المدونة

الدبلوماسية الشعبية

دور الجاليات اليمنية في الخارج في خدمة القضية اليمنية

لطالما اعتقدنا أن السياسة الخارجية في اليمن هي حكر على أصحاب العمل الرسمي، لكن التجربة اليمنية المريرة أثبتت أنَّ القوة الناعمة قد تكمن في أدوات أخرى غير رسمية على رأسها الشعب، ففي وقت صمتت فيه الكثير من المؤسسات الرسمية، انطلقت الجاليات اليمنية لتمارس دورًا يفوق مسألة الإغاثة، حيث خاضوا معركة جديدة من خلال المشاركة في المؤتمرات الدولية والمبادرات الإنسانية والفعاليات الثقافية وحملات المناصرة، وليحققوا إنجازات عجزت عن تحقيقها كثير من المؤسسات الرسمية.
من أجل ذلك أردت في هذا المقال تسليط الضوء على مفهوم الدبلوماسية الشعبية، وأبرز إسهامات الجاليات اليمنية في نقل الصورة الحقيقية عن معاناة اليمنيين، مع تسليط الضوء على أهم الصعوبات والتحديات التي تواجه الجالية اليمنية، مثل تشتّت الجهود وضعف التواصل المنتظم بينها وبين المؤسسات الرسمية، وذلك من أجل الإسهام في إبراز صورة اليمنيين في الخارج، وبناء جسور من التعاون الدولي لدعم قضاياه الإنسانية والوطنية.

أولًا: مفهوم الدبلوماسية الشعبية وأدواتها

تُطلق صفة الدبلوماسية على من يمثل الدولة في الخارج ويتولى مهامها السياسية وعلاقاتها مع الدول الأخرى، ومنها ما هو رسمي وما هو شعبي، فالرسمي هو تلك المساحة الذكية التي تختار فيها الدولُ الحوارَ بدل الصدام، والتفاوض بدل العنف، من خلال السعي لتحقيق الأهداف الكبيرة دون قتال، وبأسلوب آخر هي أي جهد منظم للتأثير الخارجي بطرق سلمية[1]، أما بالنسبة للدبلوماسية الشعبية فهي تشير إلى الجهود غير الرسمية التي تبذلها الشعوب أو الجاليات وأحيانا برعاية الحكومات، وتركز على تواصل الشعوب والجماعات مع الرأي العام في الخارج بهدف تعزيز صورة الوطن والدفاع عن قضاياه.
إذًا فالدبلوماسية الشعبية تقوم على الحوار والتفاعل الثقافي والتبادل الإنساني بدلًا من المفاوضات الرسمية بين الدول، مما يجعلها أداة تأثير ناعمة تعتمد على القيم والمعرفة والاتصال المباشر بين الناس، وتختلف عن الدبلوماسية الرسمية لأنها لا تعتمد على السياسيين بل على الشعوب، والمثقفين، والجاليات، ووسائل الإعلام، والمنظمات المدنية، وتشمل مجموعة واسعة من الأنشطة مثل البرامج الثقافية والتعليمية والإعلامية، إضافة إلى المبادرات التي تسعى إلى بناء الثقة والتفاهم بين الشعوب، وقد تناول “جوزيف ناي” هذا المفهوم ضمن نظريته عن القوة الناعمة موضحًا أن الدبلوماسية الشعبية تمثل التأثير بالجاذبية الثقافية والقيم المشتركة بدلاً من القوة العسكرية أو الاقتصادية[2].
هذا النوع من الدبلوماسية تطور في القرن الحادي والعشرين، حيث يؤكد “نيكولاس كُل” في كتابه الدبلوماسية العامة دروس من الماضي “Public Diplomacy: Lessons from the Past” أن الدبلوماسية الشعبية تقوم على خمس وظائف رئيسية وهي:

  1. الاستماع، حيث يُعتبر الاستماع أساسًا لكل دبلوماسية شعبية فعّالة، فهو يتضمن جمع وتحليل آراء الجمهور لفهم احتياجاتهم ومواقفهم مما يساعد في توجيه السياسات والرسائل بشكل مناسب.
  2. المناصرة، وتشمل توصيل سياساتها وأفكارها للجمهور الخارجي بطريقة منظمة بهدف كسب التأييد الدولي وتصحيح المفاهيم الخاطئة عنها ويتم ذلك عبر بيانات رسمية، حملات إعلامية، أو مقابلات مع وسائل الإعلام.
  3. الدبلوماسية الثقافية، وهي استخدام الثقافة والفنون لتعزيز الفهم المتبادل بهدف بناء علاقات طويلة الأمد بين الشعوب.
  4. التبادل، وهو برنامج يتيح للأفراد أو الخبراء أو الطلاب السفر أو العمل أو الدراسة في دول أخرى بهدف التعلم، وبناء العلاقات وتبادل المعرفة والخبرات مثل المنح الدراسية، والبعثات العلمية، وتبادل الخبراء؛ وذلك يدعم التعاون المستقبلي بين الدول.
  5. البث الدولي، وهو نقل محتوى إعلامي من دولة معينة إلى جماهير دولية خارج حدودها الرسمية عبر وسائل إعلامية متنوعة والهدف هو تشكيل صورة إيجابية عن الدولة، تصحيح المفاهيم الخاطئة، التواصل المباشر مع شعوب الدول الأخرى.

ثانيًا: الجاليات اليمنية في الخارج: الواقع والانتشار

تعد الهجرة اليمنية من أقدم حركات الهجرة في شبه الجزيرة العربية، إذ بدأت منذ القرن التاسع عشر حين اشتهر اليمنيون بالتجارة والعمل البحري، ثم توسّعت الهجرة خلال فترة الاستعمار البريطاني لمدينة عدن منذ 1839م، حيث سافر العديد من البحارة والعمال اليمنيين إلى الموانئ البريطانية واستقر بعضهم في مدن مثل كارديف، ليفربول، جنوب شيلدز، وشيفيلد، لتنشأ بذلك واحدة من أقدم الجاليات اليمنية العربية والإسلامية في بريطانيا[3]، وعلى مرور السنوات التالية، تنوّعت أسباب الهجرة لتشمل البحث عن فرص اقتصادية وتعليمية، بالإضافة إلى الهجرة السياسية لبعض الفاعلين السياسيين بعد أحداث سياسية متعاقبة في اليمن.
مع اندلاع الحرب في اليمن عام 2014، شهدت البلاد موجة نزوح وهجرة غير مسبوقة، حيث اضطر الآلاف إلى مغادرة البلاد بحثًا عن الأمان وفرص العمل والتعليم، لتتوسع الجاليات اليمنية في دول مثل تركيا، ماليزيا، مصر، أوروبا وغيرها من الدول الكثيرة، وقد كان سببها الانعكاسات المباشرة للحرب، وتفاقم الأوضاع المعيشية في الداخل، إضافةً إلى سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة، ما دفع الكثير من الكفاءات والشباب إلى الهجرة القسرية خارج البلاد، وتشير إحصاءات رسمية صادرة عن وزارة شؤون المغتربين أن عدد المغتربين اليمنيين حول العالم يُقدّر بنحو سبعة ملايين مغترب يتوزعون على أكثر من خمسين دولة، تأتي في مقدمتها المملكة العربية السعودية التي تستوعب ما يزيد عن مليون وخمسمائة ألف[4]، إضافة إلى عدد واسع من اليمنيين في تركيا ومصر وبريطانيا وأمريكا.

ثالثًا: دور الجاليات اليمنية في الخارج في خدمة القضية اليمنية

تُعد الجاليات اليمنية في الخارج من الركائز الأساسية التي تسهم في تعزيز مكانة اليمن على الساحة الدولية، ولا يقتصر دور الجاليات اليمنية في الخارج على العمل والعيش في المهجر، بل يمتد ليشمل مساهمتها الفاعلة في خدمة القضية اليمنية، من خلال التعريف باليمن، ونشر الوعي حول أوضاع اليمن، وتقديم الدعم الاقتصادي والمشاركة في الأنشطة التي تعزز الموقف اليمني سياسيًا، ومن أبرز هذه الأدوار:

  1. التوعية والتعريف بالقضية اليمنية، حيث تسهم الجاليات اليمنية في نشر الوعي حول الأوضاع في اليمن من خلال تنظيم الفعاليات الثقافية، والندوات، والمؤتمرات، ومعارض في الدول المضيفة، وذلك لتقديم صورة حقيقية عن معاناة الشعب اليمني، مما يساعد في تصحيح المفاهيم الخاطئة وتوضيح الحقائق للمجتمع الدولي.
  2. التأثير السياسي والدبلوماسي، خاصة مع تراجع حضور الدولة اليمنية في كثير من المحافل الدولية، فقد تحولت بعض الجاليات إلى منابر ضغط مدني تدافع عن القضية اليمنية وتعمل على إيصال صوتها إلى صنّاع القرار في دول الإقامة، ففي تركيا على سبيل المثال عام 2019، نظّم المئات من أفراد الجالية اليمنية في مدينة إسطنبول وقفة احتجاجية للتعبير عن رفضهم لما وصفوه بـ “التدخل الإماراتي في الشأن اليمني الداخلي”، ورفع المشاركون خلال الوقفة شعارات تدعو الأمم المتحدة إلى منع مثل هذه التدخلات، مطالبين مجلس الأمن الدولي بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ممارسات التحالف في اليمن[5]، وهذا الحضور يُعد مثالًا حقيقيًا على أن الجالية اليمنية شريك في صناعة الوعي داخل الوسط اليمني في الخارج، ومع أبناء الشعوب الأخرى في إطار التعريف بالقضية اليمنية.
  3. المشاركة في عمليات التنمية المستدامة، حيث تُظهر الجاليات اليمنية اهتمامًا كبيرًا في دعم مشاريع التنمية المستدامة في اليمن، من خلال استثماراتهم ومشاركتهم في مبادرات تنموية يسهمون في تحسين البنية التحتية وتعزيز الاقتصاد المحلي، مما يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للبلاد، ومن الأمثلة على ذلك وقف أويس القرني في تركيا، وما يمثله من دور تنموي رائد.
  4. الدعم الاقتصادي عبر التحويلات المالية، إذ تلعب تحويلات المغتربين اليمنيين دورًا حيويًا في دعم الاقتصاد الوطني، وتشكل مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة في البلاد، خاصة في ظل تراجع موارد الدولة الأخرى، وقد أكد نائب وزير شؤون المغتربين، د. محمد العديل، أن تحويلات المغتربين تصل إلى نحو 8 مليار دولار سنويًا، مشيرًا إلى أن هذه الأموال تدعم ملايين الأسر اليمنية وتساهم في استقرار العملة الوطنية، كما تمثل ركيزة أساسية في مواجهة التحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب والصراعات الداخلية[6].
الدبلوماسية الشعبية 2 الدبلوماسية الشعبية

