فكر

جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية..

كتاب مستقبل العلاقة مع الشيعة أنموذجًا (ج2)

مكامن الخلل في الفكر الأشعري ذات العلاقة بالوعي المنقوص تجاه الشيعة الإمامية:

يمكن ارجاع مكامن الخلل الفكري في المنهج الأشعري التي أثمرت تراخيًا وتساهلاً مع انحرافات وكفريات الشيعة الإمامية، وأنتجت ترددًا وتلجلجًا  وتمييعًا في مسائل حقها الوضوح والحسم والقطع، إلى ثلاث قضايا رئيسة: الإرجاء، والقصور في فهم وتقرير توحيد العبادة، والتصوف، وسنأخذها واحدة.. واحدة.. وبإيجاز؛ إذ لا يتسع المقام هنا لبسط القول فيها، ونحن في مقام التنبيه المُجمل، لا في مقام النّقد والتشريح المُفصّل:

أولاً: الإرجاء:

في مسائل الإيمان والكفر، لدينا اتجاهان هما طرفا نقيض: اتجاه التكفير بالمعاصي الذي يمثله الخوارج، واتجاه آخر يمثله المرجئة الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان، وحصروا الإيمان في المعرفة القلبية فحسب، وزعم غلاتهم أنه مهما أتى المسلم من أفعال كفرية وشركية، فإنه لا يكفر طالما وهو مصدق بقلبه بوجود الله ووحدانيته!

تعد ظاهرة الإرجاء من أخطر الظواهر في الفكر الإسلامي؛ لأنها أفرغت الإسلام من مضامينه العملية، ثم تمادى الحال بأهلها إلى اسباغ اسم الإسلام على من يأتون بنقائضه في الاعتقاد والقول والعمل طالما وهم يقولون: لا إله إلا الله!

وهكذا أحالت فكرة الإرجاء الإسلام  دينًا هلاميًا بلا معالم ضابطة، ولا حدود فارقة، وأسبغت الشرعية الدينية على الدخلاء عليه بالأفكار والعقائد الضالة الوافدة، والمبدلين لشرائعه والمتحللين من أحكامه بالتأويلات الفاسدة.

في البدء كان اعتناق فكرة الإرجاء هروبًا من التكفير بالمعصية، ثم صارت الفكرة مظلةً لتمييع الدين، وذريعة للتحلل من قواطعه العقدية والعملية، وكان لابد أن يرافق ذلك عملية فكرية واسعة لتحريف مفاهيم الدين وطمس معالمه.

إن الفرار من بدعة إلى بدعة، أو مقابلة البدعة ببدعة، قد جر إلى ساحة الفكر الإسلامي كثيرًا من البلاء، ومن ذلك الفرار من بدعة التكفير بالمعصية إلى بدعة التساهل مع الكفر الصريح، والتلبيس على الناس بعدم التفرقة بين حال المسلمين وحال المشركين!

وافقت الفكرة الإرجائية هوى النفوس الواهنة، والعزائم المنحلة؛ إذ هي في بعدها النفسي تحرف بوصلة التفكير من الاتجاه نحو العمل على تغيير وإصلاح الواقع، إلى اتجاه تبرير الواقع المنحرف، والرضا به، والتعايش معه..

يقدم الفكر الإرجائي الإيمان في صورة باهتة جامدة.. مسألة تقبع في ضمير صاحبها، ويهيمن عليها الجمود فلا تزيد ولا تنقص، والعمل زيادة خير، وليس قضية لازمة، ولا جزءًا أصيلاً من الإيمان، والنواقض العملية مهما بلغت لا تفيد حكمًا بانتقاض الإيمان وزواله!

ينتفض المرجئي كالممسوس عند الحديث عن نواقض الإسلام، وعند الحديث عن أنواع الشرك والكفر وتجلياته، ويتهم من يتصدى لبيان ذلك بتكفير المسلمين!

يخلط المرجئي بين تصحيح حقائق الدين في القلوب والأذهان وبين تكفير الأعيان، ويفضل البقاء في المنطقة الرمادية، حيث يمكنه تحريف حقائق الدين الجوهرية، والتعمية على قضاياه الأساسية، ومحو الفروق بين الإيمان والكفر، وبين التوحيد والشرك!

وقد تسلل الإرجاء إلى الفكر الأشعري، وصار هو معتمد المذهب، ومنشأ الخلل جاء من تعريف الأشاعرة للإيمان بأنه التصديق القلبي، وإخراجهم للعمل من مسمى الإيمان، حتى إنهم اختلفوا في مسألة النطق بالشهادتين، وهل هي لازمة لقبول الإيمان عند الله أم لا؟ والمعتمد في مذهب الأشاعرة أن التصديق القلبي كاف وحده في النجاة عند الله، وأن النطق بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وعلى مذهبهم هذا يكون عم النبي أبو طالب ناجيًا عند الله ومن أهل الجنة؛ إذ هو من أهل التصديق القلبي، وبالتالي فما كان  ثمة داعٍ لحرص النبي على نطقه بالشهادة!

 قال صاحب الجوهرة:

وفسر الإيمان بالتصديق
والنطق فيه الخلف بالتحقيق

ولن نخوض الآن في جدل حول معنى الإيمان، وهل تفسيره بالتصديق دقيق أم لا، ولكن نقول: إن كان  الإيمان هو التصديق كما يقولون فهو لا ينحصر في تصديق القلب، بل هو تصديق القلب واللسان والجوارح، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) رواه الشيخان، ولم يأمر الله ولا رسوله بتصديق مطلق، ولكنه تصديق خاص، له قيود، وحدود، وشرائط، ونواقض.

إن الإيمان له حقيقته الشرعية المستفيضة في نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح من هذه الأمة، وهي أنه: اعتقاد وقول وعمل، ومن العبث أن يتم الاقتصار على المعنى اللغوي وحده في تقرير حقيقة وماهية الإيمان؛ ذلك أن المفاهيم الشرعية لا تقوم على المعاني اللغوية وحدها، وعلى سبيل المثال لدينا المباني الأربعة: الصلاة والصيام والزكاة والحج، فهذه لها معانيها اللغوية وحقائقها الشرعية، والمسلمون مجمعون على فهمها في ضوء الحقيقة الشرعية، لا الحقيقة اللغوية وحدها.

لقد كانت فكرة الإرجاء تقبع في زوايا البدعة المذمومة، والرأي الشاذ المقموع، حتى جاء الأشاعرة فحملوا الفكرة على بساط علم الكلام، وأشاعوها في الأمة، وظاهرهم على ذلك الماتريدية، فاستطال الإرجاء وعظم أمره، وفشا خطره، وأصبح وباءً فكريًا عامًا في الأمة..

في رسالته للدكتوراه الموسومة ب (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) خلص الدكتور سفر الحوالي إلى أن ظاهرة الإرجاء العامة في طورها النهائي عبرت عن نفسها من خلال مذهبي الأشاعرة والماتريدية، لتشكل سمة بارزة للانحراف في الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية عامة[1] .

ينبوع الانحراف الأصولي المعاصر نظرةٌ في الواقع المعيش جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية..

ثانيًا: ضعف الاهتمام بتقرير توحيد العبادة:

إن أخطر قصور منهجي وقعت فيه المدرستان الكلاميتان: المعتزلية والأشعرية هو القصور عن تحقيق توحيد الألوهية (توحيد العبادة)، وانشغالهم عنه بجدل سقيم حول الصفات الإلهية، واعتقادهم أن إثبات واجب الوجود (الله) هو الغاية!

 وعن هذا القصور يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((قصروا في التوحيد فظنوا أن كمال التوحيد هو توحيد الربوبية، ولم يصعدوا إلى توحيد الإلهية الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وذلك أن كثيرًا من كلامهم [يعني الأشاعرة] أخذوه من المعتزلة، والمعتزلة مقصرون في هذا الباب، فإنهم لم يوفوا توحيد الربوبية حقه، فكيف بتوحيد الألوهية))[2].

يتضمن التوحيد ثلاث قضايا دل عليها استقراء نصوص القران والسنة: توحيد الربوبية المتضمن توحيد الله في الخلق والمُلك والتدبير، وتوحيد الألوهية المتضمن توحيد الله في القصد والتوجه، وإن شئت قلت توحيد العبادة، وتوحيد الله في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، المتضمن اثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه.

إن كلمة (إله) جاءت على وزن فِعال بمعنى مفعول؛ أي: مألوه، والمألوه هو المعبود بكمال الحب مع كمال الخضوع. ولا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله. قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (الحج: 62).

   ولهذا نظائر في اللغة – أعني مجيء كلمات على وزن فِعال بمعنى مفعول-    نحو: فراش على وزن فعال بمعنى مفعول: أي مفروش. وبساط على وزن فعال بمعنى مفعول: أي مبسوط، ومهاد على وزن فعال بمعنى مفعول: أي ممهود …الخ

إن توحيد العبادة ليس إلا حقيقة التأليه التي يكمن جوهرها في التعلق بالإله المعبود محبةً ورجاءً وخشيةً وتعظيمًا وتوكلاً وثقةً واستعانةً واستمدادًا، وهو الذي يحرر النفس الإنسانية من التعلق بغير الله، ويزكيها، ويرتقي بها في معارج الكمال، وكل العبادات التي فرضها الله الغاية منها بناء معاني التأليه في نفس المسلم، وللأستاذ غازي التوبة كتاب قيم عنوانه: (في مجال العقيدة.. عرض ونقد) سلط فيه الضوء على الفرق بين منهج القرآن في تقرير العقيدة القائم على بناء معاني التأليه في نفس المسلم، وبين المنهج الأشعري الكلامي البعيد عن تقرير وبناء تلك المعاني.

إن توحيد العبادة ليس مجرد طقوس وشعائر تؤدى، ولكنه توجيه لكل المشاعر القلبية نحو الإله الواحد المعبود، بلا واسطة ولا كهنوت، فيتحرر الإنسان من الخرافات والأساطير، ومن الدجالين الذين يدعون أن بيدهم مفاتيح الملكوت، وأسرار الألوهية، ليستنزفوا بتلك الادعاءات والأوهام أموال الناس، كما يستنزفون ويبددون طاقاتهم الروحية والنفسية في دروب الضلالة، ومسالك الخرافة.

إن الافتقار الذاتي الملازم لكل إنسان يجعله يطلب إلهًا يجبر كسره، ويقوي ضعفه، ويقضي حوائجه، ولذلك أكثر ما يظهر الشرك في الدعاء، وقد أولى القران عنايته للدعاء، واعتبره جوهر العبادة التوحيدية كما في قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر/٦٠). وجاء في الحديث الصحيح: ((الدعاء هو العبادة)) أخرجه الأربعة، وقال عليه الصلاة والسلام لابن عباس: ((يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)) حديث صحيح أخرجه الترمذي وغيره.

العودة الطارئة للوحي جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية..

توحيد العبادة في القرآن الكريم:

إن توحيد العبادة الذي لم يعتنِ الأشاعرة بتقريره وتحرير مسائله والذود عنه، هو قضية الأنبياء والرسل مع أقوامهم، وهو جوهر  الديانة الإسلامية التوحيدية ولبها، وهذه قضية واضحة في القرآن كل الوضوح، وبيان ذلك في النقاط الموجزة التالية:

  • بعث الله الأنبياء والرسل لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، ونبذ الشركاء والأنداد الذين اتخذوهم مع الله، وقد أفصح القران في مواطن كثيرة عن هذا المقصد، ومن ذلك قوله تعالى:  (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) (النحل/36)) وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25).
  • لم يكن الخلاف بين الرسل وأقوامهم المشركين حول إثبات واجب الوجود (الله)، ولا حول أن الله هو خالق الكون ومدبر أمره، بل هم كانوا مقرين بذلك، معترفين به، ولكن ذلك الإقرار لم ينفعهم شيئًا، لما أشركوا مع الله غيره في العبادة، وهذا المعنى جاء مقررًا في عددٍ من الآيات القرآنية كقوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت/٦١). وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت/62). وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان/25). وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر/38). وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف:9). وقوله: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (يونس:31).
  • وإذن فلم يكن الخلاف مع المشركين حول الإقرار بوجود الله وأنه خالق الخلق والمتصرف فيهم، وإنما كان الخلاف معهم حول إفراد الله بالقصد والتوجه، قال تعالى:  (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) (غافر/12).  وقال سبحانه: (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً) (الإسراء: ٤٦). وقال جل شأنه: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ( الزمر: ٤٥). وقال عز شأنه: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) (يوسف: 106).
  • حكى القران جوهر الخلاف وحقيقته بين الرسل وأقوامهم المشركين وأنه كان خلافًا حول إفراد الله بالقصد والتوجه كما في قوله تعالى: (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الأعراف/٧٠).
  • كان المشركون يدركون معنى لا إله إلا الله، وأنها تعني لا معبود بحق إلا الله، والتبرؤ من كل معبود سوى الله، كما دل عليه قوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ*  وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ)(الصافات/ 35- 36).
  • رفض القرآن تبرير المشركين لشركهم أنهم يفعلونه تقربًا إلى الله بالوسائط، وأكفرهم وكذبهم في ذلك الادعاء، فقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ* أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر/2-3).

ومن خلال ما سبق يتضح أن مسألة إفراد الله بالقصد والتوجه والدعاء، وتعليق القلوب به محبةً ورجاءً وخشيةً وتوكلاً واستعانة، هي مسألة جوهرية في القران الكريم، وأنها لب التوحيد، والغاية التي خلق الله لأجلها الخلق، كما دل عليه قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56).

وهكذا أولى القران عنايةً كبرى لبناء معاني التأليه في نفس المسلم، وصناعة النفس التوحيدية المتحررة من التعلق بغير الله، ومن كل أشكال وصور الوثنية والخرافة.

حتى لا تنطفئ الدنيا جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية..

والسؤال هنا: كيف تسلل الخلل إلى الأشاعرة في فهم قضايا التوحيد حتى صارت قضية توحيد العبادة مهملة أو شبه مهملة في الفكر الأشعري؟

غالبًا ما تبدأ الانحرافات الفكرية من ضعف العناية بتحرير المفاهيم، وهذا ما حصل لدى الأشاعرة الذين لم يعتنوا بتحرير معنى الإله ومفهوم الإلهية؛ فزعموا أن الإله هو: القادر الاختراع، وأن معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله!

وتأسيسًا على هذه الرؤية للألوهية عند كثير من الأشعرية حصل القصور عندهم في تحقيق توحيد العبادة، وتحرير مسائله، وقاد هذا الخلل إلى التساهل مع كثير من صور الشرك في العبادة، والتماس المبررات لها، والدفاع عنها.

يشتمل التوحيد عند الأشاعرة على ثلاث قضايا رئيسة، هي:

1/ أن الله واحد في ذاته لا قسيم له.

2/ أن الله واحد في صفاته لا شبيه له.

3/ أن الله واحد في أفعاله لا شريك له.

هذا هو التصور الكلي للتوحيد عند الأشاعرة، وهو تصور يخلو من توحيد العبادة؛ ذلك أن الإله عندهم هو القادر على الاختراع (الخالق) لا المألوه: أي  المعبود بكمال الحب مع كمال الخضوع!

والإنصاف هنا يقتضي منا القول: إنه مع هذه الرؤية العامة المختلة فهنالك من علماء الأشاعرة من أشاروا بوضوح إلى توحيد العبادة كالباقلاني من المتقدمين (ت403هــ) الذي عرف التوحيد بقوله: ((ويجب أن يعلم أن صانع العالم جلت قدرته واحد أحد، ومعنى ذلك: أنه ليس معه إله سواه، ولا من يستحق العبادة إلا إياه))[3].

ومن متأخريهم الباجوري (ت1277هـ) الذي عرف التوحيد بأنه: ((إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته، والتصديق بها ذاتًا وصفاتٍ وأفعالاً))[4].

لكن هذه الومضات المتفرقة لم ينتج عنها تعديل في المنهج الكلي والرؤية العامة للتوحيد عند الأشاعرة، ولهذا بقي القصور في تحقيق وتقرير مسائل توحيد العبادة هو الطابع الغالب على مذهب الأشاعرة، حتى لا تكاد ترى أشعريًا يحذر من مظاهر الشرك في العبادة وذرائعه وأسبابه، بل رأينا بعض أعلام الأشاعرة لا سيما ذوي النزعة الصوفية منهم يكتبون مدافعين عن بعض مظاهر الشرك في العبادة.

ولم نر للأشاعرة مصنفات مفردة في توحيد العبادة، ولا حتى أبوابًا تتناول هذا التوحيد في مصنفاتهم العقدية، ورأينا أعظم ما يعتنون به القسم الثالث من أقسام التوحيد عندهم: (أن الله واحد في أفعاله لا شريك له)، ويعبرون عنه بقولهم: لا فاعل إلا الله! ويعتبرونه لب التوحيد وجوهره، ومن مبالغتهم في تقريره نفيهم لفاعلية وتأثير الأسباب! أي نفي السببية التي دل عليها العقل والشرع! فالماء عندهم لا يروي، والطعام لا يشبع، والنار لا تحرق، وإنما يخلق الله الري والشبع والإحراق عند مباشرة هذه الأسباب، دون أن يكون لها أي تأثير في حصول النتائج!

ومن قال إن النار تحرق، أو إنها علة الإحراق، فهو عندهم كافر مشرك! لأنه لا فاعل عندهم إلا الله! ومن قال: إن النار تحرق بقوة أودعها الله فيها، فهو عندهم ضال مبتدع!

ومن متونهم في هذا:

ومن يقل بالطبع أو بالعلة
فذاك كفر عند أهل الملة
ومن يقل بالقوة المودعة
فذاك بدعي فلا تلتفت له

وفكرة نفي فاعلية الأسباب، وأنه لا فاعل إلا الله، تلتقي مع المشرب الصوفي الحلولي، ولا عجب؛ فلقد امتزج التصوف بالمذهب الأشعري، وتغلغل فيه، وذلك مكمن آخر من مكامن الخلل التي أورثت الأشعرية انبطاحًا وضعفًا أمام الشيعة الإمامية، كما سنبينه في الفقرة التالية: 

ثالثًا: التصوف:

امتزج المذهب الأشعري بالتصوف منذ وقت مبكر، ونذكر هنا دور أبي القاسم القشيري (ت465هــ) وهو صاحب دور محوري في هذا من خلال مؤلفاته التي مزج فيها بين العقيدة الأشعرية والتصوف، كالرسالة القشيرية، ولطائف الإشارات وغيرها.

ثم جاء من بعده الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله (ت505 هــ) فأكد ذلك الامتزاج، وقرره أبلغ تقرير في سائر مصنفاته، لا سيما في كتابه: (إحياء علوم الدين).

وقد عبرت كتب العقيدة الأشعرية لاسيما المتأخرة عن ذلك التمازج بين العقيدة الأشعرية والمفاهيم الصوفية، ويمكن أخذ (تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد) للشيخ الباجوري (ت١٢٧٧هـ) مثالاً على ذلك.

وليس يخفى على الباحثين في مجال الأديان والفرق تلك الصلة الوثيقة بين التشيع والتصوف، وقد تحدث عنها عدد من الأئمة كالإمام ابن حزم في الفِصَل، والإمام ابن تيمية في غير موضع من كتبه، وكتب حولها عدد من الباحثين مؤلفات مستقلة، كالأستاذ الدكتور كامل مصطفى الشيبي في  كتابه: (الصلة بين التصوف والتشيع)، و كتابه الآخر: (الفكر الشيعي والنزعات الصوفية حتى مطلع القرن الثاني عشر الهجري)، والباحث فلاح بن إسماعيل أحمد في رسالته للدكتوراه: (العلاقة بين التشيع والتصوف). والشيخ محمد فاضل التقلاوي في كتابه: (الشيعة والتصوف في بلاد النوبة) وقد طبع بتحقيق الأستاذ الدكتور ناصر العقل. وتناولها آخرون باستفاضة كالشيخ إحسان إلهي ظهير في كتابه: (التصوف.. المنشأ والمصادر)، والشيخ عبدالرحمن عبدالخالق في كتابه: (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة)، والباحث محمود المراكبي في كتابه: (ظاهر الدين وباطنه).

مستقبل العلاقة مع الشيعة جذور الوعي المنقوص لدى الأشاعرة المعاصرين تُجاه الشيعة الإمامية..

كيف انعكست نقاط الضعف تلك على كتاب مستقبل العلاقة مع الشيعة؟

كما أسلفنا فإن الرؤية الأشعرية المعاصرة تجاه الشيعة الإمامية تتسم بالقصور والضبابية والتفريط، وهي رؤية تنبع من مكامن الخلل المستوطنة في المذهب الأشعري: الإرجاء، وتهميش توحيد العبادة، والتصوف، ومما زاد الطين بلة: التشيع السياسي، وإن كان التشيع السياسي وباءً عامًا لدى أهل السنة بمختلف مدارسهم.

وفي كتاب (مستقبل العلاقة مع الشيعة) للشيخ الدكتور سعيد فودة ظهرت هذه العلل الثلاث كأوضح ما تكون؛ ذلك أن مؤلف الكتاب متكلم أشعري، ويصدر عن العقيدة والرؤية الأشعرية.

الإرجاء:

ولنبدأ من علة الإرجاء، فالمؤلف مع استعراضه لعدد من العقائد الكفرية التي انطوى عليها مذهب الشيعة الإمامية، كالقول بتحريف القران، وتكفير جمهور الصحابة، لم يبين الحكم الشرعي فيها، وبدلاً من تسمية الأشياء بأسمائها، ذهب يصفها بالمواقف الخطيرة!  (ص ٧٣-٧٤).

وقبل ذلك ذكر طعن الشيعة الإمامية في جمهور الصحابة وتكفيرهم، واصفًا إياه بــ (الاتهامات الخطيرة)! (ص: ١٦)

والتعبير عن الكفر الصريح بــ (المواقف الخطيرة) و (الاتهامات الخطيرة) ليس إلا تعمية وتجهيلاً بالحكم الشرعي، وهذه اللغة قد نقبلها من مشتغل في مجال الصحافة، وأما المشتغل بالعلوم الشرعية لاسيما علم العقائد كحال المؤلف فحري به أن يسمي الأشياء بمسمياتها: إيمانًا وكفرًا، وتوحيدًا وشركًا، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، فهذا هو البيان الذي تبرأ به الذمة، وتقوم به الحجة.

وقد أحسن المؤلف حين تحدث عن عقيدة وحدة الوجود لدى الشيعة الإمامية الإثني عشرية وعن رواج هذا المعتقد لدى متأخريهم، وإن كان لم يقل كلمة واحدة في بيان ضلال وكفر هذا المعتقد! (ص:٣١- ٣٢).

وهكذا سائر العقائد الكفرية الأخرى غاب توصيفها الشرعي الواجب بيانه، وغاية ما فعل المؤلف أن يصفها بالخطورة!

ولا نرى سببًا لهذا التحوط في غير موضعه، وهذه التعمية على كفريات القوم، سوى لوثة الإرجاء التي استشرت في المذهب الأشعري.

ولعل سؤالاً ينقدح في ذهن القارئ:  ما الذي يجعل بعضًا أو حتى كثيرًا من الشيوخ يصرون على أن الملة الرافضية مذهب من مذاهب المسلمين على الرغم من اعترافهم بما تحويه من كفريات وشركيات واضحة ومجمع عليها ولا تحتمل التأويل؟

والجواب: أن الملة الرافضية هي ديانة تركيبية من العقائد الغنوصية الباطنية ومن بعض الشعارات والمظاهر الإسلامية، فمن نظر إلى جوهرها وحقيقة عقائدها وإلى جذور تلك العقائد وإلى افرازاتها الشركية والكفرية في الواقع، أدرك إدراكًا لا يخالطه شك أنها ملة كفرية وثنية قامت على تحريف الإسلام وطمس حقائقه وتبديل جوهره، مع الحقد الشديد على أهله.

ومن نظر إلى بعض الشعارات والمظاهر التي تتمسح بالإسلام حكم بأن الملة الرافضية من جملة مذاهب أهل الإسلام، وهذا إنما يقع ممن لم يملك من عمق المعرفة ونفاذ البصيرة ما يجعله يقف على حقيقة  الملة الرافضية وجذورها الغنوصية، أو كان صاحب هوى أعماه هواه عن رؤية الكفر القبيح والشرك الصريح، أو كان من غلاة المرجئة الذين يعتقدون أن حقيقة الإيمان تكمن في المعرفة القلبية أو الإقرار اللفظي بوجود الله ووحدانيته، وإن كان ذلك الإقرار اللفظي لا حقيقة ورائه، بل هو منقوض ومجتث من أصله بجملة من العقائد والممارسات الكفرية والشركية، كما هو الحال لدى أتباع الملة الرافضية.

وقديمًا كان العلماء العارفون بمذهب الجهمية يصرحون بكفرهم بلا مواربة، بينما كان المرجئة والجاهلون بمقولاتهم في ريبهم يترددون، ورحم الله الإمام البخاري حين أبدى تعجبه من جفول البعض عن الحكم بالكفر على الجهمية، فقال:((نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم، إلا من لا يعرف كفرهم))[5].

إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره،  والمشايخ الذين يزعمون أن الملة الرافضية مذهب من مذاهب الإسلام يجهلون حقيقة الملة الرافضية جهلاً مطبقًا، ورحم الله الإمام عبدالرحمن بن مهدي فقد كانت الرؤية واضحة عنده حين قال: ((هما ملتان: الجهمية والرافضة))[6].

توحيد العبادة:

وأما غياب توحيد العبادة عن مباحث كتاب (مستقبل العلاقة مع الشيعة) فهو أمر يثير في النفس الأسى! فالمؤلف لم يتعرض بكلمة ولا بشطر كلمة للشركيات الاعتقادية والعملية في توحيد العبادة عند الشيعة الإمامية، مع كونها أظهر من عين الشمس!

تحدث المؤلف عن أن الإيمان بالله يمثل جامعًا مشتركًا بين الشيعة الإمامية وأهل السنة!

والإيمان الذي يتحدث عنه المؤلف هنا هو الإيمان الأشعري المحصور في التصديق القلبي أو في المعرفة القلبية حسب تعبير الجهمية، وليس الإيمان الذي جاء به القرآن وجاءت به السنة!  ليس إيمان القلب واللسان والجوارح! ليس الإيمان الذي أوضح الكتاب وأوضحت السنة معالمه ولوازمه وشرائطه ونواقضه!

وجريًا على طريقة المتكلمين في تناول مسألة الإيمان بالله قفز المؤلف مباشرة إلى الحديث عن مسألة الصفات الإلهية، ليحدثنا عن أن الشيعة الإمامية يوجبون اللطف على الله، وكذا حدثنا عن نفيهم لبعض الصفات، ثم قال مهونًا من شأن ذلك الخلاف: ((ينبغي ملاحظة أن هذه الخلافات لا تزيد هنا في جملتها على الخلافات الحاصلة بين السنة والمعتزلة من قبل، وبين الزيدية والإباضية ونحوهم من فرق الإسلام)) (ص: ٣١).

 لم يتحدث المؤلف عما يوجبه الإيمان بالله من الاعتقاد بالربوبية والألوهية!

ولم يتعرض بالنقد لاعتقادات الشيعة الإمامية الكفرية والشركية ذات الجذور الباطنية (الغنوصية)، تلك الاعتقادات التي تنقض جوهر الإيمان بالله ربًا خالقًا مدبرًا متصرفًا في الكون، وإلهًا معبودًا هو المستحق وحده لكل أنواع العبادة!

في واحد من هوامش الكتاب (ص:51 – 53) نقل المؤلف بعض النقولات عن الشيعة الإمامية حول الولاية التكوينية، ولم يتعقبها بشيء! وغاب عنه كما غاب عن  كثيرين غيره الأصل الغنوصي لهذه العقيدة الفاسدة التي جعلت من (الأئمة) أربابًا مع لله، يتصرفون في الكون، ويتحكمون في كل ذرة من ذراته، كما نص على ذلك الخميني في كتابه: (الحكومة الإسلامية) وقال إن هذا المعتقد من الضروريات في مذهبهم!

وإن تعجب فالعجب  كله من الأشاعرة الذين قرروا نفي الارتباط الضروري بين الأسباب وحصول النتائج، نشدانًا منهم لتحقيق التوحيد! ثم هم بعد ذلك يدسون رؤوسهم في الرمال حين يرون الكفر الواضح الصريح والشرك المعلن القبيح، الذي جاءت الأنبياء والرسل بإنكاره، والبراءة من أهله!

لم ينتقد المؤلف على الشيعة الإمامية تأليههم لــ (الأئمة) وعبادتهم للقبور، ولا جرى في كتابه كله أي ذكر لما يفعله الشيعة الإمامية من دعاء الأموات والاستغاثة بهم وطلب قضاء الحوائج منهم من دون الله!

ولا تعرض أدنى تعرض لما يوجبه الإيمان بالله جل جلاله من تعلق القلوب به محبة وخوفًا ورجاءً ودعاءً، وأن ذلك هو حقيقة التوحيد وجوهر دين الإسلام!

التصوف:

سبقت الإشارة إلى ذلك الارتباط والامتزاج الحاصل بين الأشعرية والصوفية، وعندما نرى بعض الأشاعرة يغض الطرف عن شرك العبادة الذي يمارسه الرافضة ويتجاهله كأن لم يكن، بل وحتى يغض الطرف عن الشرك في الربوبية، فإن هذا المسلك ليس معزولاً عن المشرب الصوفي الذي انغمس فيه كثير من الأشعرية، وواقع الحال المؤسف أن الشركيات القبورية التي يتدين بها الرافضة نجد بعض أمثالها لدى الصوفية، واللبس والالتباس واقع فيها لكثير من صوفية الأشاعرة الذين صاروا يدافعون عنها، ويلتمسون لها المبررات الواهية؛ ذلك أن  فكرة التقرب إلى الله بالوسائط، وجعل تلك الوسائط آلهة أو أنصاف آلهة مع الله، هي فكرة استقاها الشيعة والصوفية من ذات المنبع الغنوصي النافر من التوحيد، فمستقل ومستكثر.

ومما سبق يتبين أن الفكر الأشعري حوى ثلاث ثغرات خطيرة وهي: الإرجاء، وضعف الاهتمام بتوحيد العبادة، والتصوف، وقد أدت هذه الثغرات إلى ضعف الموقف الأشعري تجاه الشيعة الإمامية ضعفًا وصل حد التمييع والتفريط بأصل الدين المتمثل بإخلاص العبودية لله، وحد التغاضي عن العقائد الكفرية والشركية التي لا تحتمل التأويل، كما أتاحت هذه الثغرات للتشيع  الرافضي – ضمن عوامل أخرى – اختراق المجتمعات الإسلامية، حتى  وصل ذلك الاختراق إلى معاقل المؤسسات الأشعرية الكبرى كالأزهر الشريف، والبعض هنا يتحدث عن الإغراءات المالية، وقد يكون هذا صحيحًا في استقطاب بعض الأزهريين، ولكن تبقى القابلية للتشيع من خلال الثغرات الموجودة في جدار الفكر الأشعري هي الأخطر، وهي الأساس في ذلك التمدد والاختراق فيما نحسب.

في الحلقة القادمة ستكون لنا وقفات مع مقاربة المؤلف حول التعايش مع الشيعة الإمامية.


[1] د.  سفر الحوالي: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي، دار الكلمة للنشر والتوزيع، ط1، 1420هـ/1999م، ص٢٨٦.
[2] شيخ الإسلام ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، ط دار الكتاب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1420هـ/1999م،  (2/91).
[3] القاضي أبو بكر الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به.  تحقيق: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية  للتراث، ط2، 1421هـ/2000م، ص32.
[4] الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد الشافعي الباجوري: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1424هـ/ 2004م. (ص: 18).
[5] الإمام البخاري: خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل. مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان،ط3، 1411هـ/1990م،  ص11.
[6]المرجع السابق، ص13.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى