
“بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم آتني بفضلك أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين” ذاك دعاء والدة أبي الحسن الندوي (رحمهما الله)، قد أوصته به في بداية شعوره بالحياة قائلةً: “إذا أردتَ كتابةَ شيءٍ فابدَأْهُ بعد البسملة بهذه الكلمات من الدعاء..”[1]، فحَفِظَه عنها، ونقلَه إلينا.. وإنني والله لأحبُّ الوصايا شديدًا، ويعجبني تتبُّعُها في كلام المتقدمين من علمائنا وصالحينا.. عسى أن تصيبني بها بعض بركاتهم.
وإن مِتُّ فالإنسانُ لا بُدَّ مَيّتٌ
ولكنَّ رُزءَ الناسِ بالحُرِّ مُؤلِمُ[2]
بين العلم والوراثة والصلة والتكريم تطوف تالياتُ سطوري..
في مساءٍ غيرِ بعيد، كنتُ جالسةً أشاهد محاضرة في الشعر الجاهليّ، فأخذتني إغفاءة لم أدرِ كم دامت، ثم تنبَّهتُ، حين وقع رأسي على كتفي، وقد انتهت المحاضرة.. فقلتُ أستسلم لحاجة جسدي إلى الراحة، وللنوم سلطان على الإنسان لا يقوى على مغالبته أشجع الفرسان، لكنّ إلحاح الفكر وكدر الهم ولاعج الشوق تفعلُ فِعلَها! وأحمدُ الله أنّ الذي أطار النوم من عيني في ذلك المساء (بعد أن تهيّأتُ له) كان باعث الفكر ليس إلّا..
ذلك أنّي ذكرتُ شخصًا مسكينًا أعرفه، “ويقعُ اسمُ المسكينِ على كلِّ مَن أذلَّهُ شيءٌ”[3]. وتراءت لعيني في اللحظة نفسها الآية الكريمة: “ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرِّ والبحر ورزقناهم من الطيّباتِ وفضّلناهم على كثيرٍ ممّن خلقْنا تفضيلًا”[4] فتأمّلتُها طويلًا.. المسكين من السكون، “والسكونُ ثبوتُ الشيءِ بعدَ تحرُّكٍ”[5]؛ كالرُّكون إلى المسكنة بعد ذوقِ الشرف! جهلًا، أو كسلًا، أو كُفرًا..
ما قيمةُ المرءِ إن ضاعت كرامتُهُ
فضلُ الكرامةِ يعلو الجاهَ والمالَا[6]
إنّ الآية المذكورة أعلاه، تنطق لي ولك بعظيم بُشراها وفضلها عليك وعليّ وعلى الناس جميعًا؛ تقول: ألستَ من بني آدم؟! ألستَ أحدهم؟ إذن لقد -والله- حُزتَ نصيبك من التكريم، ونِلتَه ابتداءً بمجرّدِ كونِك من بني آدم. لم يقلِ الله جلّ في علاه: (ولقد كرّمنا آدم)، بل قال عزّ من قائل: “ولقد كرّمنا بني آدم” وأنا وأنت ونحن جميعًا بنو آدم المكرّمون. وأَنزل سبحانه قبل ذلك: ” وعلّم آدم الأسماء كلّها”[7] فخصّ آدم عليه السلام بنوال العلم منه مباشرة، ثم جعل العلم ميراثًا لبني آدم من أبيهم آدم، كما يرث العلماءُ الأنبياءَ، وليس لأحد منهم مهما بلغ علمُه أن يكون نبيًّا! وأبت إرادته سبحانه إلا أن يكون التكريم والتفضيل موصولَين بكل فردٍ من بني آدم؛ “ولقد كرّمنا بني آدم” بصيغة الماضي.. لقد تمّ التكريم لنا وتحقّقَ مَن قبلِ أن نكون!
وهكذا تقاسمنا جميعًا تلك الكثرة التي ضاعفَتها “الشَّدة” في قوله تعالى: “كرّمنا” و”فضّلناهم”، وكلُّ عَطِيّةٍ لا تَلزَمُ مَن يعطي يقال لها: فَضلٌ، “واسألوا الله مِن فضله” “والله ذو الفضل العظيم”[8]. في حين جاءت “حمَلناهم” و “رزَقناهم” عاريتَين عن التشديد، تشِيان بمزيد لطفٍ ورفقٍ ووُدٍّ من الخالق نحونا، في إشارة -لا تخفى على اللبيب- إلى أنّ نجاتنا في تعاوننا، وحملِ بعضِنا بعضًا، ومداولة الرزق فيما بيننا، فلا تحاسدوا، ولا تباغضوا، “وفي السماء رِزقُكم وما توعدون”[9]. أمّا الكرامة والفضل فنعمتان أصيلتان موجودتان فينا مذ خُلقنا، وهما مصداق سبْقِ محبة الله تعالى لكلّ واحد منّا قبل أن يحبَّه “يحبّهم ويحبونه”[10].. نعمتان ملازمتان لنا بوصفنا “بني آدم”. وإنما يُكرِم المرءُ نفسه بعد ذلك أو يُهينها بفعله وأثره!
وإنّ الفتى في عيشِهِ ما سعى لهُ
وإنّ الفتى مِن بعدِهِ ما يُقدِّمُ[11]
إنّ عنصر الكرامة مكوِّنٌ أصيل في الذات الآدميّة، بل إنّ وجوده سابقٌ لوجودها الماديّ؛ مُذ أشهَدَنا الخالق على أنفسنا ونحن في عالَم الذَّرّ.. ولكنّ الإنسانَ ينسى! ولا يحول نسيانه بينه وبين استشعاره كرامتَه.. في أعماقه وخواطره ومشاعره.. بصرف النظر عن عقيدته. وكم قابلنا أو سمعنا أو قرأنا عن أناس كانوا شُعلة عزٍّ لمن حولهم، في حياتهم وبعد موتهم.. مؤمنين كانوا أو جاحدين!
وتلك درجة من الكرامة البشريّة وإن كانت لصيقة بالأرض، فمهما اتصلت نفس بنفس أخرى بقيت أرضية.. لكنْ.. هناك.. في أقصى العلُوِّ والسّمُوِّ.. عندما تتصل الأرض بالسماء، تُتَوَّج الكرامة الإنسانية لتصير آدميّة، وعندئذٍ تبلغَ ذروتها.
وإني لأستشعر الآن تلك التكرمة تنادي ذلك الشخص (الضعيف) أنِ ارفع رأسك فأنت مكرّم، كيفما كنتَ.. كما تقول لي: لا تنسَي أنّكِ واحدة من مليارات بني آدم المكرّمين!
ولا ينفكُّ ابن آدم عن طوارئ الضعف مِن فقر وسقم وغربة وغيرها، وكلُّنا مساكين في هذه الحياة “وخُلقَ الإنسانُ ضعيفًا”[12]، لكنّ الذلّة والمسكنة أمرٌ آخر؛ داءٌ عُضالٌ يَستعبد القلب والبصيرة، فتنتكس الفطرة الأولى دون مرتبة الإنسانية.. فتَفسُدُ وتُفسِد!
“يا بني آدم” داووا أنفسكم بالعلم؛ عِلمِها -أوّلًا- أنّكم مُكرّمون على الله.. فقيركم وغنيُّكم، صغيركم وكبيركم، الأعجميّ منكم والعربيّ.. ومراقبتِها -ثانيًا- حتى إذا مسَّ النفسَ طائفٌ من الكِبرِ تذكّرَت كرامة عباد الله على الله.. وأنّ أكرمهم عند الله أتقاهم، فتابت وأنابت.. وإن اعتراها عارضٌ من ضعفٍ أو هوانٍ، استعانت عليه بكرامتها على الله.. فنالت الإسعاد على كلِّ حال! وتعهُّدِها -ثالثًا- بأسباب القوّة للترقّي في مدارج العزّة.
وتحسبُ أنّكَ جِرمٌ صغيرٌ
وفيكَ انطوى العالَمُ الأكبرُ[13]

وإنما أجرامنا أجسادنا فمن الأرض وإليها.. أمّا أرواحنا فمن السماء وإلى البقاء.. في سعادةٍ دامت أو في شقاء.
“يا بني آدم” ألَا تذكرون كيف خلق الله تعالى أباكم آدم عليه السلام بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وكان ذلك كافيًا لنا (أبناءه) لنشعر بالفخر؛ فلطالما افتخر الأبناء بأمجاد آبائهم وأجدادهم! لكنه سبحانه خصّنا بتكريمه فردًا فردًا..”والإكرام والتكريم : أن يُوصَلَ إلى الإنسان إكرامٌ، أي: نفعٌ لا يلحقُهُ فيه غَضاضةٌ، أو أن يجعلَ ما يوصَلُ إليه شيئًا كريمًا، أي: شريفًا”[14]. ولمّا وصف الله ملائكته قال: “بل عبادٌ مُكرَمون”[15]. قال بعض العلماء: “الكرم كالحريّة إلّا أنّ الحرّية قد تُقالُ في المحاسنِ الصغيرة والكبيرة، والكرم لا يُقال إلّا في المحاسن الكبيرة. وقوله تعالى: “إنّ أكرَمَكم عند الله أتقاكم” فإنّما كان كذلك لأنّ الكرمَ الأفعالُ المحمودةُ، وأكرمُها وأشرفُها ما يُقصَدُ به وجهُ الله تعالى، فمن قصدَ ذلك بمحاسن فعلِه فهو التقيّ، فإذن أكرمُ الناس أتقاهم، وكلُّ شيءٍ شَرُفَ في بابه فإنه يوصفُ بالكرم”[16]. بِذا قضى المولى إلى ذلك المخلوق (الإنسان)؛ أن يبدأ حياته مُفضَّلًا على كثير منَ الخَلق تفضيلًا! ليس ذلك فحسب، بل ومعه ميراثٌ من علم أبيه الأول، ويحمل في أصل تكوينه بَذرَ الاستعداد للإضافة والإبداع والابتكار! “والتعليمُ تنبيهُ النفسِ لِتصوُّرِ المعاني، و”الرحمن، علَّمَ القرآن” “والذين أوتوا العلمَ درجات” بيان لتفاوُتِ منازل العلوم وتفاوتِ أربابِها”[17]؛ أنتَ وأنتِ وأنا! ولكلِّ مجتهدٍ نصيبٌ.
لو أنصفَ الناسُ كان الفضلُ بينهمُ
بقطرةٍ مِن مدادٍ لا بِسفكِ دمِ
فاعكِفْ على العِلمِ تَبلُغْ شَأوَ مَنزلةٍ
في الفضلِ مَحفوفةٍ بالعزِّ والكرمِ[18]
وحقيقٌ بمن حاز الكرامة من رب العالمين، وورث العلم من أبيه الأول، أن يكون عزيزًا. “والعزة: حالةٌ مانعةٌ للإنسان مِن أن يُغلَبَ”[19]. ولا تستوي عزة المؤمن وعزة الكافر؛ “ذلك أنّ العزة التي لله ولرسوله وللمؤمنين هي الدائمة الباقية التي هي العزة الحقيقية، والعزة التي هي للكافرين هي التعزُّزُ، وهو في الحقيقة ذُلٌّ، و(كلُّ عزٍّ ليس بالله فهو ذُلٌّ)”[20].
يقولون لي فيكَ انقباضٌ وإنّما
رأوا رجلًا عن موضعِ الذّلِّ أَحجَمَا[21]
فيا ابن آدم ابتغِ عند الله العزة.. و”اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اِقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم”[22].. فإنّ العليَّ يرفع الذين آمنوا من بني آدم، والذين أوتوا العلمَ درجات..
ولم أرَ في عيوبِ الناسِ شيئًا
كنقصِ القادرينَ على التّمامِ[23]
و”مَن كان يريدُ ثوابَ الدنيا فعندَ اللهِ ثوابُ الدنيا والآخرة…”[24]
يا ابنَ آدم: اِقرأ.. واقرأ.. وربُّكَ الأكرم.. وقَيِّد العلمَ بالقلم.. لتَعلمَ ما لم تكن تعلم.
الهوامش:
- والدتي، أبو الحسن الندوي
- أبو فراس الحمدانيّ
- الكليّات، أبو البقاء الكفَوي
- سورة الإسراء، الآية 70
- الكليّات، أبو البقاء الكفَوي
- المتنبي
- سورة البقرة، الآية 31
- سورة الجمعة، الآية 4
- سورة الذاريات، الآية 22
- سورة المائدة، الآية 54
- أحمد شوقي
- سورة النساء، الآية 28
- عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)
- مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني
- سورة الأنبياء، الآية 26
- مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الاصفهاني
- المصدر السابق
- محمود سامي البارودي
- مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني
- المصدر السابق
- أبو الحسن الجرجاني
- سورة العلق، الآيات الخمسة الأولى
- المتنبي
- سورة النساء، الآية 134
