
توطئة:
تحدثنا في الحلقة السابقة عن مقام العبد الرسول الذي اختاره النبي عليه الصلاة والسلام على مقام الملك الرسول، وأوضحنا أن اختياره لهذا المقام ينقض دعاوى كهنة أسطورة العشيرة المقدسة ومزاعمهم في أن النبي عليه الصلاة والسلام يورث كسائر.
وتحدثنا بشيءٍ من التفصيل عن التجلّي الأول من تجليات مقام العبد الرسول، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يملك المال، ولا يملك التصرف فيه إلا تصرفًا مأذونًا له فيه من الله، وبالتالي فلا مال يقتسمه الورثة من بعده.
وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن تجليات مقام العبد الرسول وآثاره المسلكية التي تنقض مزاعم كهنة أسطورة العشيرة المقدسة في وراثة السلطة السياسية (الإمامة) عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالنبي الذي لم يُورِّث دينارًا ولا درهمًا، ما كان له أن يُورِّث مُلكًا وسلطانًا.
من تجليات مقام العبد الرسول
ثانيًا: نفوره عليه الصلاة والسلام عن كل المظاهر والسلوكيات التي قد تُشي بالمُلك، أو قد تخلق في الأذهان انطباعًا ملوكيًا عنه:
وقد تجلّى هذا بوضوح في السلوك والممارسة النبوية، ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتميز بشيءٍ عن أصحابه في مجلسه معهم، مخالفًا بذلك عوائد الرؤساء والملوك؛ ولذا كان إذا أتى الرجل الغريب ووقف عليهم سأل: أيكم محمد؟ وفي ذلك أحاديث ثابتة منها ما أخرجه الإمام البخاري في الصحيح (63) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عَقَلَهُ، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكىء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء… الحديث.
ومن مجانبته عليه الصلاة والسلام لكل المظاهر والرسوم والعوائد الملكية: نهيه للصحابة أن يقوموا له وقوفًا بين يديه، فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: ((ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلموا من كراهيته لذلك)) حديث صحيح، أخرجه أحمد(12367) والترمذي(2754) والبيهقي في الشعب(8537) والبزار(6637)، وابن أبي شيبه (25583) وابن جُميع في معجمه(124).
وأخرج الإمام مسلم(413) وغيره عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه ما يوضح علة تلك الكراهية، وهي المشابهة للملوك في عوائدهم، قال جابر: ((اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمِعُ الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: ((إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا)).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ففي هذا الحديث أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلّل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود))[1].
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله كُل – جعلني الله فداك – متكئًا؛ فإنه أهون عليك. فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض وقال: بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد)) أخرجه البيهقي في الشعب (5975)، وأبو يعلى في مسنده(4920)، والبغوي في شرح السنة (2839)، وهو حديث صحيح بشواهده.
وأخرج الإمام البخاري في الصحيح (5083) وغيره عنه عليه الصلاة والسلام: ((لا آكل متكئًا)).
ولم يقف الأمر عند مجانبة النبي عليه الصلاة والسلام لكل مظهرٍ أو سلوكٍ يُوحي بالمُلك، أو قد يُولّد انطباعًا مُلوكيًا عنه، ولكنه صرح بنفي صفة الملك عن نفسه، جاء ذلك في حديث صحيح أخرجه ابن ماجة في سننه (3312) عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: ((أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلّمه، فجعل ترعد فرائِصُه، فقال له: هَوِّن عليك فإني لستُ بملكٍ، إنّما أنا ابنُ امرأةٍ تأكلُ القَدِيد)).
ومن خلال هذه الأحاديث الصحيحة يتبيّنُ حرص النبي عليه الصلاة والسلام على التحقق بمقام العبد الرسول؛ إذ هو المقام الذي اختاره حين خُيّرَ بين أن يكون عبدًا رسولاً، أو ملكًا رسولاً، وأنه عليه الصلاة كان يحرص على عدم مشابهة الملوك في العوائد والسلوكيات الظاهرة؛ ومن هذا يؤخذ أنه عليه الصلاة والسلام بعيدٌ كلَّ البعد عن شبهة توريث الملك لعشيرته، وهذا ظاهر بأدنى تأملٍ؛ فهو عليه الصلاة والسلام حين رفض كل المظاهر التي قد تُشي بالمُلك، أو تلك التي قد تخلق في الأذهان انطباعًا مُلوكيًا عنه؛ تحققًا منه بمقام العبد الرسول، ودرءًا لشبهة الملك عن نفسه، لا يمكن مع هذه الحال أن يكون حريصًا على توريث عشيرته ملكًا يتوارثونه بينهم من بعده، تحت أيّ مصطلح كان.
لقد كان عليه الصلاة والسلام حريصًا على نفي شبهة المُلك عن نفسه، ولا يستقيم هذا الحرص مع ما يدعيه كهنة أسطورة العشيرة المقدسة أنه كان حريصًا على جعل الإمامة والولاية السياسية من بعده في أحد أفراد عشيرته، ثم في نسل ذلك الفرد من بعده؛ إذ هذه هي أظهر عوائد الملُك، وأقوى سننه، بل هي جوهر المُلك وحقيقته.
فهل يعقل أن يأبى النبي عليه الصلاة والسلام من المشاركة في المظهر، ثم لا يتحاشى بعد ذلك عن الانغماس في الجوهر؟!
إنّ هذه الازدواجية في السلوك لا تليق بأصحاب الأخلاق الرفيعة، والعقول الكاملة، فكيف بالنبي الخاتم المطبوع على أرفع الأخلاق، وأكرم الشمائل والصفات، ويكفي في ذلك شهادة رب العالمين له بقوله: )وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ( (القلم/4).
وإذن فنحن أمام حقيقةٍ ساطعة تبدد كل أوهام أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، حقيقة تفصح عن نفسها بأوضح بيان، وتقول بأفصح لسان: لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام عبدًا رسولاً، لا ملكًا رسولاً، وكانت غايته متجردة لتبليغ رسالة ربه، وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولم يكن من أهداف رسالته التأسيس لسلطة وراثية، ولا شرعنة الطبقية والعنصرية، بل هو عليه الصلاة والسلام بريء من ذلك كل البراءة، ومنزه عن ذلك بأسمى معاني التنزيه.
لفتة ذكية من لفتات شيخ الإسلام ابن تيمية
لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لفتات ذكية قلّ أن توجد لغيره، ومن ذلك لفتته إلى أن مقام العبد الرسول ينقض دعوى الحق الإلهي المزعوم في السلطة لقرابة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك يقول:
((إن الله خيّرَ محمدًا بين أن يكون عبدًا رسولاً، وبين أن يكون ملكًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً، وتولية أبي بكر وعمر بعده من تمام ذلك؛ فإنه لو قدم أحدًا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن أنه كان ملِكًا، كما أنه لو وَرّث مالاً لورثته لكانت شبهة لمن يظن أنه جمع المال لورثته، فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته، ولا خلف لهم مالاً؛ كان هذا مما يبين أنه كان من أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال، وإن كان ذلك مباحًا، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء، بل كان عبد الله ورسوله))[2].
وهكذا يتبين أن إعراض النبي عليه الصلاة والسلام عن مقام الملك الرسول، واختياره لمقام العبد الرسول، فيه دلائل مسلكية تنسف أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة التفويض الإلهي الذي يخولها وحدها تولي مقاليد الزعامة الروحية والسياسية بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام.
لقد اختار عليه الصلاة والسلام مقام العبد الرسول على مقام الملك الرسول، فلم يكن ملكًا، ولم يكن من أهدافه، ولا من سيرته، ولا من دعوته، أن يؤسس ملكًا وسلطانًا للعشيرة من بعده.
ومن زعم أنه كانت للنبي عليه الصلاة والسلام نية أو إرادة في جعل عشيرته من بعده طبقة متميزة، أو في تمكينها من مقاليد السلطة في حياته أو بعد وفاته، فهو جاهل جهلاً مطبقًا بحال النبي عليه الصلاة والسلام وسيرته، وبمضامين ومبادئ الرسائل الخاتمة.
وهنالك مسألة يتعلق بها معتنقو أسطورة العشيرة المقدسة صاحبة الحق الإلهي المزعوم في السلطة، وهي مسألة اشتراط القرشية فيمن يتولى أمر الولاية العامة للمسلمين؛ ولأن تفنيد الأسطورة لا يكتمل دو التطرق إليها، فسيكون حديثنا في الحلقة القادمة – بمشيئة الله تعالى – عن هذه المسألة، ودحض كل الأباطيل التي بنيت عليها.
[1] شيخ الإسلام ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ط دار الجيل، بيروت، لبنان، ط1، ص77.
[2] شيخ الإسلام ابن تيمية: منهاج السنة النبوية. تحقيق: د. محمد رشاد سالم، ط مؤسسة قرطبة ، ط1، (7/342).
