أشتات

الحوثي ومعارك السرديات في سبتمبر

لفترة طويلة قرأت حول منهجيات النظر والتفكير في سبيل محاولة فهم الواقع بأكبر قدر من الاقتراب والموضوعية، وبعد قراءة معمقة أدركت أن كثيرًا من خيبات وأفول المشاريع، حتى الجاد منها، كان بسبب خوض معارك جانبية بدلًا من المعارك الحقيقية التي تستحق أن يفني المرء عمره لأجلها.

ورغم إدراكي لطبيعة الطبقات المعقدة التي تغلف كل شيء حولنا، بدءًا بأنواع الأطباق الشعبية، تلك التي تتكدس فيها ثقافات الشعوب وأوجاعها وخبراتها، مرورًا بأشكال الملابس وطراز العمران وغيرها من الأدوات والأفكار والألفاظ التي تحورت وتشكلت عبر مراحل تاريخية مختلفة ضمن عمليات اجتماعية وثقافية واقتصادية متعددة، رغم هذا الفهم يتعمق إدراكي في كل مرة أنظر فيها وأنا مستحضرة لأسئلة المنهجيات.

وكان لي وقفة عميقة مع حادثة (ريا وسكينة)، تلك الحادثة التاريخية التي نُمِّطت في عقولنا في قوالب جاهزة؛ قالب يتضمن سلسلة جرائم ترتكبها امرأتان لتسرقا ذهب نساء الطبقات الثرية، أو قالب فكاهي تناولته المسارح والأفلام الرخيصة، وضمن هذه القوالب تبني عقولنا وقائع سطحية وساذجة وبعيدة كل البعد عن الواقع.

أعمل أحدهم أسئلة المنهجيات وهو يعد مقطع فيديو حول نفس الموضوع ليعرضه في قناته في اليوتيوب، ومن خلال بحث منظم كشف صورة واقع ذي طبقات شتى، تبين سرديات متعددة تجعل رؤية صورة الحدث أقرب للحقيقة.

لم تكن ريا وسكينة سوى نموذجين لأفراد من الطبقة المسحوقة في مصر خلال فترة الحرب العالمية الأولى، ولم يكن الكشف عن نشاطاتهما الإجرامية سوى صدفة عابرة بسبب امتناعهما عن تسديد إيجار أحد المنازل المهترئة التي استخدمتاها، ثم لم تقترفا أساسًا أي عملية قتل لضحاياهما، بل كانت هناك شبكة رجال من الفقراء والجوعى الذين كانوا يبحثون عن ذهب يقتاتون به، ثم لم تستهدفا نساء الطبقات الثرية، بل التهمتا صديقاتهن الفقيرات، المومسات اللاتي عانين من نفس تصدعات الواقع، وربما أن انتقالهما إلى ضحايا أخريات خارج دائرة البغاء كان محض صدفة أيضًا.

ولم تكن جرائم عصبة ريا وسكينة هي الأولى من نوعها، بل ظهرت خلال نفس الفترة جريمة من نفس النوع قادها رجل ولم يشتهر؛ لأن الصحفي الذي غطى القضية أراد أن يكتب عملًا لمدير التحرير وحسب، في حين أن الصحفي الذي غطى جريمة عصبة الأختين أراد أن يرفع سقف رضا مديره، ويحقق سبقًا لصحيفته، ويرفع من مصدر دخله.

في مشهد ذلك الحدث المقولب ثمة طبقات تستحق المراجعة والنظر؛ طبقة سياسية تتعلق بظروف الحرب العالمية وانعكاساتها الاقتصادية والأمنية من جهة، ومن جهة أخرى ازدياد المواجهات بين العسكر البريطاني والمجتمع المصري الغاضب بعد نفي سعد زغلول، وطبقة اجتماعية ثقافية تتعلق بحركات الهجرة والنزوح الداخلي، وتغير تركيبات المجتمعات واختلاطها وغياب دور العرف والقانون، مع تأثير قانون الاستعمار الذي جعل البغاء عملًا منظمًا ومحميًّا بموجب القانون وفق شروط اقتصادية وصحية، وطبقة اقتصادية تتجلى في مظاهر عدة، منها ازدهار شبكات الحشيش بقيادات محلية والمخدرات بقيادات إقليمية. تنصهر كل تلك الطبقات في بوتقة الواقع المعاش في تلك اللحظة التاريخية لتصنع الإنسان الثوري، والإنسان المجرم، والإنسان المنفي، وأنماطًا شتى لا يمكن فهمها من زاوية واحدة، بل يجب استحضار العوامل المتباينة التي أسهمت في تشكيلها.

في العاشر من سبتمبر ٢٠٢٦ سقطت مدينة المخا في يد جماعة الحوثي، وهي جولة ضمن حروب ومعارك ضارية ابتدأت قبل أكثر من عقد، وذلك بعد إسقاطهم نظام الحكم بالقوة عام ٢٠١٤.

قبل أكثر من نصف قرن كانت هناك معارك مشابهة لما يحدث اللحظة في نفس الجغرافيا ونفس الشخوص، ولكن بمسميات مختلفة؛ فبدلًا من أن يكون الجيش الملكي الذي يحارب ليستعيد آخر معاقل النظام الإمامي مقابل جيش الأحرار الذي يمثل المطالبين بتطبيق النظام الجمهوري، ها هي جماعة (أنصار الله) المتمثلة بحركة الحوثي تحاول أن تفرض نفوذها الإمامي ضد ما تبقى من محاولات استعادة الجمهورية.

وبين فكي النزاع تتغبر ملامح المجتمع اليمني ليغرق في فقره وأسماله وأمراض اختفت من العالم وأعادتها الحرب مجددًا للحياة في مسرح المعاناة اليمنية.

هل نفرح بالنصر في غزة ؟ الحوثي ومعارك السرديات في سبتمبر

ينظر العالم إلى الصراع القائم من زوايا مسطحة؛ فمن جهة ينظر إلى جماعة الحوثي أنها المخلص والمنقذ الشهم لمعاناة الغزيين، كما ينظر إليهم كأبطال المشهد العربي/الإسلامي، حيث أعلنوا الحرب على إسرائيل رغم ضعفهم وأسمالهم البالية، في حين تقاعست ممالك وجمهوريات ومجتمعات مسلمة أكثر قوة واستقرارًا.

من زاوية أخرى ينظر إليهم كمجموعة تابعة لإيران المعروفة بسمعتها السيئة في تشريد الشعوب السنية، والمشهورة بشعاراتها الرنانة في نصرة قضايا الأمة طالما توافقت مع مصالحها.

وأمام هاتين الزاويتين تغيب زاوية المشهد اليمني من الداخل، حيث تضيع سردية المواطن اليمني البسيط الذي يموت جوعًا وهو لا يجد ما يسد رمقه، بعد أن صادرت الجماعة كل ما يملك ليدفع الخمس لتمويل إضاءات احتفال المولد النبوي، وعيد النيروز، والمعارك الإقليمية التي انخرطت فيها جماعة الحوثي.

كيف وصلت الجماعة إلى هذه القوة؟ وكيف تمكنت من فرض نفسها كقوة أمر واقع، وتمكنت من فرض سردياتها على أكثر من مستوى؟

سؤال يغيب في ظل الجدل القائم والمتربع على عرش النقاشات الجارية: الحق مع من؟ الحوثي الذي يحمل شعار نصرة الأمة؟ أم الشرعية التي تحمل شعار محاربة الحوثي واستعادة الدولة؟

ازدادت ضبابية الفهم منذ أُقحم المشهد اليمني في سردية النضال، حيث تبنت الصواريخ الحوثية الإيرانية شعار المقاومة، واحتدم الجدل وزاد الاصطفاف والفرقة.

ينبغي تفكيك تلك الأسئلة وأجوبتها، وينبغي فهم تعقيدات الواقع، لا تسطيحه بالشعارات الجوفاء والأحكام المتسرعة.

لماذا لا ينظر العالم/المقاومون/مناصرو القضية الفلسطينية إلى طبقات الواقع اليمني؟

حيث يتكدس الجوع والمرض، وتغيب الحقوق، وتمتهن الكرامات بسبب فشل إدارة الدولة، وبدلًا من حل إشكاليات الداخل يتم فتح جبهات خارجية تغطي على سوأة الفشل الداخلي.

لماذا لا ينظرون إلى المآسي المتراكمة لأكثر من عقد من جرائم سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية؟ لماذا لا يحدقون في أعين الأرامل والأطفال الجائعين، إذ لا تقل حقوقهم الإنسانية عن أطفال غزة!

لماذا يكون الصاروخ الحوثي/الإيراني نصرًا للمقاومة والقضية الفلسطينية، ولا تتم رؤية الدخان الذي خلفه في جسد الوطن المهتك؟!

تتراكم سرديات الحوثي في شهر سبتمبر، فبعد محاولته طمس ملامح الأحرار باختلاق ثورة هي في حقيقتها انقلاب؛ لأنها قامت ضد إرادة مختلف فئات المجتمع وضد مصلحتهم، فمن يقبل أن يكون زنبيلاً؟

مركزية الولاء القبلي في اليمن 2 الحوثي ومعارك السرديات في سبتمبر

وجاءت معركته الأخيرة في باب المندب لتعمق من حقيقة خوفه من هذا الشهر ورمزيته، حيث يحاول أن يرسخ وجوده على مستوى إقليمي، ولم تعد هنا سرديته تقتصر على حماية الوطن من (العدوان)، بل عززها بلباس المقاومة ضد اليهود والأمريكان، حيث أرسل صواريخه الإيرانية لتعزز سرديته.

بعيدًا عن جدل الدولة الحديثة العلمانية الذي يدعي أن ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ جلبتها، حيث لم تظهر لاستحالة شروطها الثقافية في مجتمعاتنا المتدينة، وبعيدًا عن شعار المقاومة الفضفاض الذي رفعته الثورة الإيرانية قبل/أثناء/بعد إسقاطها أربع دول عربية، وبعيدًا عن الشعار المستحدث الذي تلقفته جماعة الحوثي وهي تواصل إجرامها.

بعيدًا عن كل ذلك، لمَ لا نعود إلى الفهم البسيط لحقائق الأشياء؟

قامت عقيدة التوحيد على مبادئ عدة، أهمها ألا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، كما قامت على مبدأ العدالة الذي يتجلى في الحديث: (والله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها).

كما قامت على حرمة دم المسلم، وحرمة منع الصلاة وانتهاك المساجد، كما نص القرآن في آياته. بهذا الفهم المبسط يمكن لأي واحد أن يدرك فداحة خطأ موقف جماعة الحوثي المتمترسة حول أدبيات حديث الكساء وتقسيم الناس بين درجة عليا: قناديل (وهم من يحملون الدم المقدس من نسل علي وفاطمة، وحصرًا من نسل الحسين لا الحسن الذي تنازل عن الولاية لمعاوية حقنًا للدماء)، والصنف الآخر هم الزنابيل (وهي لفظة عامية تعني الكيس البلاستيكي أو أي شيء يُحمل به، وتحت هذا التصنيف المذل ترتص قوائم اليمنيين من علماء وأفاضل وأبرياء).

وفي الختام، لنتذكر أول معصية أشار إليها القرآن، ووردت في آيات كثيرة، وهي تحمل عقدة الفهم لمن يعقل؛ ففي أول معصية ألم يقل إبليس: أنا خير منه؟

وهي الكلمة التي تضاد التوحيد وجذور عدالته في البشرية جمعاء.

إلهام الحدابي

إلهام الحدابي باحثة - وحدة الدراسات والأبحاث في مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى