المدونة

في حب رسول الله ﷺ .. الأهمية والأُطر

محبة النبي محمد ﷺ ليست شعورًا عاطفيًا عابرًا، ولا دعوى لسانية مجردة، بل عبادة قلبية يظهر صدقها في التسليم للوحي، واتباع السنة، وتعظيم صاحب الرسالة من غير غلو ولا جفاء، وتمثل أصلًا راسخًا في بناء الإيمان.

ولهذا عقد الإمام البخاري في «صحيحه» بابًا بعنوان: «حب الرسول ﷺ من الإيمان»، وأورد فيه حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»[1].

وتزداد الحاجة اليوم إلى تحرير هذا المفهوم، حين تختلط المحبة الشرعية بالمبالغة المذمومة، أو تُختزل في مظاهر موسمية لا يصحبها اقتداء، أو يُظن أن توقير النبي ﷺ ينافي تقرير عبوديته لله تعالى. والمنهج المستقيم يجمع بين كمال المحبة والتعظيم، وكمال التوحيد والمتابعة.

المحبة في معناها اللغوي العام

تدور المحبة في الاستعمال العربي على ميل القلب إلى المحبوب، وتعلقه به، وإيثاره والقرب منه، والسرور بذكره وموافقته. وليست كل محبة في درجة واحدة؛ فقد تكون فطرية، كمحبة الوالد والولد والوطن، وقد تكون إيمانية ناشئة عن المعرفة والتعظيم والامتثال.

المحبة النبوية في الاصطلاح الشرعي

ويفيد هذا المعنى القلبي تعريف الباحث عبد الرءوف محمد عثمان لمحبة الرسول ﷺ بأنها: «ميل قلب المسلم إلى رسول الله ﷺ ميلًا يتحقق فيه إيثاره على كل من سواه من البشر»[2]. والمقصود بالإيثار هنا تقديم أمره وهديه عند التعارض، لا إبطال المحبة الفطرية المشروعة للوالدين والأهل وسائر الناس.

يمكن تعريف محبة النبي ﷺ اصطلاحًا بأنها: عبادة قلبية تقتضي تعلق قلب المؤمن برسول الله ﷺ تعلق إجلالٍ ورضا، وتقديم هديه وحكمه على هوى النفس وأقوال البشر، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، ونصرة سنته، مع التزام الحد الذي قررته الشريعة في حقه.

وقد قسم ابن رجب الحنبلي هذه المحبة إلى درجتين، يقول -رحمه الله-:

ومحبة الرسول – ﷺ – عَلَى درجتين:

إحداهما فرض: وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية، ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديقه في كل ما أخبر به، وطاعته فيما أمر به من الواجبات، والانتهاء عما نهي عنه من المحرمات، ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة، فهذا القدر لا بد منه ولا يتم الإيمان بدونه.

والدرجة الثانية فضل: وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه، وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة، والاعتناء بمعرفة سيرته وأيامه واهتزاز القلب عند ذكره، وكثرة الصلاة عليه لما سكن في القلب من محبته وتوقيره ومحبة استماع كلامه، وإيثاره عَلَى كلام غيره من المخلوقين[3].

فالمحبة بهذا الاعتبار تجمع بين عمل القلب وعمل الجوارح؛ تبدأ معرفةً وتعظيمًا، وتظهر تسليمًا واتباعًا.

أهمية محبة النبي ﷺ وبواعثها

خرَّج البخاريُّ ومسلم: من حديث: أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يؤمنُ أحدُكُم حتَّى أكُونَ أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ».

يقول ابن رجب الحنبلي-رحمه الله- تعليقًا على هذا الحديث:

أولها: محبةُ النبيِّ ﷺ من أصولِ الإيمانِ، وهي مقارِنة لمحبةِ اللَّه عزَّ وجل، وقد قرنها اللَّهُ بها وتوعَّد من قدَّم عليهما محبةَ شيءٍ من الأمورِ المحبوبةِ طبعًا، من الأقاربِ والأموالِ والأوطانِ وغير ذلك.

فقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، فيجبُ تقديم محبةِ الرسولِ ﷺ على النفوسِ والأولادِ والأقاربِ والأهلينَ والأموالِ والمساكنِ، وغيرِ ذلكَ مما يحبُّه الناسُ غايةَ المحبةِ.

وإنما تتمُّ المحبةُ بالطَّاعةِ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [4].

ثانيها: محبة النبي ﷺ واجبة إذ هو المُبلِّغ عن ربه سبحانه وتعالى، وعن طريقه عرفت الأمة ربها وخالقها، وتلقت كتاب الله سبحانه وتعالىٰ علىٰ منهاجه، وتعلمت الإيمان والعمل وسائر شرائع الدين، فلو تأمل المؤمن وتفكر في نعمة الله عليه بإرسال الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنيرﷺ، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، لزاد تعظيمًا ومحبة لرسول الله ﷺ.

وثالثها: أن المحبة باعث داخلي على الطاعة. فالإنسان قد يمتثل أمرًا خوفًا أو عادة، أما المحبة الصادقة فتجعله يقبل هدي النبي ﷺ برضا، ويأنس بسنته، ويحرص على موافقته في السر والعلن.

ورابعها: أن لهذه المحبة أثرًا أخرويًا؛ ففي الحديث الصحيح: «المرء مع من أحب»، وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-[5]. غير أن الرجاء في هذه المعية لا ينفصل عن الإيمان والعمل؛ لأن المحبة الشرعية نفسها تقتضي الموافقة بحسب القدرة.

فاتحة الفاتحة 2 في حب رسول الله ﷺ .. الأهمية والأُطر

الأدلة على محبة النبي ﷺ من القرآن الكريم

1. وجوب تقديم محبة الله ورسوله

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24).

استدل أبو العباس ابن سريج بالوعيد الوارد في الآية على فرض المحبة؛ قال أبو عبد الله محمد بن خفيف الصوفي: «سألنا أبو العباس بن سريج بشيراز فَقَالَ لنا: محبة الله فرض أم غير فرض؟

قلنا: فرض، قال: ما الدلالة عَلَى فرضها؟

فما منا من أتى بشيء يقبل فرجعنا إِلَيْهِ وسألناه: ما الدليل عَلَى فرض محبة الله -عز وجل-؟

فَقَالَ: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: – ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]

قال: فتوعدهم الله -عز وجل- عَلَى تفضيل محبتهم لغيره عَلَى محبته ومحبة رسوله، والوعيد لا يقع إلا عَلَى فرض لازم وحتم واجب»[6].

وليس المراد إلغاء المحبة الطبيعية، وإنما ألا تكون مقدمة على حكم الله ورسوله عند التعارض.

2. الاتباع معيار صدق المحبة

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31). تجعل الآية اتباع الرسول ﷺ دليلًا على صدق محبة الله، وتجعل ثمرة هذا الاتباع محبة الله للعبد ومغفرة ذنبه. ونقل ابن رجب عن الحسن البصري أنه قال: قال أصحابُ رسول اللَّهِ ﷺ: يا رسول اللَّهِ، إنَّا نُحِبُّ ربنا حبًّا شديدًا. فأحبَّ اللَّهُ أن يجعل لحبِّه علمًا، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ). ومن هنا قال الحسنُ: اعْلم أنكَ لن تُحبَّ اللَّهَ حتى تُحبَّ طاعتَه[7].

واستدل القسطلاني علىٰ أن علامة المحبة اتباع الرسولﷺ، وأن انتفاء المتابعة دليل على خلل الدعوى، وهنا يقول:(ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)، وقال تعالى: (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، ومحبته لكم منتفية، فجعل سبحانه اتباع رسوله ﷺ مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه»[8].

3. اقتران التوقير بالإيمان

قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفتح: 9). تدل الآية على أن من حقوق النبي ﷺ نصرته وتعظيمه وتوقيره وإجلاله. وقد عد العلماء تعظيمه شعبة مستقلة متصلة بالمحبة، وإن كانت أخص منها وأعلى أثرًا في السلوك، يقول الحليمي: «إن تعظيم النبي ﷺ، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة، بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة. ذلك لأنه ليس كل محب معظمًا، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه. والولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم. فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة. فمن حق النبي ﷺ على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده ومن كل عبد لسيده. فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة[9] وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [10]

الأدلة على محبة النبي ﷺ من السنة النبوية

من أصرح الأدلة حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ). رواه البخاري في «صحيحه»، كتاب الإيمان، باب حب الرسول من الإيمان، رقم (15)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل، رقم (44).

