فكر

التلقي الانتقائي وفساد المنهج

 وإني لأرى من تمام التوفيق أن يعرِضَ المرء ما أشكل عليه من القضايا، وما اعترضه من السؤالات، على القرآن الكريم؛ فإنَّ فيه أصول الهدى، ومفاتح البيان، وقد وجدتني مشتغلًا بالنَّظَر في آفةِ الانتقائية، لما رأيت من شيوعها في أبوابِ العلم، واشتداد سلطانها عند مواطنِ الخلاف، حتى سرى أثرها في كثير من الأحكامِ والتَّصورات.

فلما أعدت النظر في القرآن، ألفيت أنه قد كشف عن هذه الآفة، وتتبع آثارها في الأمم، حتى بدا لي أنَّ الانتقاء في الأحكام يقدح في كمالِ التسليم، وأنَّ الانتقاء في التصورات يقدح في سلامة المنهج، وأن كليهما ثمرةُ هوى.

**

من أنعمَ النَّظَر في قصة بني إسرائيل في القرآن، تبيَّنَ له أنَّ من أعظم الآفات التي ابتلوا بها، ولازمت سيرتهم، آفةُ التَّجزئة والانتقائية في التَّعامل مع الوحي؛ وهي خصلة سوء، أوردتهم موارد الهلكة، وأفضت بهم إلى سوءِ المنقلب.

وقد تتبَّعَ القرآن هذه الآفة في مسيرتهم مع أنبيائهم، وفي تلقيهم للوحي، فردَّها إلى أصلٍ واحد، هو الهوى؛ فما وافق أهواءهم قبلوه، وما خالفها ردوه، أو حرفوه، أو كتموه، أو نسوه، أو تأولوه.

ودونك ما قصه القرآن من خبرهم؛ قال تعالى: {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70]، وفيها صورةٌ بينة لانتقاء الرسل بحسبِ الهوى. وقال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 91]، وفيها انتقاءٌ للوحي نفسه، يؤمنون ببعضه ويجحدون بعضه. ثم بلغ بهم الأمر أن مارسوا الانتقائية في كتابهم، فقال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]، وهو تحكمٌ لا منشأ له إلا الهوى.

وآيات الكتمان التي وردت في شأنهم ترجع، في حقيقتها، إلى هذه الآفة؛ فما كتموا آيةً وأظهروا أخرى إلا انتقاءً لما يلائم أهواءهم؛ قال تعالى: { تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91]، وقال سبحانه: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 15]، وقال جل مجده: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174].

ولم تقف هذه الآفة عند حدود النص، بل تجاوزته إلى المواقف العملية؛ فلما أُمِروا بدخول الأرض المقدسة قالوا: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22]، فخالفوا أمر الله، وخذلوا نبيهم، استجابةً لما استقر في نفوسهم من الهوى. ثم لما وسع الله عليهم في الرزق، أعرضوا عن الخير، واستبدلوا به ما هو دونه، فقال تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61]. ولو سبرتَ مطاوي سيرتهم مع أنبيائهم، وتأملت طرائقهم في تلقي الوحي، لرأيت هذه الخصلة حاضرةً في عامة تصرفاتهم؛ وهي نقيض التسليم والإذعان، ومناقضة لصريح العقل؛ إذ مبعثها الهوى، لا تحري الحق.

ولما خاطبَ الله أمة محمد ﷺ، حذرها من الوقوع في هذه الآفة؛ إذ لا يكتمل الإيمان إلا بالتسليم المحض لله ورسوله، من غير أن ينازع الهوى حكم الوحي. فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. وقال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. وحذر من اتخاذ الهوى معيارًا للقبول والرد، فقال: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43].

ومن تتبع هذا المعنى في القرآن، بان له أنَّ الوحي يحارب كل تلقيٍ انتقائي يقوم على الهوى والمصلحة الخاصة. فالمرء متى استسلم لهذه الآفة زاغ عن سبيل الهدى، والأمة متى استحكمت فيها أوشكت أن تُستبدل، وذهب ماؤها؛ وهذا بعينه ما جرى لبني إسرائيل، إذ جعلوا تعاملهم مع الله، ووحيه، ورسله، قائمًا على الانتقاء؛ يأخذون ما وافق رغباتهم، ويتركون ما خالفها، ويقدمون الهوى على مراد الله، فمضت فيهم سنة الاستبدال؛ إذ لا بقاء لأمة تعبث بالوحي إرضاءً لأهوائها.

خلاف التنوع الانتقال من عقلية الإقصاء إلى إدارة الخلاف 3 التلقي الانتقائي وفساد المنهج

فما صلة الانتقائية بالمنهج؟

وإنك لو جرَّدت هذه الفكرة عن شواهدها، وتأملت حقيقتها، لألفيت أنَّ الإنسان متى انحرف عن قصد الحقيقة، وأعرض عن طلبها لذاتها، وقع في أسْرِ الانتقائية؛ فلا تزال تستحكم فيه حتى تصير له سجيةً، ومنهاجًا يسلكه، وهو يحسب أنه يحسنُ صنعًا.

ومن هنا تبرز منزلة المنهج؛ إذ هو جملة الأصول التي ينتظم بها نظر الإنسان في الوقائع، ويهتدي بها إلى الحقائق، متآزرًا فيها عمل العقل، وشهادة الحس، وهي خصيصة أودعها الله في الفطرة الإنسانية، ثمَّ جاء الوحي فهذبها، وأرشد إليها، وأقامها على سواء السبيل.

ولهذا دعا القرآن إلى الإنصاف في النظر، والتجرد في الخصومة، حتى مع المخالف، فقال سبحانه: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [سبأ: 24]، فجاء الخطاب على سنن العدل، لا على مسلك المصادرة، وفي ذلك من أدب المنهج ما لا يخفى.

ولو أمعنت النظر في نشأة العلوم والمعارف في تراثنا الإسلامي، لرأيت المنهج حاضرًا في بنائها حضورًا ظاهرًا؛ فقد كان القوم يوقرون عقل المتلقي، ويقيمون العلم على صحة الدليل، وعدالة النقل، والتثبت قبل الحكم، وربط العلم بالعمل. ولم يكن المنهج عندهم دعوى تُرفع كما هو حالنا اليوم، وإنما كان أصولًا مطردة تحكم الفهم والتلقي.

فالمفسر يفسر كتاب الله على أصول ارتضاها، تظهر تارةً بالنص عليها، وتُفهم تارةً من صنيعه في كتابه، اعتمادًا على فطنة القارئ. والمؤرخ يسير على خطة معلومة لا يحيد عنها. ومن دقائق منهجهم أنهم كانوا يقدمون الرجل في فن، ويضعفونه في آخر، فلا يحملهم فضله في علم على التغاضي عن ضعفه في غيره؛ إذ العلم عندهم ميزان، لا هوى، ونقد، لا محاباة. ولو كانت الانتقائية هي الحاكمة لعقولهم، لما استقام هذا الصنيع، ولا استوت لهم هذه الموازين.

ولا يفهم من هذا أن تراثنا قد خلا من الانتقائية؛ فليس الأمر كذلك، بيدَ أنها لم تكن السمة الغالبة، وإنما كان المنهج هو الأصل، وكان قصد الحقيقة هو المطلب. وما بلغوا تلك المنزلة إلا ثمرةً لما تلقوه من هدي الوحي، كما قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. فهذه من الآيات المركزية، المؤسسة لمنهج التلقي في القرآن؛ إذ جمعت الإيمان الشَّامل، ونفت الانتقاء، وأقامت مقام السمع والطاعة في مقابلة الهوى.

**

التلقي الانتقائي وفساد المنهج 2 التلقي الانتقائي وفساد المنهج

وما سقتُ هذه التوطئة كلها إلا لأبين أنَّ كثيرًا مما نراه في واقعنا المعاصر من الاضطراب في تلقي العلوم والنصوص والانحراف في الفهم، مرده إلى الوقوع في شَرَك الانتقائية، ابتغاء رأيٍ سبق إلى النفس، ورؤى قبْلية، وهذا مسلكٌ يقف الهوى وراءه، وإن خرج في صورة البحث والعلم.

فترى أحدهم يتكلف الأدلة نصرةً لرأي ارتآه، فيستقصي كل ما يؤيده، ويقوي مذهبه، ويعضد فكرته، ثم يغض الطرف عما يعارضها من النصوص والأدلة، ولو كانت أصح إسنادًا، وأبين دلالة، وما حمله على ذلك إلا انتقاءٌ خفي، منشؤه الهوى.

ودونك ما يجري في كثيرٍ من القضايا التاريخية؛ من الانتصار للمواقف والأشخاص، ابتغاءَ إثبات فكرة، أو نكايةً بخصم، مع التجافي عن المنهج العلمي في دراسة التاريخ، والإعراض عن قواعد النقد التي وُضعت لتمحيص الروايات، والتحقق من الأخبار والوقائع. وذلك منهجٌ قوامه جمع المصادر، واستيعاب الروايات، والموازنة بينها، وإخضاعها للنقد، حتى تنجلي الحقيقة مجردةً عن الهوى. بيْدَ أنَّ الذي نشهده في كثير من الأحيان انتقائيةٌ محضة، غايتها الظفر بالرأي، وإن كان ثمنه العبث بالنصوص، وتحريف وجه التاريخ.

وترى آخر يقدح في إمامٍ من أئمة المسلمين، متعلقًا بنص أو كلمة، ثم يعرض عن الآثار الكثيرة الواردة في الثناء عليه، وبيان فضله، طمسًا للحقيقة، وابتغاءً لما سبق إليه رأيه. وآخر يجهد في تبرئة مذهبٍ من المذاهب مما ثبت عنه في المصادر، متجاوزًا الصور التاريخية المتضافرة، نصرةً لميل استقر في نفسه، ولو كان في ذلك وقوع في آفة الانتقائية والتدليس.

ومن أكثر ما ابتليت به الدراسات المعاصرة = الانتقائية المتدثرة بلباس المنهج. فقد يستشكل الباحث كلامًا لعالم، فإن كان ممن لا يرتضيه، جعله أصلًا يبني عليه حكمه، ولو أنه سلك سبيل المنهج، لرجع إلى أصل الكلام، وتدبر سياقه دون بتر، وجمع نظائره من سائر مصنفات صاحبه، حتى تتكامل صورته، ثم سأل أهل العلم عما أشكل عليه من الكلام، وجعل حسن الظن بأهل العلم، ولا سيما المشتغلين بالشريعة، أصلًا لا يفارقه. فانظر إلى ما بين الطريقين من البون؛ أحدهما يطلب الحقيقة حيث كانت، والآخر يطلب ما يوافق هواه، ثم يلتمس له من الأدلة ما يستره.

فإذا كان هذا في استشكال عبارة لعالم، فكيف بالقضايا الكبار التي يكثر فيها النزاع، ويتعلق بها أمر الأمَّة؟ ليس من المنهج أن تنتقي كل طائفة ما يوافق مذهبها، وتعتصم بالنصوص المؤيدة له، وتعرض عما سواها؛ فإن ذلك ليس من التحقيق في شيء، وإنما هو ضربٌ من العبث.

والحاصل أنَّ المنهج والانتقائية لا يأتلفان؛ فالمنهج يجمع أطراف الدليل، ويرد بعضه إلى بعض، ويزن الأقوال بميزان العدل، ويقصد الوصول إلى الحق. وأما الانتقائية فتبتدئ بالحكم، ثم تطوف في الأدلة التماسًا لما يشهد له، وتعرض عما سواه. فالدليل عند صاحب المنهج إمامٌ متبوع، وعند صاحب الانتقائية شاهدٌ يُستدعى عند الحاجة. ولهذا كان فساد المنهج سابقًا على فساد النتيجة؛ فإن من انحرف طريقه في التلقي، تعذر عليه أن يستقيم في الحكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى