
الإسلام دين إلهي، والعلمانية موقف بشري تجاه الدين، ومِن ثمَّ فهذا الفارق الجوهري بين الإسلام والعلمانية هو ما يبني الفارق في نظرة كلٍّ منهما للديني والدنيوي، فالإسلام ليس له عداء مع التديُّن مِن حيث هو، أو مع الديانات السماوية السابقة مِن حيث هي، وليس له عداء مع الدنيا، فهو يؤكِّد على فطرية التديُّن، ويقدِّم تفسيرًا لتعدُّد الرسالات واختلاف الشرائع، وتنازع أتباع الديانات السماوية رغم وحدة المصدر في سياقات تاريخية مرتبطة بالحالة الإنسانية منذ وجوده الأوَّل في الأرض، كما يقدِّم تفسيرًا للدنيا باعتبارها موطن الاختبار والابتلاء البشري، وهذا خلاف العلمانية فهي في جوهرها موقف مِن الدين بكلِّيته، دون تمييز بين دين وآخر ورسالة وأخرى، ولا تمييز بين الدين في صورته النقية أو المحرَّفة، وبهذا فالعلمانية لا تُقدِّم منظورًا للوجود الإنساني والكون والحياة، إذ هي نهج واقعي يُعطي الإنسان حقَّ تقرير مصيره الراهن في ضوء اختياره دون تدخُّل مِن الدين، وهذه الفجوة هي ما حاولت العلمانية المؤدلجة سدَّها بتبنيِّها الشيوعية بكلِّ أفكارها المتعلِّقة بالوجود الإنساني وتطوُّره، وهذا ما جعلها متطرِّفة وحدِّية أكثر مع الأديان خلافًا للعلمانية السياسية التي لم تزاحم الدين في تقديم منظور للإنسان والحياة والكون، وإنَّما اكتفت بإبعاده مِن الشأن العام.
الديني والدنيوي في العلمانية:
ذكرنا أنَّ العلمانية تشكَّلت في صورتين: سياسية معتدلة، وأيديولوجية متطرَّفة.
في البلدان التي شهدت علمانية سياسية فقط، كدول أوربَّا الغربية والولايات المتَّحدة الأمريكية وكندا وأمثالها، مارس المتديِّنون دياناتهم الخاصَّة بشكل خاصٍّ، بعيدًا عن التمكين السياسي والهيمنة السلطوية، حيث أصبح الدين مظهرًا فرديًّا واجتماعيًّا أكثر مِنه فلسفة حياة ونظام حكم. وغالبًا تمتَّعت الأقليَّات الدينية المختلفة بامتيازات متساوية مِن حيث الحضور المجتمعي، عبر بناء المعابد وإقامة الطقوس والشعائر وممارسة أدوار مدنية[1]. وتتعامل الدولة والمجتمع في تلك البلدان مع الدين مِن زاويتين: الأولى باعتباره شئنًا خاصًّا على الصعيد السياسي، والثانية باعتباره جزءًا مِن “الهوية” كما هو في الدول الأوربِّية المسيحية، لهذا تحافظ هذه الدول في دساتيرها على مادَّة تشير إلى المسيحية كجزء مِن الهويَّة أو كشرط في الحاكم، وتحمل أعلام كثير مِن هذه الدول رمز الصليب.
في هذه البلدان، يظلُّ النقاش في قضايا الدين محصورًا في البعد المعرفي والبحثي والحوارات المجتمعيَّة والمنتديات الثقافية، فيما يعدُّ التعليم والإعلام محايدًا، وبهذا تظلُّ العلمانية محايدة تجاه الدين عمومًا، ويجري القانون على قدر مِن المساواة بين جميع المواطنين والمقيمين، ويكفل الدستور والأنظمة حقوق وحرِّيات الجميع، بما فيها الدينية، وتتاح الأعمال والفرص للجميع دون تمييز. ويتشكَّل وعي المجتمع بقدر مِن التسامح -عادة- في هذه الدول، ما لم يكن بالأساس ملتحقًا بطائفة دينية تغذِّي لديه العداء والبغضاء تجاه الآخرين.
والملحظ المهم هنا، أنَّ المجتمعات تفقد روح التديُّن تدريجيًّا، وإن لم يكن ذلك بفعل إكراه أو توجيه مِن الدولة، فمجرَّد إزاحة الدين عن الشأن العام، وتراجعه عن التوجيه والإرشاد، وغياب شرائعه وفلسفته عن الحضور القانوني وفي ميادين التعليم الإلزامية، يتحوَّل الإنسان إلى كائن مادِّي، بعيد عن رسالة الدين ومعانيه ومقاصده، فهو مشغول فقط بالكسب والمعيشة، ونيل الملذَّات. ومِن ثمَّ فلا يوجد في المجتمع العلماني أسئلة تتعلَّق بالوجود والمصير والرسالة الإنسانية. وتصبح الأديان سواء لدى الفرد العادي، وهي مجرَّد خيرات ذاتية، ليس فيها حقٌّ وباطل، وهدى وضلال؛ ولا وجود لأيِّ سؤال حول الغيب والإرادة الإلهية والحلال والحرام، والعقل مشغول بالوجود فقط، يكتشف قوانينه ويستثمرها، ويعمر الأرض ويتمتَّع عليها.
هذا الانصراف الكلِّي للدنيا وجدانًا ووعيًّا وحضورًا حقَّق للغرب دون شكٍّ قفزات هائلة مِن المعارف والعلوم الدنيوية، وأتاح له إقامة أعظم عمران على الأرض، وفتح أبواب الشهوات والملذَّات على مصراعيها أمامه. وهو ما يعطي الإنسان شعورًا بالاستغناء عن الدين: ((كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَىٰ * أَن رَّآهُ استَغنَىٰ))، العلق: 6- 7. لا بل لعلَّ هذا الانغماس بالحالة الدنيوية الجارفة بالطبع يدفع الإنسان المادِّي إلى كراهية الدين ومعاداته، كونه يحمل مِن التكاليف والحدود ما يقيِّد الإنسان ويثقل كاهله. صحيح أنَّ هناك مَن يتكلَّم عن الفراغ الروحي وبحث ِكثيرٍ مِن أبناء تلك المجتمعات عن سؤال المعنى إلَّا أنَّهم لا يشكِّلون السمة الغالبة، بل هم قلَّة في خضمِّ كثرة نافرة عن الدين؛ لهذا تظلُّ نسبة الداخلين في الإسلام دون حدِّ 1% مِن إجمالي السكَّان في تلك المجتمعات[2].
في المقابل، فإنَّ البلدان التي شهدت علمانية أيديولوجية متطرِّفة، كما هو الحاصل في دول الكتلة الشرقية (الشيوعية) سابقًا، لم تتسامح مع الأديان بالمطلق، ولم تترك للمجتمعات والأفراد حرِّية الاختيار، ونظرًا لأنَّ هذا يصادم المجتمعات الأسبق انتسابًا للدين اعتمدت هذه الدول سياسة الإكراه والقسر والتعذيب والإبادة والتهجير والتعليم الإلحادي لتغيير دين الناس، مسيحييِّن أو مسلمين أو يهود، فالدين في وعيها “أفيون الشعوب” وهذا يستلزم أن مكافحتها ومحاربتها كأيِّ مخدِّر يضرُّ بعقل الإنسان ووعيه. وفي ضوء ذلك نشأت أجيال تحمل أيديولوجيا إلحادية بديلة تقوم على نظريَّات تحاول تقديم فلسفة للوجود والحياة والإنسان. وكما هو الحال مع الدول ذات العلمانية السياسية توجَّهت اهتمامات الإنسان للدنيا بكلِّيته، منصرفًا للعمل والعيش، مع فارق أنَّه هنا مسحوق لا يملك الحقوق والحرِّيات، نظرًا لوجود الحكم الاشتراكي الشمولي المتطرِّف. فعاش الإنسان بلا هويَّة ولا معنى، منغمسًا في همومه وملذَّات محصورة.
والفارق الجوهري بين النظامين بشأن الدين:
- النظام الأوَّل يمنح الإنسان خيار التمسُّك بالدين وخيار التخلِّي أو الانتقال عنه، بينما النظام الثاني لا يسمح بهذا الخيار.
- النظام الأوَّل يمنح المتديِّن قدرًا مِن الحقوق والحرِّيات الخاصَّة بممارسة تديُّنه على المستوى الفردي والجمعي، خلافًا للنظام الثاني.
- في النظام الأوَّل يبقى دين الغالبية جزءًا مِن هوية المجتمع وثقافته، وإن عاد في تأثيره على الهامش الروحي والتعبُّدي الشخصي، في حين تُلغى هويَّة المجتمع الدينية في النظام الثاني على كافَّة المستويات.
- في النظام الأوَّل تقف الدولة على الحياد مِن جميع الأديان، وتتحوَّل الدولة في النظام الثاني إلى عدوٍّ متطرِّف تجاه جميع الأديان.
- في النظام الأوَّل يمكن تقديم الدين في الشأن العام كرأي غير ملزم، وفكرة غير ملزمة، وتشريع غير ملزم، وإذا أُخِذَ برأيه أو فكرته أو تشريعه فلأنَّ الأكثرية اختارته وفقًا للدستور والقانون، خلافًا للنظام الثاني.
- في النظام الأوَّل يبقى الدين محطَّ حوار ونقاش وجدل تتباين حوله المواقف والقناعات، وفي النظام الثاني لا يسمح الحوار حوله لأنَّ التعبير عنه تهمة بالأساس.

الديني والدنيوي في الإسلام:
الإسلام دين الفطرة ومِن ثمَّ فهو يتعاطى مع حالة التديُّن البشري كظاهرة إنسانية مغروزة في النفس، لكنَّها ليست الغريزة الوحيدة التي أودعها الله في خلقه، إذ أنَّه أودع فيهم غرائز دنيوية أخرى تتعلَّق بالاحتياجات البدنية والنفسية والاجتماعية، ومِن ثمَّ فهو دين يتعاطى مع البعدين: الديني والدنيوي في النفس البشرية، فهو ليس دين رهبانية وانقطاع عن الدنيا، ولا هو دين شهواني يفصل الإنسان عن العلاقة الإلهية والمآلات الأخروية. يقول تعالى في حقِّ أناس غلَّبوا جانب الرهبانية في تدينهم: ((وَرَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبنَاهَا عَلَيهِم إِلَّا ابتِغَاءَ رِضوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَينَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُم أَجرَهُم وَكَثِيرٌ مِّنهُم فَاسِقُونَ))[3]، ويقول تعالى عن قوم آخرين جعلوا دينهم لهوًا ولعبًا: ((الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُم لَهوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتهُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا فَاليَومَ نَنسَاهُم كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَومِهِم هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجحَدُونَ))[4].
وباعتبار الإسلام امتدادًا للرسالات السابقة فهو يتعامل مع الأديان السابقة -وإن وقع فيها تحريف وتغيير- بواقعها القائم للوصول إلى المشتركات، لهذا فهو يتيح لها وللمسلمين:
- الحضور ضمن الدولة المسلمة، كمكوِّن اجتماعي يتمتَّع بالحقوق والحرِّيات التي تؤمِّن ممارسة تديُّنه دون إكراه ولا خوف. لهذا حظيت الدولة المسلمة بوجود أقليَّات مسيحية ويهودية على امتداد الخارطة الجغرافية، خلال المراحل التاريخية. هذا عدا عن أنَّ لأتباع هذه الديانات حقوقًا وحرِّيات على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والعادات والتقاليد، طالما أنَّها لا تضرُّ بأمن الدولة والمجتمع واستقرارهما. كلُّ ذلك فيما يعرف بعقد الذمَّة.
- التحالف مع مكوِّنات هذه الأديان المجتمعية أو السياسية، فقد عقد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بعد وصوله للمدينة حلفًا مع اليهود، اعترافًا بوجودهم الاجتماعي والسياسي وتأكيدًا على جواز التحالف معهم إزاء المخاطر التي تتهدَّد الجميع. وأيًّا كان توصيفنا لهذا التحالف، اجتماعي/ سياسي/ عسكري/ أمني، فهو يؤصِّل للتحالف مع أهل الكتاب على قاعدة جلب المصالح المشتركة أو دفع المخاطر المشتركة.
- بناء علاقة مودَّة معها، بل ومصاهرة (بنكاح المسلمين مِن نسائهم)، وإجراء تبادل تجاري، أو إقامة شراكة اقتصادية، وعقد معاملات مالية، وحسن جوار وتعايش، كما هو في أحكام الإسلام وتوجيهاته وتطبيقات السيرة النبوية، طالما لم يكونوا أهل حرب معنا. وسواء كانوا مِن أهل الذمَّة أو بيننا وبينهم عهد وصلح.
هذه الامتيازات التي منحها الإسلام لمن يصفهم بـ”أهل الكتاب”، لم يمنحها للوثنيين والملاحدة، إقرارًا مِنه بأنَّ اختلاف الديانة لا يعني القطيعة المطلقة والعداء المطلق، وأنَّ الدنيا لا تقوم بهذا المنطق الصفري المتطرِّف. وقد قاس المسلمون على اليهود والنصارى أمثالهم، ممَّن يدعون بوجود رسالة وكتاب، فهمًا لمبدأ الإسلام الذي يحفِّز التديُّن على أصل رسالي وإن لم يكن يقرُّه في ذاته.
هذا الاعتراف والقبول والتعايش والتعامل مع المختلف الديني كان مفقودا لدى اليهود والنصارى، على صعيد تعاملهم فيما بينهم ومع الإسلام، وعلى مستوى طوائفهم ومذاهبهم الداخلية، لهذا شهدت أوربَّا وبقيَّة الدول المسيحية في العالم القديم دورات مِن الصراعات الطائفية والمذهبية بين أتباع الديانات وأتباع الديانة الواحدة. فلم يكن مفهوم “أهل الكتاب” وقانون “أهل الذمَّة” موجودًا لدى اليهود والنصارى.
فضلا عن ذلك، وفي دائرة التدين داخل الإسلام، سمح الإسلام بدوائر واسعة مِن التأويل والاجتهاد وإعمال العقل في ضوء النصوص وما تتضمَّنه مِن مقاصد وقواعد وأصول ومحكمات، وتسامح مع بقاء وصف الإسلام على مَن خرجت تأويلاتهم واجتهاداتهم عن الصواب مرجِّحًا جانب التزامهم بأركان الدين الكلِّية وشعائره الظاهرة. وبهذا تعدَّدت مذاهب الفقه ومدارس العقيدة وطرق السلوك في العبادة والجهاد والسياسية، وظلَّ خطاب التكفير في أضيق الحدود، وتمارسه الطوائف الغالية أو الشرائح المتطرِّفة، كما هو الحال مع الشيعة والخوارج، في حين غلب على عموم فئات السنَّة مِن الأمَّة التعايش رغم التباين.
وعلى صعيد الحمولة الدينية، يُفرِّق الإسلام بين دوائر عدَّة داخل الإسلام، فالإسلام ليس كتلة صلبة أحادية العنصر تؤخذ كلًّا أو تترك كلًّا، بل مِنه ما هو واجب لا يقوم الإيمان والإسلام بدونه، ومِنه ما هو سنن وكماليَّات، وهذا يجعل الإسلام دينًا واقعيًّا معقولًا ميسَّرًا، يأتي الرجل البسيط المنشغل بشئون حياته فيسأل عنه فيلخَّص له في كلمات معدودة وواجبات محدودة، فيدخل فيه وينصرف إلى شئونه، وأمَّا مَن أراد أن يتزوَّد مِنه في التفاصيل المعرفية والسنن العبادية والشرائع المعاملاتيَّة سيجد الإسلام بحرًا زاخرًا وجنَّة غنَّاء.
والتصوُّرات الغيبية في الإسلام ليست مستحيلة التصوُّر، ولا هي عصيَّة على الفهم، ولا تساق كألغاز ومتناقضات وأساطير، بل هي منظومة واضحة متكاملة شاملة متماسكة تدور حول أركان الإيمان، وبإمكان العقل إدراك معانيها وتخيُّل علاقاتها. فالغيب هو امتداد لعالم الشهادة وفيه تتجلَّى آثاره، فهو ليس منقطعا عنه ولا مصادمًا له. والإيمان بالغيب يقوم على أدلَّة فطرية وحسِّية وبدهية وعقلية؛ بالتالي لا يوجد في الإسلام:
- صراع بين الإيمان والعلم، فالإيمان هو نتاج العلم الصحيح بالكون والحياة والتاريخ والسنن.
- نزاع بين النقل والعقل، فالنقل لا يصادم بدهيَّات ومسلَّمات ومدارك العقل، ولا مداركه واستنتاجاته الصحيحة.
- تناقض بين الغيب والشهادة، بل الغيب والشهادة في حالة انسجام وترابط يوجد السكينة في نفوس أتباعه.
وهذا خلاف اليهودية والنصرانية التي أتت العلمانية على إشكالاتها ف التصوُّرات والعقائد.
والوحي أتى ليؤكِّد للإنسان أنَّ علم الله تعالى فوق علومه، شاملًا ومحيطًا بالخلق، وأنَّهم أوتوا أسباب العلم ووسائل التعلُّم لتحصيل العلم، وأنَّ علمهم مهما بلغ لا يبلغ شيئًا أمام علم الله. لهذا فالعلوم الدنيوية في الإسلام مفتوحة على مصراعيها، وهناك حضٌّ عليه، وتحفيز لها، ومتروكة لمدارك الإنسان وتجاربه وخبرته وبحثه واكتشافه. وما يطلبه الإسلام مِن الإنسان هو ألَّا يتكلَّم بغير علم، وأن يعمل على أساس مِن العلم، وألَّا يجعل علمه مصادمًا لعلم الله تعالى. وهذا ما فتح على المسلمين في عقود معدودة مِن قيام دولتهم أبواب العلوم، فأفادوا مِن علوم الآخرين ونقدوا صحيحها مِن سقيمها، وحقَّقوا قفزات نوعية دون أن يتَّهموا بالزندقة والهرطقة، وأن تواجههم محاكم التفتيش.
وعلى المستوى القانوني، تعدُّ الشريعة الإسلامية أسبق القوانين في تنويع مصادرها، وقابليَّتها للتجديد والاجتهاد في الكثير مِن مسائل الفروع، واعتمادها على الإجماع تارة، والقياس تارة، والاستحسان تارة، واعتبار المصالح، والأخذ بالعرف، والتزام العقود مع غير المسلمين، وغير ذلك ممَّا يتيح للحكومة المسلمة والقضاء الشرعي ومؤسَّسة الإفتاء والعاملين للإسلام والفرد المسلم فضاء رحبًا تحت ظلال هذا الدين دون حرج، ومَن درس الأصول والفقه وغاص في دراسة اجتهادات الصحابة ومذاهب الأئمَّة سيرى مِن السعة والسماحة والمرونة ما يذهل العقل. فالشريعة وإن كانت صارمة في جهة فهي سمحة في جهات عدَّة.
إذن الإسلام ليس أيديولوجية صلبة متطرِّفة منغلقة مصادمة للعقل والعلم والتنوُّع والتعدُّد والتعايش كما كان الحال في الأمم السابقة، مِن اليهود والنصارى. ولو ذهبنا نقارن بين ضحايا الحروب والصراعات الدينية في الإسلام بما هو عند اليهود والنصارى سيظهر أنَّ المسلمين أقلُّ الأمم في ذلك، مع ضرورة فكِّ الصراعات السياسة والاجتماعية عن الصراعات ذات المنزع الديني، فالبغي السياسي والاجتماعي لا يزال سمة للمجتمعات البشرية.
هذه الحقيقة هي ما جعلت الدين الإسلامي محفوظًا حتَّى اليوم، في نصوصه المرجعية، وفي شعائره التعبُّدية، وفي شرائعه القانونية، وفي وهجه الروحي الملهم للناس جيلًا بعد جيل؛ خصوصًا في ظلِّ الحروب التي شنَّت عليه مِن قوى العالم قديمًا وحديثًا، والطعنات التي تلقَّاها من الفرق الغالية والمتطرِّفة.
ختامًا..
إنَّ الإسلام دين الدنيا، إذا صحَّ تعريفه بذلك، فهو الهدى الذي تعهَّد الله بإنزاله لبني آدم لدنياهم، وهو الموصل لهم إلى الآخرة عبر السير في هذه الدنيا تحت مراد الله وشرعه ومنهجه. أمَّا العلمانية فهي صدام مع الفطرة وصدام مع الدين وصدام مع الدنيا، وها هي نتائجها المدمِّرة تكشف عن ذاتها في حالة الشعوب المحكومة بالعلمانية السياسية أو العلمانية الأيديولوجية، إلحاد وانحلال وانتحار وفساد وظلم واستبداد وقهر للإنسان أو تجريد له مِن إنسانيَّته.
[1] قلنا غالبًا لأنَّ هناك أوضاع واستثناءات هنا وهناك، ذلك أنَّ اعتبار الهوية التاريخية والثقافية والعرقية في بعض الدول غلب على حقوق بعض الأقليات -كالمسلمين- مِن قبيل الخوف على تغيير “الهويَّة” التي تعدُّ المسيحية جزءًا مِنها.
[2] الحديث ليس عن مدى انتشار الإسلام والإقبال عليه، ودخول الكثيرين فيه، وإنَّما عن مدى نسبة هؤلاء للمجموع الكلِّي للسكَّان.
[3] الحديد: 27.
[4] الأعراف: 51.