رابعًا: الفرص المتاحة للجاليات اليمنية في الخارج

تعد بلاد المهجر فرصة مهمة للجاليات اليمنية لتطوير قدراتها والمشاركة في مجالات مختلفة، خاصة في الدول التي تتميز بالأمن والاستقرار السياسي مثل تركيا ففي تركيا، تتوفر بيئة مناسبة للنشاط الاجتماعي والفكري، كما توجد مؤسسات تركية وعربية تهتم بالقضايا السياسية والفكرية، وتتيح المجال للباحثين والمهتمين بالمشاركة في الندوات والفعاليات وإبراز أصواتهم، ومن هذه المؤسسات مركز مخا للدراسات الذي يُعد من المراكز البارزة في دراسة القضايا اليمنية والإقليمية، ويعمل على تعزيز الوعي السياسي والفكري بين الشباب والمهتمين بالشأن العام، وهذه الفرص تساعد الجاليات اليمنية على أن تكون أكثر فاعلية في خدمة قضاياها، وأن تبني جسور تواصل مع المجتمعات والمؤسسات في الدول المضيفة.

خامسًا: التحديات التي تواجه الجاليات اليمنية في الخارج

تواجه الجاليات اليمنية في الخارج عددًا من التحديات التي تؤثر على فاعليتها السياسية والاجتماعية ودورها في تمثيل اليمن بصورة موحدة، ومن أبرز هذه التحديات ضعف الحيز المدني والسياسي للتعبير، إذ تقتصر أغلب أنشطة الجاليات على المجالات الاجتماعية والثقافية والإغاثية، بينما يظل تأثيرها في الشأن العام محدودًا، نتيجة غياب الأطر التنظيمية أو ربما الخوف من إعادة إنتاج الانقسامات السياسية الموجودة في الداخل.
كما تعاني هذه الجاليات من غياب التمثيل الدبلوماسي الفعّال بسبب ضعف التنسيق مع السفارات والقنصليات، أو خلو بعضها من السفراء لفترات طويلة كما كان في السفارة اليمنية في تركيا، فهذا الأمر يضعف تواصلها مع مؤسسات الدولة ويقلّل من قدرتها على الدفاع عن مصالحها. إلى جانب ذلك يواجه الكثير من أفراد الجاليات صعوبات قانونية وإدارية تتعلق بالإقامة وتصاريح العمل وتحديث الوثائق الرسمية، ما ينعكس على استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي في بلدان المهجر، كما تشكّل الانقسامات السياسية والتجزئة المجتمعية تحديًا إضافيًا ما يؤدي إلى تشتت الجهود وتعدد الولاءات ويعيق تشكيل موقف موحد يمكن أن يعزز التأثير السياسي والدبلوماسي في الدول المضيفة.

خاتمة

لم تعد الدبلوماسية حكرًا على المؤسسات الرسمية والجهات الدبلوماسية، وإنما أصبحت صوت الشعوب الحرة التي تسعى للتغيير، وذلك من خلال الدبلوماسية الشعبية التي كانت ولا تزال أحد أهم الأدوات التي استطاعت من خلالها الجاليات اليمنية في الخارج أن تُسهم في خدمة القضية اليمنية، سواء عبر التأثير السياسي، أو الدعم الاقتصادي، أو من خلال إيصال صوت اليمنيين إلى العالم، وقد انعكس هذا الدور بشكل مباشر في تعزيز الوعي الدولي بمعاناة الشعب اليمني، والدعوة إلى دعم مسارات السلام والاستقرار.
إن مسؤولية شباب اليوم كبيرة أمام هذا الواقع، فواجبهم أن يواصلوا حمل رسالة اليمن بكل وسائل التواصل والتأثير المتاحة، وأن يوظفوا معرفتهم وثقافتهم في خدمة وطنهم وقضيته، ولعل تاريخ اليمن المليء بالتحديات والانتصارات يذكّرنا بأن الأمل لا يغيب، وأن إرادة اليمنيين كانت دومًا مصدر قوة في مواجهة المحن، وهذا كله يدعونا لتعزيز روح المبادرة والعمل الجماعي في أوساط الجاليات، لأن ذلك يمثل الطريق نحو مستقبل أفضل، يليق بتاريخ اليمن وحضارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى