أدب

المنفى الذي هاجر معه

فصل الحكاية الأول:

تعرفتُ علىٰ رفيقٍ في ريِّقِ الشَّباب، ما رأيتُ أحسنَ منه، علمًا؛ وأدبـًا، بيد أنه كانَ كارهًا للمدينة، لا يطيقُ البقاء فيها، يحلمُ يومه كله بتركها، والرَّحيل بعيدًا عنها إلىٰ عالمٍ آخر.

لا أدري كيفَ تسللت فكرة الرحيل إلىٰ فتىً في صدْرِ الحياة، ما رأىٰ شيئًا من معاناتها ولأوائها. تصخَّمت الفكرةُ في وجدانه، أنهىٰ المرحلة الإعدادية، وسافرَ إلىٰ بلادِ الأحلام!

بعد سنةٍ ونصف، قدِمَ شاب من تلكَ البلاد يحملُ رسالة من صديقنا، أسطوانة (CD)، واحدة باسمي، وأخرىٰ للأصدقاء، هرعنا إلىٰ أقرب مقهى للإنترنت، فتحنا الأسطوانة، ظهر صديقنا خلف عمارة شاهقة، فشهقَ الجميع، ثمَّ ظهر بجوار سيارة فاخرة، فتعالت الأصوات، ثمَّ امتدَّ بنا النظر بينَ شهيقٍ واندهاشٍ وإعجاب.

شغلني شاغلٌ عن فتحِ الأسطوانة الخاصة بي، فتحتها وحدي بعد أسبوع، ظهر لي ملف وورد، وحيد، فتحته، وإذا به رسالة منه، يقول فيها بعد التَّحية والسَّلام:

«الصور التي أرسلتها لم تكن حقيقية، منذ مدة وأنا أسعىٰ للذهابِ إلىٰ هذا المكان الفاره لألتقطَ بعض الصور لكم ولأمي، حانت فرصة، أخذني رجلٌ طيب بسيارته، وصورني بالكاميرا، والشقة التي تظهر خلفي لا علاقة لي بها، إني أسكن في عزبة قذرة، نحشر فيها بالعشرات، وبعضنا ينامُ أرضًا، نعمل في أعمالٍ نخجلُ منها في وطننا، منذ قدمت وأنا أشعر أني فراغ، إنسانٌ لا معنىٰ له، كائنٌ فائضٌ علىٰ الوجود، أؤدي عملي المرهق ثمَّ نعود نتكوم علىٰ أنفسنا، نبكي مرارة الغربة، ونبكي من الوطن، ولا نعرفُ عدوًا من صديق! هل أقولُ لكَ شيئًا: أنا أشعر بصدمة، لم تكن كما كنتُ أحلم، هل كُتبَ علينا الشَّقاء هنا وهناك؟ لا أدري، لكن سأستمر في التَّجرِبة، وأرسلُ لكَ عن حالي بينَ حينٍ وآخر، ليبقَ الأمر بيننا، لا تخبر أحدًا بما أنا عليه، فحالي لا يسر».

بعد هذه الرسالة، انقطعت أخباره عني، تركَت أسرته المكان الذي يعيشونَ فيه، لم أعرف أينَ انتقلوا، وغاب الصَّديق عن صفحةِ الذِّكرى، كأنَّ صحبة لم تكن، فلا يعرفُ عني شيئًا، ولا أعرفُ عنه إلا ما وردَ في رسالته قبلَ سنوات!

الفصلُ الثَّاني:

أعلنتُ عن كتابي (مسوَّدة المنفىٰ)، ثمَّ بعدها بوقتٍ يسير وصلتني رسالة من مجهول، يقولُ فيها:

«ما كنتُ أعرفُ أنكَ صرتَ كاتبًا، ولم أتخيل يومًا أن تكونَ كذلك، لا أدري هل ما زلت تذكرني؟ أنا صديقكَ فلان! الباحث عن الهجرة، هل تذكر سفري الأول، لقد تحوَّلَ إلىٰ أسفار، عشتُ سنواتٍ طوال في تلكَ البلاد، ثمَّ قررتُ الرحيل، إلىٰ دولةٍ أخرى، لقد حاربتُ حتىٰ وصلت، خرجتُ مرارًا من فمِ الموت، لا أصدقُ أني نجوت!

لي سنوات في بلادٍ أوروبية، هل تذكر الرسالة التي أرسلتها لكَ قبل سنواتٍ طويلة، أعد قراءتها، لأنها تصف حالي مع تغيرٍ طفيف، إنني أبحثُ عن المعنى، لم أجده، لا أدري ما أصنع، فعلتُ كل شيء لم أفلح، يقتلني الشعور بأني إنسان طارئ، غريب، مهاجر، إنسان بلا رفقاء، منزوع الذكريات، محروم من رؤيةِ أهله، هل تصدق لم أر أمي منذ تلكَ الأيام، هل تستحق الدنيا كل هذا العناء؟ إنَّ الإحساس بالأنانية يقتلني، والشعور الذي أخرجني من بلادي ما زال يلاحقني، لا أدري كيف أثبتُ نفسي؟ أثبتها لمن، لا أدري؟ صدقني، لولا شيء من إيمانٍ يحيطُ بي وإلا كنتُ رحلتُ من زمنٍ طويل، لعلها دعوة أمي التي تفخر بابنها المهاجر!

شرعتُ قبل سنوات في بناءِ أسرة في قصةٍ مثيرة، أرويها لك لاحقًا. حتى بناء الأسرة لم يتمكن من إيقاف نزيف الأفكار في داخلي، أبنائي الصغار لا يعرفونَ شيئًا إلا هذه البلاد الصمَّاء، قطع الجذور جريمة تلاحقني، العودة هاجسٌ لا يتوقف، لكني أخشى عليهم، لم تعد تغريني الحياة، ولا أطمعُ في شيء، أريد حياة مكتملة أشعر فيها أنَّ الأرضَ التي أسيرُ فيها تحبني وأحبها، نحنُ هنا نعيشُ فوقَ أرضٍ لا تأبه بنا ولا لنا، تربطنا «مصلحة العيش» والبقاء، لو نفذت الأموال من جيبي سألقى جثة في زاوية من أرضٍ باردة لا تحفلُ بي، ولا يهمها من أكون.. أنا المهاجر، الفارغ من كل شيء، إنني أعيشُ من منفىٰ لآخر، المنفى يعيشُ في أعماقي، وعنوان «كتابك» هيَّجَ كل شيء في نفسي، ولعلي أحظى بقراءته قريبًا».

أغلقتُ رسالته، ثم بدا لي أنَّ صاحبي ما أضناه بُعدُ الديار وحده، وإنما أضناه قلبٌ أتعبه التطلّع، وأرهقه طلبُ ما يفوت. كان يطلبُ وطنًا، وكان المنفى ساكنًا فيه، ويظنُّ أنَّ البحر يقطع ما بينه وبين شقائه، وما درى أنَّ بعض الأسفار تزيد الوجع اتساعًا.

فالغربةُ نصفها مسافة، ونصفها قلقٌ كامن؛ فإذا سكن القلب هان المنفى، وإذا اضطرب ضاقت به الأوطان كلُّها.

وليس الشأن أن تجد أرضًا تقيم فيها، وإنما الشأن أن تجد نفسًا تسكن إليها. فمن وُهب الرضا حمل وطنه في صدره، ومشى مطمئنًّا ولو عبر المنافي كلَّها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى