا لا يصح أن تُختزل صورته في مسألة وافق فيها الزيدية، مع إغفال نقده الواسع للمدارس المختلفة.[13]
ويظل الجلال (ت ١٠٨٤هـ) أكثر الشخصيات المجددة حاجة إلى التفصيل؛ فقد أثبت له الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ) استقلالًا واسعًا في اجتهاداته، وناقش الدغشي خصوصية صلته بالمذهب، ولا سيما في الإمامة. وليس من خدمة المعايير العقدية التي نعتمدها أن نقلل وزن هذا الباب عنده؛ فإذا ثبت فيه استمرار أصل مميز، وجب أن يؤخذ في تقويم حالته الفردية.[14]
لكن تحفظًا في تصنيف الجلال (ت ١٠٨٤هـ) لا يثبت زيدية غيره، كما أن إدراجه في مدرسة التجديد لا يعني تماثله مع جميع أعلامها في الاعتقاد. فالمدرسة التجديدية عنوان لمسار علمي مشترك، وليس بالضرورة مذهبًا عقديًا جديدًا يجمع أصحابه على كل أصل. وهذا التفصيل يحفظ قوة اتجاه الكتاب، ويمنع استخدام الحالة الأقرب إلى الزيدية ذريعةً لرد الجميع إليها.
كذلك لا يتوقف استقلال هذه المشاريع على إنكار فضل من علّم أصحابها، أو إنكار وجود علماء في بيئتهم قبلوا اجتهادهم ودافعوا عنه. فالدغشي نفسه يورد دفاع علماء حوث عن الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢هـ) وحقه في الاجتهاد. وليس بين الاعتراف بهذه البيئة العلمية وبين نفي التزام المتخرج فيها بعقيدتها تناقض؛ فحق التعليم شيء، ونتيجة الاختيار العقدي شيء آخر.[15]

خامسًا: هل كان استقلالهم تحولًا عن الزيدية أصلًا؟
بعد ضبط المعيار، يمكن طرح السؤال الذي أرى أنه يُكمل الصورة: حين لا يصح تصنيف النتاج الناضج لعالم داخل الزيدية العقدية، فهل يلزم أن نصفه بأنه تحول عنها؟ أم قد يكون قد نشأ في بيئتها وتعلم علومها، من غير أن يثبت أنه تبنى منظومتها العقدية ابتداءً؟
التحول بالمعنى التاريخي يفترض موقفًا سابقًا وقع الانتقال عنه. أما مجرد الانتساب الاجتماعي أو دراسة الكتب أو مرحلة التقليد الفقهي، فلا يكفي لإثبات ذلك الموقف العقدي. ونحن لا نطالب حتمًا بكتاب مبكر مستقل؛ فقد تثبته رسالة أو فتوى أو شهادة ذاتية واضحة. لكن لا يصح أن نستبدل بدليل التبني وصفَ البيئة، ثم نجعل هذا الاستبدال أساسًا لسردية التحول.
ولهذا أميل إلى عدم افتراض طور زيدي عقدي عند من لم تثبت له نصوص أو شهادات تدل عليه، وإلى إبقاء احتمال نشوء استقلاله أثناء تكوينه العلمي، لا بعد اكتمال انتماء عقدي سابق. وهذا ميل إلى تفسير ما بين أيدينا بأقل قدر من الافتراض، لا جزم بأن كل واحد من الخمسة لم يعتقد قط شيئًا من أصول الزيدية. فالفرق باقٍ بين أن نقول: لم يثبت تبنيه المنظومة، وأن نقول: ثبت أنه لم يتبنها في أي وقت.
وتفيد شهادة الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ) عن نفسه هذا الضبط؛ إذ يقول إنه «ترك التقليد واجتهد رأيه اجتهادًا مطلقًا غير مقيد وهو قبل الثلاثين». فلا نهدر الشهادة، ولا نحمّلها أكثر مما تقول: إنها تثبت انتقالًا من التقليد إلى الاجتهاد المطلق، ولكنها لا تفصّل لنا بمفردها معتقده السابق في كل أصل زيدي.[16]
وهذا يعزز النتيجة التي انتهى إليها الدكتور الدغشي، وهي أن هؤلاء المجددين لا يصح تصنيفهم ضمن الزيدية لمجرد نشأتهم في بيئتها ودراستهم لكتبها. غير أنني أميل إلى أن بعضهم لم يكن زيديًا في معتقده أصلًا، حتى نقول إنه تحول عن الزيدية. فثمة فرق بين من اعتنق أصول المذهب ثم تركها، ومن نشأ في بيئته العلمية دون أن يتبنى أصوله العقدية. وفي الحالتين لا يصح وصف العالم بالزيدي ما دامت معتقداته لا توافق الأصول المميزة للمذهب. ومن هنا فإن اختلافنا مع الدكتور الدغشي، إن وجد، ليس في تصنيف هؤلاء المجددين، وإنما في تفسير مسارهم الفكري: هل تحولوا عن الزيدية، أم أنهم لم يكونوا زيدية في معتقدهم منذ البداية؟
سادسًا: بين زيد التاريخي و«الزيدية غير الهادوية»
ثمة موضع أرى فيه حاجة إلى استكمال التأصيل، هو التمييز بين زيدية هادوية وزيدية غير هادوية. فالدغشي يفرق في تعريفاته بين مذهب زيد بن علي (ت ١٢٢هـ) والمذهب الذي ارتبط بالهادي يحيى بن الحسين (ت ٢٩٨هـ)، ويجعل بينهما فروقًا واسعة. وأوافق على ضرورة عدم تحميل الشخصية التاريخية كل ما تقرر باسمها لاحقًا، لكن هذه الضرورة لا تكفي وحدها لإثبات مذهب آخر متصل، يصح أن نُدرج فيه المجددين باسم «الزيدية غير الهادوية».[17]
وقد بينت في «الفكر الزيدي المبكر: النشوء والتطور» منزلة القاسم الرسي (ت ٢٤٦هـ)، ثم الهادي (ت ٢٩٨هـ)، في بناء الخط المؤسس لأفكار الزيدية التي تناولتها الدراسة. كما ميّزت بين زيدية اليمن وزيدية الديلم، وبين دلالة الاسم وتاريخ استعماله. فالصورة أعقد من افتراض فقه أصلي مكتمل لزيد بن علي (ت ١٢٢هـ)، ثم عدّ ما جاء بعده مجرد تعديل عليه، كما أنها لا تقتضي محو الاختلافات داخل التراث الزيدي نفسه.[18]
ولا أقصد بهذا إنكار الفرق المبكرة؛ فقد عرضت الجارودية والبترية والسليمانية، وبينت وجوه اختلافها، بل نبهت إلى أن بعض مواقف الأئمة اللاحقين تجمع عناصر من اتجاهات مختلفة. لكن تسجيل هذه الفرق في التاريخ شيء، وإثبات استمرار مدرسة عقدية محددة منها إلى عصور المجددين، بحيث يمثلونها، شيء آخر.[19]
وفي كتابي «من الزيدية إلى الحوثية» ناقشت بقاء الجارودية دون غيرها من الفرق في التراث الذي استمر. ولهذا البحث شاهد يمني مبكر عند نشوان الحميري (ت ٥٧٣هـ)، إذ يقول: «وباليمن من الشيعة فرقتان: الجارودية من الزيدية، والمباركية من الإسماعيلية»، ثم يذكر الهادي (ت ٢٩٨هـ) بوصفه أول من دعا باليمن إلى مذهب الزيدية ونشر مذهب أئمتها. وهذه شهادة على التمثيل التاريخي في اليمن، لا مسوغ لنفي كل تنوع زيدي في جميع البلدان والأزمان.[20]
وعليه، فالسؤال عن «الزيدية غير الهادوية» في هذا المقام سؤال علمي محدد: من أئمتها؟ وما مدونتها العقدية؟ وأين استمر حضورها؟ وبأي أصول ينتسب إليها هؤلاء المجددون؟ أما أن نبدأ بعالم لا يقول بالأصول الزيدية المميزة، ثم نبقيه زيديًا بإلحاقه بزيدية مفترضة لا نحدد مضمونها، فذلك يحفظ الاسم بعد أن رفعنا المعيار الذي كان يفسره.
وليست محبة زيد بن علي (ت ١٢٢هـ)، ولا تعظيم مكانته، ولا موافقته في رأي، جوابًا عن هذه الأسئلة. فتاريخ الرجل ليس مطابقًا بالضرورة لتاريخ كل من انتسب إليه، وإثبات الفرق بينهما لا يجعل كل من خالف المذهب اللاحق تابعًا لمذهب أقدم مستقل. وهذه الإضافة لا تعارض نتيجة الدغشي في شأن المجددين؛ بل تمنع إعادة إدخالهم في التصنيف نفسه من باب تغيير صفته.
خاتمة: إنصاف التكوين لا يعني توريث الانتماء
أهم ما يقدمه كتاب الدغشي أن التصنيف المذهبي لا يُورَّث بالنشأة، ولا يثبت بالنسب أو بأسماء الكتب التي قرأها العالم. وإنما يُختبر في أصول اعتقاده ومنهج احتجاجه وموقفه من نظرية الإمامة. وعلى هذا الأساس أؤيد اتجاهه في أن مدرسة المجددين لا يصح استبقاؤها، في الجملة، داخل الزيدية العقدية، مع إبقاء ما يلزم من تفصيل في الحالات الفردية.
والإضافة التي أدعو إليها هي أن نطبق هذا المعيار في الجهتين: فلا نعيد العالم إلى الزيدية بموافقة جزئية، ولا نفترض له انتماءً عقديًا سابقًا لمجرد حاجتنا إلى وصفه بالمتحول. فمن ثبت التزامه ثم مفارقته وُصف بالتحول، ومن لم يثبت له ذلك الطور لم نجعل النشأة دليلًا يغني عن البحث فيه. وفي الحالين يبقى الحكم على مشروعه قائمًا على ما تدل عليه نصوصه، لا على الحكاية التي نختارها لنشأته.
بهذا المعنى، ليست الصلات الباقية اعتراضًا على الاستقلال، وليست التفاصيل الصغيرة هي التي تقرر الهوية الكبرى. إنصاف التكوين العلمي واجب، وحفظ الفروق بين الأعلام واجب، لكن أيًّا منهما لا يبيح أن ننسب إلى عالم منظومة عقدية لا تقوم عليها اختياراته. وهذا هو الأفق الذي يفتحه كتاب الصديق الدغشي، ويستحق أن تتجه المناقشة إلى تعزيزه وتأصيله.
[1] أحمد محمد الدغشي، «المجددون في اليمن.. مجتهدون في المذهب أم متحولون عنه؟»، ص ٤٥–٤٨، ١٠٢–١٠٣.
[2] الدغشي، «المجددون في اليمن»، ص ٩٩–١٠١.
[3] الدغشي، «المجددون في اليمن»، ص ٤٦، ناقلًا عن «الرسالة الوازعة».
[4] عبد المجيد الغيلي، «الفكر الزيدي المبكر: النشوء والتطور»، ص ١٥–١٨، ٩٩–١٠٣؛ وله، «من الزيدية إلى الحوثية»، ص ٤٣–٤٥.
[5] ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ)، «الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم»، ج ١، ص ١٧٤–١٧٥.
[6] ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ)، «العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم»، ج ٨، ص ٢٦٧–٢٦٩؛ الصنعاني (ت ١١٨٢هـ)، «أصول الفقه إجابة السائل شرح بغية الآمل»، ص ١٥٤–١٥٩، وفي ص ١٥٥–١٥٦ نقله عن المقبلي (ت ١١٠٨هـ).
[7] ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ)، «إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات»، ص ١٢١–١٢٢. وعبارته: «وليس الفائدة العظمى فيه معرفة أحاديث الأحكام في فروع الحلال والحرام».
[8] ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ)، «إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات»، ص ١٢١–١٢٢.
[9] الصنعاني (ت ١١٨٢هـ)، «التنوير شرح الجامع الصغير»، ج ١، ص ٢٨٩؛ عبد المجيد الغيلي، «الفكر الزيدي المبكر: النشوء والتطور»، ص ٢٨–٢٩.
[10] الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار»، ص ٩٣٧، ٩٤٠.
[11] الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار»، ص ٩٣٧.
[12] ابن الوزير (ت ٨٤٠هـ)، «الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم»، ج ١، ص ١٧٥–١٧٨؛ وانظر معالجة الدغشي في «المجددون في اليمن»، ص ٤٩–٥١.
[13] الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع»، ج ١، ص ٢٨٨–٢٨٩، في ترجمة المقبلي (ت ١١٠٨هـ).
[14] الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع»، ج ١، ص ١٩٢–١٩٣؛ الدغشي، «المجددون في اليمن»، ص ٩٥–٩٨، وخصوصًا ص ٩٧.
[15] الدغشي، «المجددون في اليمن»، ص ٨٠–٨١.
[16] الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، «البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع»، ج ٢، ص ٢٢٤؛ ولتكوينه ومقروءاته، ج ٢، ص ٢١٥–٢١٨.
[17] الدغشي، «المجددون في اليمن»، ص ١٣–١٤.
[18] عبد المجيد الغيلي، «الفكر الزيدي المبكر: النشوء والتطور»، ص ٧–٨، ١٥–١٨، ٩٩–١٠٣.
[19] عبد المجيد الغيلي، «الفكر الزيدي المبكر: النشوء والتطور»، ص ٦١–٦٥، وخصوصًا ص ٦٤ في تداخل بعض المواقف لدى الأئمة اللاحقين.
[20] عبد المجيد الغيلي، «من الزيدية إلى الحوثية»، ص ٢٥–٢٦؛ وله، «الفكر الزيدي المبكر: النشوء والتطور»، ص ٦٥؛ نشوان الحميري (ت ٥٧٣هـ)، «الحور العين»، ص ١٩٦.
