
بينَ كلِّ جمعةٍ وجمعة، وفي خلوةِ الليلِ البهيم، حينَ تسدلُ الظلمةُ أستارَها الكثيفةَ على الكونِ، وتنامُ العيونُ، وتصحو الأرواحُ المتأملة، يستلُّ من صميمِ قلبي مهندٌ بتّار، لا يبارحُ غمدهُ إلا ليُشطرَ كلَّ محبطٍ، ويُبيدَ كلَّ تسويفٍ أثخنَ الروحَ بالجراحِ الغائرة، ويُزيلَ غبارَ اليأسِ الذي تراكمَ على نوافذِ الأمل. إنهُ سيفُ العزمِ الذي يضيءُ بوهجٍ متقدٍ على ركامِ الأعذارِ الواهيةِ التي قعدتْ بي عن ساحةِ الخطابة، عن ثغرٍ ما كانَ لي أن أُسلمه، عن منبرٍ طالما كانَ منارةً تهتدي بها الأمةُ في ظلماتِ التيه. في تلكَ الساعاتِ المباركةِ من الليل، تتجلى الرؤى، وتتضحُ المسارات، وتتجددُ العهودُ معَ النفسِ ومعَ الخالق، فيرتفعُ صوتٌ خفيٌّ في أعماقي، يصرخُ بي: “هيا انهض! إنَّ الأمةَ تنتظرُ، والمنبرَ يشتاقُ، والكلمةَ الصادقةَ غدتْ عملةً نادرةً في سوقِ الضجيجِ والزيف”.
لكنَّ هذا الوهجَ، وهذا العزمَ المتجددَ، سرعانَ ما يخبو معَ إشراقةِ فجرِ الجمعةِ المباركة، وكأنَّ سحرَ الليلِ قد تبددَ معَ أولِ شعاعٍ للشمس. فيُعرِّيَ فيَّ عظمَ النقصِ الذي استشرى في أوصالي، وفتورَ العزمِ الذي استوطنَ جوانحي، وندمًا يلسعُ الروحَ بلهيبٍ لا ينطفئُ على ما فاتَ من أيامٍ وليالٍ، كانَ المنبرُ فيها ينتظرُ صوتيَ الصادحَ بالحق، والمجتمعُ يترقبُ كلمتيَ الواعيةَ التي تُلامسُ شغافَ القلوبِ وتُحركُ العقول. أجدُ نفسيَ أسيرًا لقيودٍ وهميةٍ، نسجتها يدايَ من خيوطِ التسويفِ والتردد، حتى غدتْ أثقلَ من سلاسلِ الحديد، وأشدَّ قسوةً من صخورِ الجبال.
تتداعى في تلكَ الليلةِ الظلماءِ تساءلاتٌ كالجمرِ الملتهب، تُوقظُ فيَّ لواعجَ الشجنِ ومرارةَ التقصير، وتُعيدُ إلى الذاكرةِ صورًا من الماضي، حينَ كانَ المنبرُ ليَ وطنًا، والكلمةُ ليَ سلاحًا، والخطابةُ ليَ رسالةً وهدفًا. ما الذي كبّلَ روحيَ الوثّابةَ عن هذا الثغرِ العظيم، الذي هوَ صمامُ أمانِ الأمةِ ولسانُها الناطقُ بالحق؟ لماذا لم يستعملني اللهُ في هذا الميدانِ الذي هوَ منارةُ الأمةِ ومرشدُها، ومصدرُ وعيها وقوتها؟ هل غدتْ قيودي أشدَّ رسوخًا من الجبالِ الشمِّ الرواسي، حتى أقعدتني عن الحراكِ والنهوضِ، كما تُثبّتُ الجبالُ الأرضَ وتُرسّيها، وتمنعُها من الاضطرابِ والميلان؟ ما الذي أخرجني من معشرِ الخطباءِ، بعدَ أن كنتُ أعدُّ نفسي منهم، وأرى فيهم قدوتيَ ومثليَ الأعلى؟ هل حقًا لن أعودَ لأعتليَ المنبرَ الذي طالما كانَ ليَ وطنًا، وملاذًا، وميدانًا للعطاء؟ هل تخليتُ عن هذا الثغرِ الذي هوَ أمانةٌ في عنقي، ومسؤوليةٌ جسيمةٌ على كاهلي؟ ومتى يا ترى سأعود؟ متى ستُشرقُ شمسُ العودةِ على منبرٍ طالَ انتظارُه، وعلى أمةٍ عطشى لكلمةِ الحقِّ والوعي، تُصارعُ أمواجَ الجهلِ والتخلفِ والضياع؟ إنَّ هذهِ التساؤلاتِ لا تزالُ تترددُ في أروقةِ روحي، كصدىً مؤلمٍ يُذكرني بمسؤوليةٍ لم أُوفِها حقها.
وأشدُّ ما يؤلمني، ويُشعلُ فيَّ نارَ الغيرةِ المقدسةِ على دينِ اللهِ وأمتِه، وفي ذاتِ الوقتِ يغمرُني بدفءِ الانتماءِ العميقِ لهذا الثغرِ العظيم، هوَ حينَ يلتقي بيَ شخصٌ، أو يرسلُ ليَ رسالةً تحملُ في طياتها عتابًا رقيقًا وسؤالًا موجعًا، يُعيدُ إلى الذاكرةِ مكانةً كنتُ أحظى بها، ودورًا كنتُ ألعبهُ في حياةِ الناس. “أينَ ستكونُ خطبتُكَ هذه الجمعة؟” أو “ما عدتُ أراكَ تختطبُ، ما خطبُكَ يا شيخ؟” تلكَ الكلماتُ البسيطةُ في ظاهرها، العميقةُ في معناها، تُوقظُ فيَّ حسرةً لا تُطاق، وتُشعلُ فيَّ غضبًا على واقعٍ أليمٍ أراهُ رأيَ العين، واقعٍ تتراجعُ فيهِ الكلمةُ الصادقةُ، ويتقدمُ فيهِ الزيفُ والضجيج.
أرى خطباءَ يعتلونَ المنبرَ، يلقونَ خطبًا لا تتصلُ بالواقعِ بصلةٍ، ولا تُلامسُ قضايا الأمةِ الحارقة، ولا تُقدمُ حلولًا لمشكلاتها المستعصية. خطبٌ تُلقى وكأنها من عالمٍ آخر، لا تُغني ولا تُسمنُ من جوع، يخرجُ الناسُ منها بقلوبٍ خاويةٍ وعقولٍ لم تستفدْ أدنى فائدة، بل ربما زادتهم حيرةً ويأسًا. فأتحسرُ وأتأوهُ، ويا ليتَ تحسري كانَ يقودني إلى العودةِ الفوريةِ، لا إلى مزيدٍ من الألمِ والحسرةِ على ما ضاعَ وما فات. إنَّ هذا المشهدَ يُدمي القلبَ، ويُشعلُ في الروحِ رغبةً جامحةً في التغييرِ والعودةِ إلى الميدان، لعلَّ اللهَ يُحدثُ بعدَ ذلكَ أمرًا.
إنَّ هذا الشعورَ بالتقصيرِ، وهذهِ الغيرةَ على المنبرِ، لا تنبعُ من فراغٍ، بل هيَ صدىً لوعيٍ عميقٍ بأمانةِ الكلمةِ وثقلِ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِ الخطيب. فالمنبرُ ليسَ مجردَ خشباتٍ يُعتلى عليها، بل هوَ محرابٌ للحقِّ، ومنارةٌ للهدى، ولسانٌ للأمةِ النابضِ بهمومها وآمالها. إنَّه الثغرُ الذي يُواجهُ قضايا العصرِ المتلاطمةِ، ويُفنّدُ الشبهاتِ التي تُلقى على شبابِنا، ويُقدمُ الحلولَ المستنيرةَ لتحدياتِ الواقعِ المعقدة. فكيفَ يُمكنُ لخطيبٍ أن يقفَ على هذا المنبرِ الشريفِ، ويُلقيَ خطبةً لا تتجاوزُ أسوارَ المسجدِ، ولا تُلامسُ جراحَ الأمةِ النازفة؟ كيفَ يُمكنُ لهُ أن يتجاهلَ قضايا الفقرِ والجهلِ والمرضِ، أو يتغافلَ عن تحدياتِ الهويةِ والانتماءِ في زمنِ العولمةِ وتياراتِ التغريب؟ إنَّ الكلمةَ على المنبرِ أمانةٌ، وهيَ شهادةٌ يُسألُ عنها الخطيبُ أمامَ اللهِ وأمامَ الناس. إنها ليستْ مجردَ وعظٍ تقليديٍّ، بل هيَ اشتباكٌ واعٍ معَ الواقعِ، وتوجيهٌ لبوصلةِ الأمةِ نحو الصلاحِ والفلاح. إنَّ المنبرَ اليومَ أحوجُ ما يكونُ إلى خطيبٍ فقيهٍ بواقعِ أمتِه، بصيرٍ بتحدياتِ عصرِه، قادرٍ على صياغةِ الخطابِ الذي يُخاطبُ العقلَ والقلبَ معًا، ويُقدمُ الرؤيةَ الشرعيةَ المستنيرةَ لمواجهةِ المستجداتِ والنوازل. إنَّه المنبرُ الذي يُفترضُ أن يكونَ حصنًا منيعًا ضدَّ الأفكارِ الهدامةِ، ومصدرًا للإلهامِ والتجديدِ، لا مجردَ مكانٍ لتكرارِ المألوفِ والمستهلك. إنَّ غيابَ الخطيبِ الواعي عن هذا الميدانِ، هوَ فراغٌ يُملأُ بالضجيجِ والزيفِ، وهوَ خسارةٌ لا تُعوضُ للأمةِ التي تنتظرُ من أبنائها أن يكونوا على قدرِ المسؤوليةِ في كلِّ زمانٍ ومكان.
إلى كلِّ من كبّلتهُ قيودُ التسويفِ مثلي، إلى كلِّ من أقعدتهُ وساوسُ النقصِ عن ميدانِ العطاءِ الواسع، إلى كلِّ من شعرَ بمرارةِ التقصيرِ ولسعةِ الندم: إنَّ هذهِ الرسالةَ، لم تُكتبْ بمدادِ القلمِ فحسب، بل خُطّتْ بدماءِ القلبِ النازفة، وبِعزمٍ يفوقُ كلَّ العزائمِ الواهنة، وبهمةٍ تسمو فوقَ كلِّ الهممِ الخائرة، وإرادةٍ تكسرُ الحديدَ وتشقُّ الصخرَ الأصمّ. إنها دعوةٌ صادقةٌ للنهوضِ من كبوةِ الغفلةِ والتردد، دعوةٌ للعودةِ إلى حيثُ يجبُ أن نكون، دعوةٌ لاستعادةِ مكانتنا ودورنا في بناءِ الأمةِ وقيادتها. لن أتراجعَ بعدَ اليوم، ولن أُسلمَ هذا الثغرَ المقدسَ لمن لا يستحقُّ حملَ أمانته، ولا يُدركُ عظمَ رسالتهِ التي هيَ رسالةُ الأنبياءِ والمرسلين. إنَّ الكلمةَ الصادقةَ أمانةٌ، والمنبرَ مسؤوليةٌ، والأمةَ تنتظرُ منا الكثير.
يا أيها المنبرُ الشامخ، يا منبرَ الأنبياءِ والمرسلين، يا رمزَ العزةِ والكرامةِ والوعي، نحنُ عائدونَ إليكَ، عائدونَ لنُعيدَ للكلمةِ هيبتَها، وللخطبةِ رسالتَها السامية، وللأمةِ وعيَها المفقود. عائدونَ لنُجددَ العهدَ معَ اللهِ ومعَ أنفسنا، ولنُبرهنَ أنَّ الروحَ إذا صدقتْ في عزمها، لا تُقعدُها قيودٌ مهما اشتدت، ولا يُثنيها يأسٌ مهما استفحل، ولا يُخمدُها فتورٌ مهما طال. فانتظرنا، فإنا قادمونَ لنُحييَ فيكَ ما ماتَ من معانيَ ساميةٍ وقيمٍ نبيلة، ولنُعليَ فيكَ كلمةَ الحقِّ التي لا تموتُ أبدًا، ولنُعيدَ للخطابةِ مجدَها التليد، وللأمةِ عزَّها المفقود. إنَّ العودةَ ليستْ مجردَ أمنيةٍ، بل هيَ قرارٌ وعزمٌ وإرادةٌ لا تلين.
ويا أيها الخطيبُ المبارك، يا رفيقَ الدربِ وحاملَ الهمّ، يا من تشاطرني هذا الشعورَ وهذهِ الغيرةَ على دينِ اللهِ وأمتِه، شاركني في هذهِ الهمةِ العاليةِ وابدأ معي رحلةَ العودةِ الصادقةِ إلى المنبرِ الذي ينتظرنا. لنضعْ أيدينا في أيدي بعض، ولنجعلْ من منابرنا مشاعلَ نورٍ تُضيءُ ليلَ الحائرين، وتُبددُ ظلماتِ الجهلِ والتخلف، وتُرشدُ الناسَ إلى سواءِ السبيل. لننطلقْ معاً لنُذكّرَ كلَّ ذي لسانٍ بأنَّ الكلمةَ أمانةٌ عظيمةٌ، وأنَّ المنبرَ مسؤوليةٌ جسيمةٌ، وأنَّ الأمةَ تنتظرُ منا ما يُحيي قلوبَها ويُضيءُ دروبَها، ويُعيدُ لها مجدَها وعزَّها. فالموعدُ قريبٌ، والعهدُ وثيقٌ، والعزيمةُ لا تلين، والنصرُ حليفُ الصادقين. إنها دعوةٌ للعملِ، دعوةٌ للتغييرِ، دعوةٌ للنهوضِ من جديد، ولنكنْ جميعًا على قدرِ هذهِ المسؤوليةِ العظيمة.
