
في محاضرةٍ للدكتور نايف بن نهار عن «أقْوَمِيّة القُرآن»، طرحَ مثالًا على منهج النَّظر إلى المفاهيم مِن مَنظور قرآنيّ يُحقِّق وصفَ اللهِ تعالَى لِكتابهِ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]؛ فقال: «مثال ذلك: المقولة الحداثية الشائعة الّتي رسّخها الفيلسوف فرانسيس بيكون: (المعرفة قوة)؛ إذ ينظر إليها الغرب كأداة للسيطرة والتمكين. بينما يراها العقل القرآني من زاوية مختلفة كليًا: (المعرفة مسؤولية)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. فهذا التقويم أعدل في ضبط المسار الأخلاقيّ للمعرفة».
عندما وقفتُ عند هذا الطرح وجدتُه يستدعي تفكيكًا معرفيًا وتاريخيًا ينهض على ثلاثة أسئلة محورية:
- هل كان الفيلسوف الإنگليزي “فرانسيس بيكون” هو المنشئ المبتكر لمفهوم «المعرفة قوة»، أم أن هذا التصور مستقر في عمق التراث الإنساني وحضاراته الكبرى؟
- كيف عبّر التراث العربي الإسلامي -قرآنًا وسنةً وفقهًا وأدبًا- عن مفهوم «سلطان العِلم» و«سِلاح المعرفة»؟
- هل يقتضي تقرير «المسؤولية الأخلاقية» في القرآن نفيَ صفة «القوة والسلطان» عن العلم، أم أنّ الأقْومِيّة القرآنية تكمن في الجمع التركيبي بين القوة والمسؤولية؟
أولًا: في التراث الإنساني:
عند النظر في تراث الحضارات القديمة ندرك أنّ مقولة «المعرفة قوة» ليست ابتكارًا منبتَّ الجذور جاءت به الحداثة الغربية؛ بل تضافرت نصوص الحضارات القديمة على تقرير أن تدبير العقل وسلطان الحكمة يعلوان على البطش الحسي والشدة المادية.
ففي التراث اليوناني: اشترط حكماء اليونان المعرفة كركيزة أولى لبقاء السلطان ومهابة الحكم:
* نُقل عن سقراط قوله: «علامة السلطان الذي يدوم ملكه أن يكون الدين والعقل منه حيين في قلبه… وأن يكون طالبًا للعلم ليعلم مَن العلماء»، عادًّا الجهل الموردَ السريع لهلاك الدول.
* سُئل أرسطو عمن يستحق الرياسة والمُلك؟ فجعل العلم والعدل وتزايد العقل في مقدمة الخصال التي تورث المهابة والتمكين، مشبهًا نظر الملك بنظر العُقاب في استشراف العواقب بالبصيرة والعلم.
* سأل الإسكندر حكيمًا: «مَن يَصلح للمُلك؟ فقال: إمّا ملك حكيم، أو ملك يلتمس الحكمة»، مؤكدًا أنّ الفلسفة والمعرفة هما الأداة الفضلى لحفظ أركان الدول.
وفي التراث الفارسي: قررت الآداب السياسية الفارسية أن الحيلة المبنية على العلم تفوق البطش العسكري:
* ورد في كتب حكماء الفرس: «الحيلةُ أنفع من أقوى الشدة، وأقل التأني أحدُّ من أكثر العجلة».
* سأل ملك الروم كسرى أنوشروان: «بماذا يكون دوام الملك؟» فأجابه: «بأني لا أعمل شيئًا بجهالة».
* وضع الملك أردشير قواعد قيادة الجيوش وسد الثغور، فاشترط في القائد: «علمًا يحجزه عن التهور، وحزمًا يتيقن به حقائق المصادر»، وأكد وزيره بزرجمهر أنّ نُور الفكر والعِلم هو العاصم من الشدائد والمدبّر لأعظم الخطوب.
وفي التراث الهندي: عُرفت بلاد الهند بأنها «معدن الحكمة وينبوع السياسة»، حتى لُقّب ملوكها بـ«ملوك الحكمة».
وقد بُني كتاب كليلة ودمنة للفيلسوف الهندي بيدبا على أصل مركزي: أنّ الضعيف ذا العقل والعلم بالتدبير يغلِب القويّ العاتي ذا البطش والجهل؛ فالعِلم هو الحصن الذي يدرِك به المرء نجاته ويدفع به المهالك دون حاجة لإفناء الجيوش.
ثانيًا: في التراث الإسلامي:
تجاوز التراث الإسلامي مجرد الإشارة إلى نفع العلم، ليرتقي به إلى مستوى «السلطان الحاكم»، و«السلاح القاطع»، و«الجهاد الأكبر».
ففي القرآن الكريم: استعمل القرآن لفظ «السلطان» مرارًا للدلالة على قوة العلم وسطوع البرهان، وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: «كلّ سلطان في القرآن فهو حجة»، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 68]؛ أي ما لديكم من حجة علمية تقهر الشكّ. وقال تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: 15].
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر: 35]. وتفسيره بالعلم مأخوذ من القرآن نفسه، فقد جاء التعبير عن هذا المعنى بلفظ العلم صراحةً في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: 8].
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: 156-157]، فهذا المعنى يتكامل مع قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].
وقد تجلت عزّة العِلم والمَعرفة في قصة الهدهد مع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام، حين واجه بطشَه بقوّة المعرفة قائلًا: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: 22]، فكان العلم سبب مهابته ونجاته.
وفي السُّنَّة النبَويّة: وردَت أحاديث كثيرة في فضل العلم والعلماء، وأنها ترفع أصحابها وتقدّمهم في الدنيا قبل الآخرة، وفي هذا دلالة على ما لصاحب العلم من قوة وسلطان. ولكن مِن أدلّ ما يُستشهَد به في هذا الصدد قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكُم بَعدِي، كلُّ منافقٍ عليمُ اللِّسانِ»، ففي هذا دلالة على قوّتهم بسبب ما أوتوا من عِلم، ولولا سلطان علمهم لَمَا كانوا أخوف ما خافه رسول الله ﷺ على أمَّته، ولكنّهم يَستعملون عِلمَهم للفتنة والبغي والفساد في الأرض.
ويؤكّد هذا المعنى الحديث الآخَر الصحيح: «إنَّما أخافُ علَى أمَّتي الأئمَّةَ المضلِّينَ»، فإضلالُهم نابع عن استعمالهم العلم بغير هدى ولا صلاح، فيفسدون العباد ويخربون البلاد.
وفي آثار السلف وأقوال العلماء: ما جاء في وصية معاذ بن جبل رضي الله عنه المأثورة، قال: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ… لِأَنَّهُ… الدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، يَرْفَعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَقْوَامًا وَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً، تُقْتَبَسُ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ، وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ».
وأوصى علي بن أبي طالب رضي الله عنه كميلَ بنَ زياد فقال: «العلمُ خيرٌ من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال… والعلم حاكمٌ والمال محكومٌ عليه».
وقال التابعي الجليل أبو الأسود الدؤلي: «ليسَ شيءٌ أعزَّ من العِلم؛ المُلوكُ حُكّامٌ على النَّاس، والعُلماءُ حُكّامٌ على المُلوك».
وقال ابن المقفع: «تعلموا العلم، فإن كنتم ملوكًا فقتم، وإن كنتم أوساطًا سدتم، وإن كنتم سوقةً عشتم».
وخطب الإمام الفاتح أسد بن الفرات في جيش فتح صقلية قائلًا: «والله ما وُلِّيَ لي أبٌ ولا جدٌّ ولايةً قطّ، وما رأيتُ ما تَرون إلا بالأقلام، فأجْهِدوا أنفسَكم في طلَب العِلم… تنالوا به خيري الدنيا والآخرة».
ويفصّل ابن القيم تفوُّق سلطان العلم على سلطان اليد والجاه؛ لأن سلطان القوة المجردة يقهر الأبدان كبطش السباع، بينما سلطان العلم يأسر القلوب طوعًا، قال رحمه الله في كتابه «مفتاح دار السعادة»: «سلطان العلم أعظم من سلطان اليد؛ ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجة تنقاد لها القلوب، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده، وسلطان الجاه إذا لم يكن معه علم يساس به فهو قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة».
ومن ذلك ما قرّره شيخُه ابنُ تيمية رحمه الله عندما أوردَ قول الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]، فبيَّن أنّ جهاد القرآن بالعِلم والبيان نزَل بمكّة قبل فرض القتال بالسيف، فكان هو الأصل في ظهور الإسلام وقوَّته، امتثالًا لقوله ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم».

ثالثًا: التحرير والموازنة:
إذا كان التراث الإنساني والإسلامي قد قرر بجلاء أن «المعرفة قوة وسلاح»، فما وجه الجدّة في أطروحة فرانسيس بيكون؟
لم يكن إسهام بيكون في «اكتشاف» قوة المعرفة، وإنما في تغيير اتجاه هذه القوة وغايتها؛ إذْ نقَل العلم من كونه وسيلة لتهذيب النفس والتزوّد بالحكمة وإقامة العدل وتحصيل المنافع بما لا يضر الآخَرين، إلى كونه أداة وضْعِيّة نَفعِيّة لإخْضاع الطبيعة وتسخير المادّة؛ فصارت القوة غايةً نفعية مجرّدة من الغائية التعبدية، ومن المسؤوليّة الأخلاقية.
بينما النظر الدقيق في القرآن الكريم يكشف أنه لم ينفِ عن المعرفة وصف القوة والسلطان والتمكين، بل رسّخها بوصفها «سلطانًا» و«جهادًا كبيرًا»، ولكنه تفوّق على الفلسفة الحداثيّة بأنّه لم يترك هذه القوة سائبةً دون قيدٍ أخلاقيّ؛ فطوّقها بـ«المسؤولية والأمانة».
فالمعرفة في مادتها وأثرها: قوة وسلطان وسلاح، يدفع الباطل ويسوس الدنيا بالعدل.
والمعرفة في غايتها وحسابها: أمانة ومسؤولية أمام الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
لذلك فإنّ المقابلة الحدِّيَّة بين مقولة «المعرفة قوة» ومقولة «المعرفة مسؤولية» مقابلة غير لازمة عند استقراء التراث الإسلامي؛ فالإسلام لا يجرّد المعرفة مِن قوّتها وسَطوتها، بل يمنحها أعلى درجات السلطان والتمكين، ولكنه يتميّز عن الرؤية المادية بوضع ميزان أخلاقيّ صارم يحكم مسار هذه القوة.
وأرى أنّ الدكتور نايف بن نهار قد أراد بطرحه هذا أنْ تتكاملَ المعانيُ لتحقيق الأقومية القرآنية المناهِضة للمبادئ الحداثية الغربية، فتكونَ «المعرفةُ» في الإسلام قوةً وسلاحًا في يد الحق، يحرسها سلطانُ العدل، وتضبطها خشيةُ المسؤولية والمساءلة أمام الله تعالى.
وما جاء هذا المقال إلا لتأييد طرحه وإيضاح ما يمكن أن يشكل على المتلقِّي في عبارته المختصَرة.