والمنفي في الحديث هو كمال الإيمان الواجب؛ إذ لا يستقيم إيمان من يقدم إرادته أو قول غيره على أمر الرسول ﷺ مع علمه بثبوته ودلالته.

ويتأكد تقديم محبته على محبة النفس بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ قال للنبي ﷺ: «يا رسول الله، والله لأنت أَحَبّ إلي من كل شيء إلا من نفسي. فَقَالَ: لا يا عمر حتى أكون أَحَبّ إليك من نفسك. فَقَالَ: والله لأنت أَحَبّ إلي من نفسي. فَقَالَ: الآن يا عمر». أخرجه البخاري برقم (6632).

ومعناه أن حكم الرسول وهديه مقدمان على دوافع النفس وشهواتها، لا أن الإنسان يفقد طبيعته البشرية أو إحساسه بذاته.

وفي ضبط حدود التعظيم قال ﷺ:

(لا تُطْرُونِي كَما أَطْرَتِ النَّصارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّما أَنا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)[11]. وفسر ابن الأثير الإطراء بأنه «مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه» [12]، وبيّن الخطابي أن النصارى تجاوزوا الحد حين رفعوا عيسى -عليه السلام- فوق منزلة العبودية والرسالة، قال الخطابي رحمه الله: «الإطراء: المدح بالباطل وذلك أنهم دعوه ولدًا لله، سبحانه وتعالى عما يشركون، واتخذوه إلهًا وذلك من إفراطهم في مدحه، وإطرائه ولهذا المعنى والله أعلم يهضم نفسه في الأحاديث التي تقدَّم ذكرها فقال:«لا تفضلوني على يونس بن متَّى» شفقًا أن يطرُوهُ وأن يقولوا فيه الباطل)[13].

الإنسان من الغفلة إلى اليقظة في حب رسول الله ﷺ .. الأهمية والأُطر

من أقوال السلف والعلماء في محبة النبي ﷺ

قرر ابن رجب أن محبة النبي ﷺ «لا تتم إلا بالطاعة»، مستدلًا بآية (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، ونقل عن بعض أهل العلم تعريف المحبة بأنها «الموافقة في جميع الأحوال»[14]. والموافقة هنا لا تعني العصمة من التقصير، وإنما تعني أن تكون إرادة المؤمن الأصلية متجهة إلى الاتباع، فإذا زل رجع وتاب، ولم يجعل خطأه أصلًا يعارض به السنة.

وقال سهل التستري: «من علامات حب الله: حب القرآن، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي ﷺ: حب السنة، وعلامة حب السنة: حب الآخرة، ومن علامة حب الآخرة: بغض الدُّنْيَا، وعلامة بغض الدُّنْيَا أن لا يأخذ منها إلا زادًا يبلغه إِلَى الآخرة»[15]. وهذا القول يضع معيارًا عمليًا للمحبة: فكلما عظم قدر السنة في نفس المسلم، وحرص على تعلمها والعمل بها، كان ذلك أقرب إلى صدق محبته.

وعد ابن حجر العسقلاني محبة النبي ﷺ من أعمال القلب الداخلة في شعب الإيمان، يقول رحمه الله: «وَمَحَبَّةِ اللَّهِ. وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَاتِّبَاعُ سُنَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصُ…»[16]. فالمحبة ليست حالة وجدانية منعزلة، بل أصل تتفرع عنه أعمال اللسان والجوارح.

وحذر ابن تيمية من أن كثيرًا ممن يدعي المحبة يكون بعيدًا عن اتباع السنة وحفظ حدود الشريعة، مؤكدًا أن المحبة الصحيحة تقترن بإجلال الله وتعظيم أوامره، يقول رحمه الله: «وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْمَحَبَّةَ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ غَيْرِهِ عَنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَعَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَدَّعِي مَعَ هَذَا أَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ لِطَرِيقِ الْمَحَبَّةِ مِنْ غَيْرِهِ لِزَعْمِهِ أَنَّ طَرِيقَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرَةٌ وَلَا غَضَبٌ لِلَّهِ وَهَذَا خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ»[17].

الفروق بين المحبة والمصطلحات المشابهة

1. المحبة والاتباع

المحبة عمل قلبي وباعث داخلي، أما الاتباع فهو موافقة عملية لهدي النبي ﷺ. وهما متلازمان في المحبة الشرعية، لكنهما ليسا مترادفين من كل وجه؛ فالمحبة تحرك العبد نحو الاتباع، والاتباع يشهد لصدق المحبة، كما ذكر في الفرق بينهما عبد الرءوف محمد عثمان «أن المحبة أمر زائد على الاتباع، إذ هي بمنزلة الباعث والدافع إلى هذا الاتباع. أن التعبير الحقيقي عن محبة الرسول ﷺ يتمثل في صدق الاتباع له، والاقتداء به وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه ومحبة ما يحبه وبغض ما يبغضه. أن بين المحبة والاتباع علاقة مطردة إذا لا يوجد أحدهما بدون وجود الآخر فمن حقق الاتباع وبذل الوسع في معرفة هدي النبي ﷺ فقد صدق في المحبة»[18]. وقد تقع من المسلم مخالفة بسبب ضعف أو شهوة، فلا يلزم من كل معصية انتفاء أصل المحبة؛ غير أن الإصرار على رد السنة أو تفضيل الهوى عليها يناقض مقتضاها بقدر ذلك الانحراف.

2. المحبة والتعظيم والتوقير

المحبة ميل القلب وإيثاره للمحبوب، أما التعظيم فهو اعتقاد جلال قدره، والتوقير هو ظهور ذلك في الأدب معه ومع سنته وحديثه. وخلاصة ما ذكرناه سابقًا من المنهاج في شعب الإيمان للحليمي: فليس كل محب معظمًا؛ فقد يحب الولد والده من غير أن يعامله معاملة من يهابه ويجله، ولذلك عد بعض العلماء التعظيم مرتبة زائدة على مجرد المحبة.

3. المحبة والطاعة

الطاعة امتثال الأمر واجتناب النهي. وقد تقع طاعة مجردة بدافع العادة أو الخوف، أما الطاعة الناشئة عن المحبة فتقترن بالرضا والتسليم. والمحبة الصادقة لا تستغني عن الطاعة، وإن تفاوت المحبون في كمال الامتثال.

4. المحبة والغلو

المحبة مأمور بها، أما الغلو فتجاوز للحد الشرعي. المحب يثبت للنبي ﷺ ما أثبته الله له من الرسالة والفضل والمقام المحمود، لكنه لا يصرف له شيئًا من خصائص الألوهية، ولا يصفه بما لم يثبت، ولا يبتدع عبادة ظنًا أنها أدل على المحبة. وقد جمع النبي ﷺ الحدين في قوله: «فَإِنَّما أَنا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»[19]؛ فالعبودية تمنع الغلو، والرسالة تمنع الجفاء

التطبيقات العملية وآثار المحبة

تظهر محبة النبي ﷺ في حياة المسلم من خلال جملة من التطبيقات، منها:

  1. تعلم سنته وسيرته من المصادر الموثوقة؛ إذ لا تتحقق المحبة الواعية مع الجهل بهديه وأخلاقه.
  2. تقديم النص الصحيح على الهوى والعادة، مع التثبت من صحة الحديث وفهمه في سياقه، والرجوع إلى أهل العلم فيما أشكل.
  3. الاقتداء بأخلاقه في الرحمة والعدل والحلم والوفاء والتواضع، لا الاقتصار على بعض الهيئات الظاهرة مع إهمال مقاصد الأخلاق.
  4. كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ امتثالًا للأمر الشرعي، مع حضور معنى التعظيم والوفاء، وقد عدها العلماء من الأعمال الداخلة في محبته وتوقيره.
  5. نشر سنته بالحكمة والأمانة، والدفاع عنها بالعلم والخلق الحسن، واجتناب نسبة الأحاديث الضعيفة والموضوعة إليه.
  6. على الأمة أن تحفظ حرمة النبي ﷺ بعد وفاته في خاصة نفسه وفي آله وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وفي كل ما له صلة بأمر هذا الدين[20].
  7. تحكيم هديه في الأسرة والمجتمع، بحيث تتحول المحبة إلى رحمة وعدل وإصلاح، لا إلى جدل وشعارات.

ومن آثار هذه المحبة: زيادة الإيمان، وحلاوة الطاعة، والحرص على السنة، واجتماع الأمة على أصل الوحي، وتهذيب السلوك، والرجاء في صحبة النبي ﷺ في الآخرة.

أبرز الأخطاء المتعلقة بمحبة النبي ﷺ

  1. الاكتفاء بالدعوى العاطفية مع مخالفة السنة؛ فالانفعال الصادق قد يكون بداية خير، لكنه لا يغني عن التعلم والطاعة. وقد نبه ابن تيمية إلى وقوع التباعد عن السنة عند بعض المدعين للمحبة كما ذُكرَ آنَفًا.
  2. اختزال المحبة في المواسم والمظاهر، مع ضعف أثرها في العبادة والمعاملة والخلق.
  3. الغلو في المدح، كإسناد خصائص الربوبية أو علم الغيب المطلق أو التصرف المستقل في الكون إلى النبي ﷺ؛ وهذا داخل في الإطراء الذي نهى عنه كما ذكر الخطابي في شرح الحديث.
  4. ابتداع عبادات وجعلها معيارًا للمحبة؛ لأن التعبد حق لله، ولا يثبت إلا بدليل، وأصدق الناس محبةً أكملهم اتباعًا.
  5. الجفاء باسم محاربة الغلو، كالتقليل من قدر النبي ﷺ أو ترك الصلاة عليه أو عدم الأدب مع حديثه؛ فرفض الغلو لا يسوغ التفريط في التوقير الواجب.
  6. نشر الأحاديث غير المتثبت منها رغبة في الترغيب؛ فإن الكذب عليه ﷺ أو التساهل في نسبة الأقوال إليه يناقض حقيقة المحبة.
  7. حصر الاقتداء في المظهر دون المقصد، أو في بعض السنن دون واجبات العدل والأمانة والرحمة وأداء الحقوق.

ختامًا محبة النبي ﷺ أصل إيماني جامع، حقيقتها ميل القلب إليه بالتعظيم والإيثار، وثمرتها التسليم والاتباع وحسن التأسي. وهي ليست مرادفة للانفعال الوجداني، وإن كان الوجدان الصادق جزءًا منها، وليست بابًا للغلو؛ لأن الذي أمر بمحبته هو نفسه الذي نهى عن إطرائه.

والميزان الجامع في هذا الباب أن المحبة الصحيحة تحفظ للنبي ﷺ مقاميه اللذين قررهما الوحي: مقام العبودية لله، ومقام الرسالة إلى الخلق. فمن حقق العبودية سلم من الغلو، ومن حقق معنى الرسالة سلم من الجفاء، ومن جمع بين المحبة والتعظيم والاتباع كان أقرب إلى الوفاء بحق النبي ﷺ.


[1]أخرجه البخاري في “صحيحه”(1/ 12) رقم (15).

[2] محبة الرسول بين الاتباع والابتداع

[3] استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس

[4] تفسير ابن رجب الحنبلي[١/‏٤٩٦]

[5] صحيح: أخرجه البخارى (٦١٦٨ و٦١٦٩) فى الأدب، باب: علامة الحب في الله ﷿، ومسلم (٢٦٤٠) فى البر والصلة، باب: المرء مع من أحب، من حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه-.

[6] استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس – ابن رجب الحنبلي[٣/‏٢٩٧]

[7] تفسير ابن رجب الحنبلي – ابن رجب الحنبلي[٢/‏٥٥]

[8] المواهب اللدنية بالمنح المحمدية – للقسطلاني[٢/‏٥٨٣]

[9] المعنى المقصود هنا: أنه يجوز أن يبعث الله رسولا ولا يوجب له هذا الحق بخلاف الإيمان والاتباع فإنهما من لوازم الرسالة.

[10] المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١٢٤)

[11] أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب : أحاديث الأنبياء صلوات الله عليهم   باب قول الله : واذكر في الكتاب مريم (4/ 167) رقم (3445).

[12] جامع الأصول – ابن الأثير

[13] أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) – الخطابي[٣/‏١٥٦١]

[14] تفسير ابن رجب الحنبلي[١/‏٤٩٦]

[15] استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس – ابن رجب الحنبلي[٣/‏٣٢٤]

[16] فتح الباري بشرح البخاري – ابن حجر العسقلاني[١/‏٥٢]

[17] مجموع الفتاوى – ابن تيمية[١٠/‏٨٣]

[18] محبة الرسول بين الاتباع والابتداع – عبد الرءوف محمد عثمان[١/‏٣١٣]

[19]أخرجه البخاري في “صحيحه”، رقم (3445).

[20] حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة – محمد بن خليفة التميمي[٢/‏٧٨٦]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى