أشتات

شرح الرضي على الكافية .. تكامل العلم العربي

امتاز علم النحو العربي ببنية منطقية شديدة الرصانة والانضباط. هذه المقولة التي لم يكمل الإعراب عنها مقدار سطر واحد؛ فيها ما فيها -على تعبير القدماء- من نقاشات وتأملات، ودلالات وتصنيف لوجه هذا العلم. قد يقتضي الإفاضة عنها تنظيرًا حيزًا ضخمًا؛ لكنَّ مدخلًا تعريفيًّا بكتاب “شرح الكافية” مثال حيٌّ كافٍ للإيجاز في الأمر، إنْ تعذَّرت الإفاضة فيه. فهو مَعلَم على هذا الملمح المنطقي العقلاني المتوهِّج في علم النحو العربي؛ فضلًا عن كونه من أمهات العلم وتصانيفه الكبار المعتبرة، مما سارت بها الرُّكبان.

والكتاب يرتبط بشخصيتَيْنِ ذواتَيْ خطر واعتبار في الفن اللغوي، لكنهما إنْ اشتركا في شدة الخطر والاعتبار في الصنعة؛ فشتَّان بينهما في ذيوع الصيت الشخصي، والترجمة لحياة كلٍّ منهما.

أولهما عثمان بن عمرو بن أبي بكر، المُلقَّب بالإسنوي، لميلاده بإسنا بصعيد مصر عام (571هـ)، المشهور بابن الحاجب لأن أباه كان حاجبًا للأمير “عز الدين موسك الصلاحي” خال “صلاح الدين الإيوبي”. من أكابر أهل العلم في الإسلام، ومن أعلام المالكيَّة المشهورين. عاش في ظلال دولة الأيوبيين، وكان من ذوي الرأي والشجاعة في الإعراب عنه؛ ففي رحلته للشام نعى على “الصالح إسماعيل” صاحب دمشق أفعاله، والتجاءه للصليبيين مُدافعةً لإخوانه المسلمين. فسجنه الأمير هو وصديقه شيخ الإسلام، وسلطان العلماء، ومجتهد العصر؛ الإمام “عز الدين بن عبد السلام” (ت 660هـ)، ثم أخرجهما من الشام. فلمَّا لزم القاهرة ثانيةً، درَّس بالمدرسة الفاضلية، وتصدَّر فيها. وتوفي عام (646هـ) رحمه الله.

وللإمام ابن الحاجب عدد من المؤلفات البارزة في كثير من العلوم. لعلَّ أشهرها كتابه الكافية، وعنوانه الكامل “كافية ذوي الأَرَب في معرفة كلام العرب”؛ والشافية في الصرف والخط؛ ومختصر المنتهى، واسمه الكامل “مختصر منتهى السُّؤل والأمل في علمَيْ الأصول والجدل”، وهذا المختصر كان عليه المعتمد في الأصول، وهو من أهم الكتب في الفن، ودار عليه التدريس. إلى أن وفَّق الله -تعالى- الإمام تاج الدين السبكي (ت 771هـ) وشرح هذا الكتاب في عنوان لطيف “رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب”، ثم كتب “جمع الجوامع” فصار عليه معتمد الدرس ومداره. لكنَّ مختصر ابن الحاجب ظل ذا مكانة رفيعة سامقة في علم الأصول. ولابن الحاجب عقيدة من صفحة واحدة، ذات براعة شُرحت على يد أبي العباس التلمساني (ت 899هـ). وله كتاب جامع الأمهات في الفقه المالكي. وله الأمالي النحوية (الأمالي جمع إملاء). كما أن له نظمًا لكتاب الكافية عنوانه “الوافية في نظم الكافية”، من 980 بيتًا.

ولا عجب من هذا الإنتاج الناضج أشد النضوج؛ فابن الحاجب ربيب أسياد من أهل العلم؛ من أمثال الإمام الشاطبي (ت 590هـ)، صاحب منظومة “حِرْز الأماني ووجه التهاني”، المشتهرة بمتن الشاطبية في القراءات. وكذا تلمذ على يد الإمام ابن عساكر (ت 600هـ)، الملقب بحافظ الدنيا، صاحب “تاريخ دمشق”؛ والعارف بالله أبي الحسن الشاذلي (ت 656هـ). ولابن الحاجب تلاميذ من أشهر أهل العلم؛ لعلَّ أشهرهم الإمام ابن مالك (ت 672هـ) صاحب ألفية النحو، وابن المُنَيِّر (ت 683هـ) صاحب الحاشية المشهورة على تفسير الكشَّاف، وشيخ الإسلام القرافي المالكي أوحد دهره (ت 684هـ)، والحافظ المُنذري صاحب الترغيب والترهيب (ت 656هـ).

أما الشخصية الأخرى فهو محمد بن الحسن، الملقَّب برضيّ الدين، الاستراباذي (ت 686هـ)، من قرية استراباذ، في طبرستان، إيران حاليًا. هذا ما نكاد نملكه عن الرجل، غير ارتحال إلى المدينة المنورة وبغداد؛ وأنه لُقِّب بنجم الأئمة في بعض كتب التراجم أو غيرها من الكتب التي أتت على ذكره؛ وأنه كان متشيِّعًا وهذا ما استنتجه البعض من ثنايا الكتاب. والرضي الاستراباذي غير ركن الدين الاستراباذي (ت 715هـ)، وكلاهما من القرية نفسها، وكلاهما شَرَحَ الكافية وشرح الشافية؛ إلا أن الأخير شرح الكافية ثلاثة شروح. كما أن كليهما من أصحاب المنطق المراعين له أشد المراعاة.

وليس يضير شيئًا أن يَخمُلَ ذِكرُ أحد أهل العلم؛ فالكثير منهم على ذا الحال، بل بعض أبرعهم خامل الذكر الشخصي. بل إنها علامة تفوق ومتانة؛ فكفى بالمرء شرفًا أنْ يُعرف بعمله وعلمه، وإنْ خمل ذكر أسفاره وشيوخه وتلامذته ومواقفه. وما حاجتنا للأخير إلا لخدمة الأول ولإكمال البناء المعرفي والخريطة العلمية.

وإنْ خمل ذكر الرضي فإن شرحَيْهِ على الكافية والشافية قد طبَّقا الآفاق شهرةً وذيوعًا واستحسانًا. ولسنا في حاجة إلى فضل معرفة إنْ قرأنا رأي الشريف الجرجاني (ت 816هـ) في هذا الشرح؛ حيث يقول: “وإنَّ شرح الكافية للعالِم الكامل، نجم الأئمة، وفاضل الأُمَّة، محمد بن الحسن الرضي الاستراباذي؛ كتاب جليل الخطر، محمود الأثر، يحتوي من أصول هذا الفن على أمهاتها .. وجاء كتابه هذا كعقد نظَمَ فيه جواهرَ الحِكَم بزواهر الكَلِم”. وقد احتل هذان الشرحان المحل الأسمى بين شروح الكافية والشافية؛ ولعلَّ إلماحةً بأن شروح الكافية تزيد على 150 شرحًا تُغني عن البسط في مكانة هذا الشرح؛ حيث تصدَّر عليها جميعًا، بما فيها شرح ابن الحاجب نفسه لكافيته.

وقد اهتمَّ الاستراباذي في الشرح بتعديد آراء المذاهب النحوية في المسائل، وعرضها في سماحة ودون تعصب؛ مع التركيز أصالةً على المذهب البصري؛ ثم يدرج اختلاف الكوفيين أو البغداديين أو غيرهم من أصحاب الآراء. وهنا تلتمع سمة هامة في هذا الشرح؛ وهي سمة النقد الدقيق الذي امتاز به الاستراباذي. ونقده مشحون بملامح الفطانة ورجاحة العقل، يَنقُدُ بحُريَّة العالم النحرير المدقق، وبأمانة العلم وخِلافته. وليس الأمر عجبًا لمَن امتلك إمكانه العلمي، وتأهيله الفلسفي والمنطقي. ولعلَّ هذا الملمح يُطلع طلاب العلم الشادين له على ضرورة الاهتمام بعلوم المعقول، وما يضفيه هذا الاهتمام من فطانة في نفس الطالب الراشد.

كما نجد في الشرح ملمحًا هامًّا وجزءًا أصيلًا من علم النحو العربي؛ ألا وهو باب التعليل النحوي. وفي هذا الملمح اهتمَّ علماء النحو العربي بتعليل كل سلوك لغوي -مهما دقَّ- تعليلًا توخَّوه صحيحًا، ذا مسلك عقلي -وضح أم غمض-. ويرتبط سلوك التعليل النحوي بمسالك الاستدلال عند الرضي؛ والتي تنشعب إلى مسالك عقلية وهي السلاح الماضي في يد الرضي، وإلى مسالك نقلية، نجد فيها القرآن، والحديث النبوي، والأمثال، والشواهد الشعرية، ونجد اقتباسات من كتاب “نهج البلاغة” الذي جمع فيه “الشريف الرضي” (ت 406هـ) أقوال وخطب الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وكثرة استدلاله منها من عوامل ترجيح تشيُّع الرضي عند بعض الباحثين. ومن الشواهد العودة إلى اللغات واللهجات العربية المتعددة. ولا يَهُولنا تعدُّدُ المسالك النقلية على ذِكرٍ مُقتضبٍ للمسالك العقلية؛ فهي واسعة متعددة أيضًا، وهي أصل التفكُّر في النقل، وفي تنظيمه والإفادة منه.

هذا، ومعروف أنَّ شرح أي كتاب نابعٌ عن اتفاق بين الكاتب الأصيل والشارح في الرؤية الكلية، وإلا لا يكون شرحًا، بل يصير نقدًا أو نقضًا -على اختلاف مدى التباين بين الرؤيتين-. لكنَّ اتفاق الرضي مع ابن الحاجب لم يمنع الأول من إبداء اعتراضات متعددة على الماتِن (صاحب المتن المشروح). خاصةً في باب التعريفات الذي يُدقق الرضي في شأن منطقية الحد (التعريف) فيه إلى مدى بالغ الغور، مُتحرِّيًا توفُّر وصفَيْ (الجامع المانع) فيه. وإن نظرةً عابرةً على أول الكتاب – مثلًا- في تعريفه الكلمة واللفظ؛ لتطلعنا على مدى الدقة التي امتاز بها الرضي.

ولعل الناظر المُعتاد على المؤلفات النحوية العصرية أو المدرسية سيصيبه العجب والدهش عند مطالعته لمثل هذا الكتاب؛ أولًا لغرابة تصنيفه عن التصنيف المعروف للألفية، فقد قُسِّم الكتاب على تصنيف فروع الكلمة، وعنها تُفرَّع الأبواب المعروفة. ثانيًا لما وُصف في السطور السابقة من سلوك منهجي في كتب النحو الأصيلة، اقتطعوه أهل العصر كاملًا في النحو التعليمي الحديث.

وهذا الشرح ليس للمبتدئين، بل لمَن حاز في نفسه مجموعًا من العلوم. فقد يغُرُب الشرح على القارئ العام، بل قد لا يفهم منه شيئًا؛ لما بثَّه الرضي فيه من علوم ومعارف يعالج بها المتن النحوي للكافية. وهو بخلاف شرح ابن يعيش (ت 643هـ)  على مُفصَّل الزمخشري (ت 538هـ)  الذي يصل إلى النتائج دون إظهاره الاستعانة بعلوم أخرى، ودون نقاشات فلسفية تحمل اصطلاحات تغمض على القارئ العام.

هذا، والكتاب طُبع في العصر الحديث من عصر المطابع العتيقة، واكتنفتْ طباعته عيوب وخلل ظاهر، حتى أخرجه الدكتور يوسف حسن عمر عن المطبوعات السابقة، دون تحقيق من المخطوطات، عام 1973م، في ليبيا. وهي الطبعة المشهورة المتداولة للكتاب حتى الآن. وتقع في أربع مجلدات.

وهذا مثال من الكتاب، من باب الاستنثناء، الواقع في المجلد الثاني. ويدلُّ المقتطع على الاستخدامات الفلسفية والمنطقية التي امتاز بها الشرح.

قال ابن الحاجب:

“المستثنى متصل ومنقطع، فالمتصل هو المخرج من متعدد لفظًا، أو تقديرًا، بإلا وأخواتها، والمنقطع: المذكور بعدها غير مخرج”. 

قال الرضي: 

“اعلم أنه قسَّم المُستثنى قسمَيْن، وحدَّ كلَّ واحدٍ منهما بحدٍّ مُنفرد من حيث المعنى، قال (أي ابن الحاجب في شرحه للتعريف): وذلك لأن ماهيَّتيهما مختلفتان، ولا يمكن جمع شيئين مختلفي الماهيَّة في حدٍّ واحد، وذلك لأن الحدَّ مُبيِّن للماهية، بذكر جميع أجزائها -مُطابقةً وتضمُّنًا-. والمختلفان في الماهية لا يتساويان في جميع أجزائها حتى يجتمعا في حدٍّ واحد. والدليل على اختلاف حقيقتيهما أن أحدهما مخرج، والآخر غير مخرج، بل يمكن جمعهما في حدٍّ واحد باعتبار اللفظ؛ لأن مختلفي الماهية لا يمتنع اشتراكهما في اللفظ، فيقال المستثنى هو المذكور بعد (إلا) وأخواتها، هذا آخر كلامه”. 

وبعد، فهذه إطلالة سريعة على كتاب من أمهات كتب النحو، لعلها تُعرب عن أصالة العلوم العربية، وتداخلها وتناسقها في صناعة علمية رصينة. ولعلَّها تدفع طالب العلم الجاد إلى مطالعة هذه الكتب الحقيقة بالمطالعة، على هدى وأثارة من رشاد.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى